“وكالات- وطن”- لم تعد الجاذبية للاصطفاف في التنظيمات الإسلامية المُسلحة كجبهة النصرة أو تنظيم الدولة الإسلامية ()، محصورةً على الطبقات الفقيرة أو المهمشة داخل ، بل توسعت لتشمل الطبقات المتوسطة وبعض أفراد النخبة الحاكمة، رغم مزاعم عن مساعيها «الحثيثة» للقضاء على أي وجود لهذه التنظيمات على أراضيها.

 

في السطور التالية، نُحاول التعرف على السياقات الحاكمة لهذا الأمر، وربطها بالسياقين الاجتماعي والسياسي اللذين تعيشهما المملكة الهاشمية الأردنية.

 

ثلاثة آلاف أردني يُقاتلون في تنظيمات مُسلحة

يُقدر أعداد الأردنيين المُقاتلين داخل تنظيمات مُسلحة في العراق وسوريا بثلاثة آلاف أردني، ينخرطون في المواجهات العسكرية الدامية، فيما بلغ عدد المقتولين من هذه المجموعات الأردنية 300 أردني، بصورة شبه موثقة، حسب اتصالات الأهالي حتى الآن.

 

وتتخذ السلطات الأردنية إجراءات عقابية في هذه المواقف، كرفض إصدار شهادات وفاة بحق الأردنيين الذين يسقطون في العراق وسوريا، بحيث تواجه أسر هؤلاء الشباب المقتولين صعوبات بالغة في مراجعة الدوائر المُختصة، وتسجيل إصدار شهادة وفاة.

 

تغلغل أفكار التنظيمات المسلحة داخل المجموعات الشبابية في الأردن، يتزامن كذلك مع التحولات المهمة التي تعيشها الحركة الجهاديّة الأردنيّة في العامين الماضيين، ففي حين كان يتحدّر معظم الجهاديّين السلفيّين في البداية من جذور فلسطينيّة، نجد اليوم عددًا متزايدًا من القادمين من شرق الأردن، الذين انضمّوا إلى التنظيم، مثل عامر الخلايلة.

 

وتنتشر الجماعات الجهادية في الأردن بشكل رئيسي في خمس مناطق ومدن أساسية، هي: ضواحي العاصمة عّمان ولا سيما المناطق الشرقية، والمدن ذات الصفة الشعبية مثل الزرقاء، بلد أبي مصعب الزرقاوي، والرصيفة، والسلط، ومعان وإربد، إذ كان ينتمي معظم الذين اعتقلوا على خلفية الانتماء لهذه الجماعات إلى هذه المناطق أو المدن.

 

يعتقد كثير من الخبراء أن أحد الأسباب المرتبطة بتمدد أفكار الجماعات الجهادية المُسلحة، حالة العداء والاستنفار الذي تقوده الحكومة الأردنية حيال تيارات الإسلام السياسي المعتدل، وإقصاؤه من الساحة الأردنية، بل والزج بعدد من قياداته داخل السجون، فيما مثل هذا الأمر فرصة سانحة للجماعات الجهادية، لشغل هذه المساحة التي تركها، وانتشرت أفكارهم وسط الجامعات، فيما تراجع نفوذ جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية.

 

كذلك فحالة الإحباط واليأس والاحتقان الاجتماعي، وانهيار الطبقة الوسطى، شكّل بيئة مُناسبة لنمو ولاءات لـ«تنظيم الدولة» بين الشباب الأردني، الذي وجد فيها مساحة للحركة والتعبير عن طموحاته، وسط انسداد كافة السبل للتعبير عنه، في حركات سياسية، أو حتى حركات دعوية تعبر عن التيار الإسلامي المعتدل.

 

أبناء النخبة الحاكمة الأردنية أعضاء في التنظيمات المُسلحة

إحدى الظواهر التي تزايدت في الآونة الأخيرة، فيما يتعلق بجذب التنظيمات المسلحة لأبناء الطبقة الوسطى، هو قدرة هذه التنظيمات على استقطاب عدد كبير من أبناء النخبة الحاكمة، ممن ارتأوا في هذه التنظيمات الخلاص لحيواتهم، وتنفيذًا لشرع الله!

 

شباب الطبقة الوسطى

محمد (23 عامًا)، نجل النائب في البرلمان الأردني مازن الضلاعين، المُقرب من نظام الحُكم، والمنتمي إلى عائلة من الطبقة العُليا في الأردن، ساعدته في إكمال دراسة الطب في الخارج، قبل أن يهجرها لينضم إلى «تنظيم الدولة»، وينتهي به الأمر قتيلًا في عملية انتحارية، نفذتها خليّة تابعة للتنظيم في الرمادي، شمالي العراق.

 

لم يكُن محمد الحالة الأخيرة لعائلات النخبة الحاكمة في الأردن ممن انضموا إلى تنظيمات جهادية مُسلحة، إذ أذيع خبرٌ مطلع العام الجاري عن مقتل عُمران، نجل النائب محمد فلاح العبادي، وذلك أثناء قتاله في سوريا مع جبهة النصرة، وقد كان يدرس الطب أيضًا في أوكرانيا.

 

كما امتدت حالات الاصطفاف وسط النخبة الحاكمة الأردنية إلى عناصر من جهاز الأمن العام الأردني، إذ أقدم الضابط في جهاز الأمن العام الأردني، أنور أبو زيد، على قتل خمسة أشخاص في مركز تدريب للشرطة، اثنان منهم أردنيان، واثنان أمريكيان، وواحد من جنوب أفريقيا، وإصابة ستة آخرين.

 

تباينت الآراء في هذه الواقعة وفي تفسير دوافع الضابط، إذ ذهبت الأغلبية إلى انتماء أبو زيد إلى أحد التنظيمات الجهادية المُسلحة، فيما رأى آخرون أنه تصرف له دوافع دينية دون ارتباط من الضابط بأي تنظيم، في حين أرجعت الرواية الرسمية على لسان وزير الداخلية الأردني، سلامة حمّاد، الحادثة إلى «عوامل نفسية ومادية».

 

ووسط العديد من الشباب الأردني، تحول هذا الضابط إلى أيقونة، ونعته بعضهم بـ«الشهيد»، وتحولت جنازته التي شارك فيها الآلاف إلى شكل من أشكال الاحتفاء به، فيما كان رد فعل أسرته لافتًا، حين رفضت الاعتذار لعائلات الضحايا بما فيهم الأردنيون منهم.

 

المناهج الدراسية في الأردن

تحت عنوان «الداعشية في المناهج والكتب المدرسية»، صدرت دراسة تحليلية للدكتور ذوقان عبيدات، والذي ذكر في هذه الدراسة حجم المعلومات المغلوطة عن الإسلام، «الذي يقدم للطالب الأردني في صورة يخيم عليها الغلو والتطرف»، كما يقول عبيدات.

 

ويستند الكاتب في دراسته إلى عدد من المعلومات المذكورة، كتعريف الجهاد بأنه «فرض عين»، و«عدم جواز التأخر عن الجهاد إلا بعذر حقيقي»، و«الله يضمن المجاهد بالجنة أو العودة إلى منزله».

 

شباب الطبقة الوسطى

كما ذكرت دراسة للباحثة الأردنية دلال سلامة، أن «المحتوى التعليمي لكتب الصفوف المدرسية الثلاثة الأولى، لا يمثل خطوة باتجاه تكريس ثقافة التسامح الديني، والاعتراف بحق الآخر في الوجود، بل هو في الحقيقة يواصل تكريس القيم النقيضة لها».

 

وأضافت الباحثة أن هذا المحتوى «يغيّب واقع التنوع الديني في الأردن، ويصدر المجتمع الأردني إلى وعي التلاميذ بوصفه مجتمعًا مسلمًا خالصًا. كما أنه يطرح التعايش بوصفه قيمة مطلوبة، لكن بين المسلمين حصرًا».

 

وأمام هذه الثغرات التعليمية، التي يعتقد البعض أنها سبب وراء انتشار أفكار الجماعات الجهادية بين أبناء الطبقة الوسطى في الأردن، أصدرت إدارة المناهج والكتب المدرسية التابعة لوزارة التربية والتعليم، ردًا نفت فيه كل هذه الاتهامات بشأن مناهجها الدراسية.

 

نقلا عن “ساسة بوست”