(خاص-وطن)-شمس الدين النقاز– لم ينتظر وزير الخارجية الأمريكية جون أكثر من 24 ساعة من انتهاء خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح الذي أشاد فيه بإسرائيل وأعلن عن استعداده لتقديم مبادرة لإحياء عملية بين الفلسطينيين وإسرائيل خلال حفل افتتاح محطة كهرباء في صعيد مصر، حتّى يزور مصر.

 

صحيح أنّ كيري، كان قد أعلن عن زيارته للقاهرة قبل أن يتحدث السيسي عن عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، لمناقشة الوضع في ليبيا والأزمة السورية ولإثارة حملة القمع الشديدة ضد المعارضين في مصر، لكنّ مسؤولا أمريكيا رفيعا طلب عدم ذكر اسمه للصحفيين المرافقين لـ”كيرى” زاد من نقاط الإستفهام حول حقيقة هذه الزيارة السريعة جدا، حيث قال المسؤول الأمريكي “إن كيري مهتم بالإستماع مباشرة من الرئيس المصري إلى المزيد حول الدور الذي ينوي القيام به”.

 

ومن الصدف الّتي أثارت عديد نقاط الإستفهام أيضا، أنّه وبعد ساعات من انتهاء الخطاب التاريخي الّذي صرّح فيه السيسي عن معتقده تجاه القضيّة الفلسطينيّة بعد أن كان في طيّ الكتمان وإن كانت الصحافة العبريّة قد كشفت هذا المعتقد في أكثر من تقرير خلال الأشهر الأخيرة، سارع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى زيارة القاهرة لمقابلة الرئيس المصري  للمرّة الثانية على التوالي في أقل من شهر.

 

كما أنّ وزير الخارجية الأمريكية، تحادث هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإثنين وأجرى اتصالاً مماثلاً بالرئيس الفلسطيني محمود قبل بضعة أيام لمناقشة تفاصيل القضيّة الفسطينيّة وملفّ السلام، كلّ هذا وغيره يؤكّد أنّ خطاب السيسي كان مبرمجا وكان بإيعاز من الولايات المتّحدة والسلطة الفلسطينيّة ونظيرتها الإسرائيلية.

 

ويرى مراقبون أنّ “السيسي” في خطابه الأخير يهدف إلى أن تستعيد مصر دورها الإقليمي في الشرق الأوسط، كما يطمح في تخفيف الضغط عن نفسه بعد أن أصبحت سيرته في الحكم وفي قمع المعارضين محور حديث أغلب وسائل الإعلام في العالم، كما أنّ توقيت الخطاب مهم، لأنه يأتي بعد أكثر من شهر على زيارة وفد الذي اجتمع مع قيادات المخابرات المصرية من أجل تعزيز التعاون والتقارب مع مصر، وبعد أيام قليلة من اجتماع في القاهرة جرى بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس السلطة محمود عباس.

 

وذكر السيسي في كلمة له الثلاثاء أن “هناك مبادرة عربية وفرنسية وجهودا أمريكية ولجنة رباعية تهدف جميعا لحل . ونحن في مصر مستعدون لبذل كل الجهود التي تساعد في إيجاد حل لهذه المشكلة”، كما وعد إسرائيل ببناء علاقات أكثر دفئا معها إذا تقبلت الجهود المبذولة لإحياء مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، حاثّا في الوقت نفسه القادة الإسرائيليين على عدم إضاعة ما وصفها “بهذه الفرصة” لإعادة السلم والأمن إلى المنطقة.

 

ترحيب إسرائيلي بمبادرة السيسي

وفي إطار تفاعله مع خطاب السيسي “التاريخي”، أكّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الثلاثاء أن على استعداد للعمل مع دول عربية من أجل التقدم نحو تحقيق اتفاقية سلام مع الفلسطينيين.

 

وقال نتنياهو إنّ “اسرائيل مستعدة للمشاركة مع مصر ومع الدول العربية في دفع عملية السلام والإستقرار في المنطقة وإنّني أقدّر ما يقوم به الرئيس السيسي وأتشجع من روح القيادة التي يبديها فيما يتعلق بهذه القضية الهامة”.

 

وفي سياق متّصل اعتبرت مصادر سياسية في إسرائيل، أن الخطاب الذي ألقاه السيسي، يأتي على ما يبدو بعد تنسيق مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وزعيم المعارضة يتسحاق هرتسوغ، بهدف الضغط على أعضاء حزب “المعسكر الصهيوني” الذي يقوده هرتسوغ، لجهة تأييد المفاوضات الجارية بين نتنياهو وهرتسوغ من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية في إسرائيل.

 

وكشف موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن أعضاء بارزين في حزب المعسكر الصهيوني، اعتبروا أن خطاب السيسي لم يكن مصادفة من حيث توقيته، وأنه على ما يبدو جزء من تنسيق مع ديوان نتنياهو، ويهدف إلى الربط بين نتنياهو وهرتسوغ، من خلال الحديث عن فرص مبادرة إقليمية للسلام في المنطقة، ينبغي عدم إضاعتها وهو ما لم يستبعده المراسل السياسي للقناة الثانية الإسرائيلية “عميت سيغال” الّذي أشار إلى أن تصريحات السيسي حول عملية السلام قد تبدو منسقة مع هرتسوغ ونتنياهو.

 

ولفتت “يديعوت أحرونوت”، إلى أن كلا من نتنياهو وهرتسوغ سارعا إلى التعقيب على تصريحات الرئيس المصري، والإشادة بها، فيما ذكرت القناة العاشرة أن كلا من نتنياهو وهرتسوغ أعلنا عزمهما القيام بزيارة للقاهرة في المستقبل القريب.

 

صحيفة يديعوت أحرونوت ليست وحدها التي أشادت بمبادرة السيسي، حيث اهتمت الصحافة الإسرائيلية عموما بتصريحات الرئيس المصري، بل وبثت مقتطفات طويلة من خطابه، وهو أمر غير مسبوق مع خطابات الزعماء غير الإسرائيليين، وقد يكون ذلك استجابة للسيسي حين طالب بإذاعة خطابه في إسرائيل مرة ومرتين.

 

وقال المراسل السياسي لصحيفة هآرتس باراك ربيد إن خطاب السيسي حظي بمباركة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي أبدى ترحيبه بأي جهد يبذله السيسي للتقدم في عملية السلام لتعزيز الأمن بين الإسرائيليين والفلسطينيين وشعوب المنطقة، وعبر عن استعداد إسرائيل لكل تعاون مع مصر ومع الدول العربية الأخرى على التقدم في عملية السلام، مؤكّدا أن نتنياهو يقدر الجهد الذي يبذله السيسي ويقف مؤيدا لزعامته التي يظهرها في هذه المرحلة.

 

ولاحظ مراقبون أنّ خطاب السيسي “التاريخي” بصعيد مصر استغرق من الوقت 22 دقيقة، تحدث في 8 دقائق منها فقط في الشأن المصري، فيما خصص 14 دقيقة للحديث عن أهمية تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وهنا تبدو المفارقة، حيث أن السيسي لم يبد في مرات سابقة وفي أوج اشتعال المواجهات بين الإسرائيليين والفلسطينيين في غزة والضفة أي اهتمام بالتدخل لطرح خطة تسوية ما عرضه لحملة انتقادات اتهمته بالتخلي عن الدور التقليدي لمصر في القضية الفلسطينية.

 

الموقف الفلسطيني من مبادرة السيسي

وعلى الجانب الآخر، وفي تعليقها على مبادرة السيسي، سارعت حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية بالترحيب بخطاب السيسي، ووصفته بأنه شجاع ويعبر عن رؤية صريحة تجاه الوضع الفلسطيني الداخلي.

 

وقال المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية يوسف المحمود في تصريح صحفي، الثلاثاء، إن الخطاب كان شجاعا وتطرق إلى ضرورةا إتمام المصالحة، والتأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، إضافة إلى التأكيد على المبادرة العربية للسلام والمبادرة الفرنسية.

 

وأضاف المحمود أن الحكومة الفلسطينية ترى في خطاب الرئيس السيسي استعادة لدور مصر التاريخي والواضح والشجاع في المنطقة، مؤكدا أمل الحكومة في أن يكون هذا الخطاب بداية لاستعادة القضية الفلسطينية أولويتها في الدبلوماسية العربية بعد التراجع الذي لحق بها جراء الاضطرابات في المنطقة.

 

الموقف الأمريكي الرسمي

وعن الدور الأمريكي في هذه مبادرة السلام، تعتقد واشنطن أن التسوية عبر التفاوض على أساس حل الدولتين هي الوسيلة الوحيدة لإنهاء النزاع، ولكنها لا ترى أن الوقت حان بعد لاستئناف الحوار المباشر بين الطرفين وتفضل العمل في الوقت الراهن على إجراءات لبناء الثقة للحد من العنف وتهدئة التوتر.

 

ويثير هذا التوجه الأميركي خيبة أمل لدى بعض القوى في المجتمع الدولي وتدفع ، والآن انضمت إليها مصر، من أجل استئناف أسرع للمفاوضات للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع.

 

وهناك تعاطف مع هذه الرؤية في واشنطن وقبول بأنه قد يصعب استئناف عملية السلام إذا تركت لتتحلل، ولكن تتعامل بحذر كذلك مع محاولات دفعها أسرع مما ينبغي.

 

وقال المسؤول الأمريكي رفيع المستوى، رفيع “لقد قلنا مرارا إننا مؤمنون بأن المفاوضات هي الوسيلة الوحيدة لحل المشكلة وقلنا كذلك إننا لا نسعى من جانبنا لاستئناف المفاوضات في هذه المرحلة”.

 

وأكد المسؤول الأمريكي أن بلاده “أعربت بشكل واضح عن قلقها بشأن بعض الخطوات التي تم اتخاذها على الأرض، والتي تؤثر على فرص التوصل إلى حل على أساس الدولتين”.

 

معوّقات السلام قبل خطاب السيسي

وكان أنصار عملية السلام قد أصيبوا بالإحباط خلال الشهور الأخيرة؛ بسبب استمرار إسرائيل في بناء مستوطنات على الأراضي الفلسطينية وتواصل الهجمات الفلسطينية سواء بالرصاص أو بالأسلحة البيضاء على المستوطنين الإسرائيليين، وهو ما أدى إلى تعزيز موقف “المتشددين” لدى الطرفين ما يجعل التوصل إلى اتفاق سلام أمر يصعب توقعه.

 

غير أنه قبل ثمانية أشهر فقط على نهاية ولايته، لم يعد لدى الرئيس الأمريكي، إذا أراد التحرك، الوقت الكافي للتعامل مع تحدي عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، التي فشل العديد من الرؤساء السابقين في دفعها إلى الأمام، وهناك تقارير مستمرة غير مؤكدة في واشنطن، تحدّثت عن اعتزام الرئيس باراك الإدلاء بخطاب مهم، يعلن فيه بشكل أوضح دعم بلاده لحل الدولتين.

 

يذكر أنّ المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية توقفت في أبريل/نيسان 2014 بعد رفض إسرائيل وقف الإستيطان، وقبول حدود 1967 كأساس للمفاوضات، والإفراج عن معتقلين قدماء في سجونها.