نشرت مجلة “إيكونوميست” البريطانية تقريرا عن الأوضاع في جمهورية العربية, مشيرة إلى أن رئيس النظام يقود نظاما يسير بمصر نحو الكارثة وسيترك آثاره على مصر والمنطقة.

 

ولفتت المجلة البريطانية إلى حالة الخوف التي يعيشها المصريون، فقد تحولت الهواتف المحمولة والذكية التي كانت وسيلة للحشد والتعبئة لثورة عام 2011 إلى أداة خوف لدى الناشطين الذين يخبئونها في قوارير زجاجية.

 

وقالت ناشطة إنها تضع هاتفها في الثلاجة حتى لا تتنصت المخابرات على مكالماتها. ولا يقتصر الخوف على مصر بل وغالب الدول العربية التي عادت فيها الدولة العميقة وبانتقام. وترى أن مصر التي يحكمها الجنرال السيسي الذي يزعم أنه “ابن الثورة” أكثر قمعا مما كانت عليه في عهد مبارك.

 

وتضيف أن الكثيرين يقارنون الوضع الآن بالقمع في عهد جمال عبد الناصر ولكن من دون خطابته ودعوته القومية العربية. فمثل السيسي، حاول ناصر سحق .

 

وكما حدث في العهد الناصري، فهناك مخاوف أن يندفع هؤلاء نحو العنف الجهادي بسبب القمع الحالي. وتقول المجلة إن كل القادة العرب الذين أطاح بهم ثوار عام 2011 كانوا رؤساء جمهوريات ولم يكونوا ملوكا، فرغم قسوة أنظمتهم إلا أنها كانت هشة.

 

ويصور الباحث الفرنسي “جين بيير فيلو” نظام ناصر بأنه كان نسخة تامة عن “الدولة المملوكية” التي حكمت مصر ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر. ويرى “فيلو” أن هذا الوصف يصدق على دول عربية أخرى مثل الجزائر واليمن وسوريا، وهي دول ذات تاريخ طويل في هيمنة العسكر على نظام الحكم فيها. وتقول المجلة إن الجمهوريات “المملوكية” كانت ذات ميول يسارية في الأعم الأغلب وميل نحو السيطرة على الاقتصاد. حسب ما نقله موقع “العصر”.

 

وفي البداية، أقامت دعائم الحكم على الأنموذج الأتاتوركي في تركيا مع أنها لم تشترك معه في علمانيته المتشددة. وعليه، فقد كانت الأجهزة الأمنية أقرب في تشكيلها وعملها من النظام السوفييتي الذي تحالفت معه هذه الأنظمة. كما أخفى خطابها القومي رؤية طائفية ضيقة، ولهذا تميزت بالعنف، كما في العراق وسوريا والجزائر. وخاض كل نظام من هذه حربه القذرة.

 

وبخلاف هذه الأنظمة، فقد عاشت مصر في ظل مبارك نسخة مخففة من الحكم الشمولي، ربما لأنه كان يريد الحفاظ على دعم الحلفاء الغربيين له. أما السيسي، فليس لديه أي وازع يمنعه عن سفك الدماء، فقد قتل الآلاف في حملته لقمع الإخوان المسلمين وسجن منهم عشرات الألوف.

 

وتشير المجلة هنا إلى بعض نظريات المؤامرة التي تقول إن ثورة 2011 تلاعب بها الجنرالات منذ البداية واستخدموا المتظاهرين للتخلص من حسني مبارك أولا ومن ثم استخدموا الإخوان المسلمين لتهميش الليبراليين. ليستغلوا بعدها المتظاهرين الليبراليين للتخلص من الإخوان.

 

وفي الواقع، كان رد الجيش على الانتفاضة ارتجاليا، إلا أن النظرية تشير إلى النهج الذي تسلكه الدولة العميقة. ومن هنا، فالقمع قاس وعشوائي في مصر، والمحاكم تمارس قانونها الخاص. وتنقل عن “يزيد صايغ”، الباحث في مركز كارنيغي- الشرق الأوسط، قوله: “لا توجد دولة في مصر اليوم”، بل “هناك تحالف بين أصحاب المصالح والمؤسسات وكل واحد منهم يتصرف وكأنه فوق الدولة، ويعمل بشكل متناقض ويحاول إضعاف السيسي”.

 

وتشير المجلة إلى أن شرعية الجمهوريات العربية قامت على هدفين وهما: الوحدة العربية وتحرير فلسطين، ولم تنجز أيا منهما. ويضاف إلى هذا ملمح آخر يتعلق برغبة الأنظمة لإقامة سلالات رئاسية كما فعل حافظ الأسد مع ابنه بشار في سوريا، فيما حاول مبارك تحضير ابنه جمال للخلافة. وكان زين العابدين بن علي يخطط لتعيين صهره صخر الماطري، وهو ما دعا البعض لوصف الحكم الجمهوري الوراثي بأنه “جملوكيات”.

 

وتنقل عن الباحث غسان سلامة من جامعة “بو ساينسيس” في باريس، قوله: “لقد وصلت الأمور إلى حالة من العبث، حيث تحولت الدولة إلى سيارة أو شقة يعطونها لأولادهم”، وكان هذا بالتأكيد المحفز الذي أشعل الثورات.

 

ومع أن الملكيات ثبتت أمام موجة التغيير الأخيرة، إلا أن الملكية في مصر أطاح بها الضباط الأحرار عام 1952 وفي ليبيا انقلاب القذافي عام 1969. ويرى سلامة أن مصادر الشرعية: التمثيل والإنجاز والمنشأ ليس موجودا منها سوى الأخير، مضيفا: “أنا أحكم لأنني ملكتكم”، وهذا صحيح بالنسبة للملكيات العربية التي تستند في شرعيتها إلى النفط أو المنحدر والنضال، في المغرب نفى الفرنسيون محمد الخامس إلى مدغشقر، فيما رفع الهاشميون راية الثورة ضد الأتراك.

 

وقد تكيفت ملكيات مع الظروف، إلا أن مسألة الحكم على الأقل في سياقها الجمهوري تعبر عن أزمة العالم العربي. وتحتاج لإصلاح نفسها قبل أن يفوتها القطار. فقد انهار النظام الريعي وفشل النظام الديكتاتوري في دمج اقتصاد مركزي مع نظام العولمة وهذا يصدق على مصر. وحتى إن لم تظهر ميول السيسي بعد للتوريث، إلا أنه قاد مصر في العامين الأخيرين من أزمة إلى أخرى.