(خاص-وطن)

 

من المؤكّد أنّ الجميع تفاعلوا مع تلك الصورة الّتي هزّت كيان كل من شاهدها.

 

تلك الصورة التي احتضن فيها مواطن مصري قبل أن يكون وزيرا سابقا أو “إخوانيا” نجلته الّتي حرمت من رؤية أبيها والبوح له بمشاعرها وأفراحها وأتراحها طيلة أشهر من الغياب والفراق المرّ.

 

نجلة من المؤكّد أنّها كانت تمنّي نفسها أن يكون والدها إلى جانبها في كلّ دقيقة وكلّ ثانية من عمرها، يوقظها في الصباح الباكر لكي تقوم بتحضير نفسها للذهاب إلى المدرسة، وقبل الذهاب، يجهّز لها والدها الحنون رفقة أمّها فطور الصباح، ثمّ بعد ذلك يصطحبها بنفسه إلى المدرسة أو يكلّف شخصا آخر لإيصالها بعد أن يستوفي توصيته بالأخذ بعين الإعتبار كلّ إجراءات السلامة.

 

من المؤكّد أنّ نجلة باسم عودة تأذّت ولازالت ستتأذّى أكثر ما دام والدها بعيدا عنها، فلا جيرانها في الحيّ الّذي تسكن فيه يرأفون بها لأنّها “إخوانيّة”، ولا أصدقاؤها في المدرسة يتحدّثون معها “ربّما”، لأنّ التوصيات المتواترة “جاءت من الفوق” كما يقال بأنّ الإخوان وعائلاتهم إرهابيّون.

 

نجلة باسم عودة مثل كلّ فتاة بأبيها معجبة، وربّما هي بأبيها منبهرة وليست فقط معجبة، فوالدها تجرّأ وطلب من القاضي خصّيصا أن يسمح له بمقابلة ابنته في يوم عيدها ليهديها هديّة أكثر من ثمينة، لا يمكن لها أن تشتريها بأيّ ثمن في تلك اللحظة التاريخيّة، لقد أهداها والدها “وردة”، هذه الوردة الّتي نجهل مصدرها إلى الآن ولكن من المؤكّد أنّ المحقّقين سوف يبحثون عن مصدرها في وقت لاحق لكي يتّخذوا الإجراءات اللازمة، فكيف لـ”إخواني” “إرهابيّ” أن يتحصّل على وردة ويهديها إلى ابنته التي من صلبه.

 

هذه الوردة ربّما ستكون الأغلى في التاريخ، فقد التقطتها عدسات وسائل الإعلام الحاضرة لتغطية المحاكمة الهزليّة، “غرفة عمليّات رابعة”، في حين كان من الأجدر على القاضي أن يحاكم من فضّ اعتصام رابعة وقتل وجرح وحرق المئات يومها، لا من يتّمت أطفالهم ورمّلت نساؤهم.

 

نجلة باسم عودة ليست الوحيدة الّتي تمّ السماح لها بلقاء والدها، وإنّما تمكّن أبناء المتحدث باسم جماعة الإخوان الدكتور أحمد عارف من الإلتقاء بوالدهم داخل منصة المحكمة، حيث التقاهم بالأحضان وقام تقبيلهم وربّما الحديث معهم قليلا عن الأوضاع الّتي يعيشونها، فما من شكّ أنّهم قالوا لأبيهم إنّ الأمن يراقبنا ويتابعنا صباح مساء ويوم الأحد، بل من المؤكّد أنّهم صارحوه بالقول إنّ أوضاعنا المعيشيّة والماديّة لا تكفي بالغرض وإن كانت ميسورة والحمد لله.

 

صورة الأطفال الأبرياء الّذين يحتضنون آباءهم، هزّت الضمائر الحيّة والّتي من المؤكّد أنّ من بينها ضمير المستشار حسن فريد، رئيس محكمة جنايات القاهرة الّذي سمح للمعتقلين بلقاء أبنائهم بعد سنة من الغياب والفراق الأليم، لكنّها في نفس الوقت ربّما تعيد إلى الضمائر الميّتة بعض الحياة.

 

صورة ستبقى عالقة في ذهني، ولحظات ستبقى هي الأخرى محفورة في أذهان كلّ من شاهدها أو عاشها ومن بينهم الحضور في المحكمة من شرطة ومستشارين وإعلاميين ومحامين، فرغم أنّ الجهات الرسمية التي كانت حاضرة ليس مسموح لها بالبكاء وقتها لكي لا يتّهموا بأنّهم إخوانيون أو متعاطفون، إلّا أنّهم سوف يذرفون الدموع أنهارا فور عودتهم إلى منازلهم ومع أوّل فرصة يخلون فيها إلى أنفسهم.