سليم الجبوري … الحلقة الأضعف

0

على الرغم من اعتراضنا على مشاركة رموز من السنة في العملية السياسية العرجاء في العراق بسبب إعطائهم الشرعية لها بمشاركتهم تلك، إلا أنَّ إقالة رئيس البرلمان د. سليم الجبوري كانت الضربة الأخيرة لساسة السنة، والتي جاءت بسياق المخطط الإيراني الذي يتم تنفيذه من بداية الاحتلال ولحد الان.

فالجبوري من وجهة نظر الإيرانيين، يجب عليه أن يلحق بصاحبيه اللذين تم رفسهم الى خارج العملية السياسية سابقاً، طارق الهاشمي ورافع العيساوي. وأن لا مكان لأحد من ساسة السنة في العملية السياسية العراقية، إلا إذا قدَّم فروض الطاعة لأسياده مثل كثير من السياسيين السنة الموجودين حالياً ولا نريد أن نسمّيهم فهم معروفون.

ففي أول أيام انتخاب الجبوري لرئاسة البرلمان نُصِحَ الجبوري من مقربين له، بأن لا يتصدر لمثل هذا المنصب، وليترك تلك العملية السياسية، حيثُ لا خير يُرجى منها لصالح الشعب العراقي بشكل عام أو للسنة بشكل خاص، وإنَّ غاية المتنفذين على العملية السياسية الحالية من إشراك السنة، هو اعطاء انطباع للعالم بان الحكم بالعراق هو حكم تشاركي ويضم كافة أطياف المجتمع العراقي خلافاً للواقع، كانت إجابة الجبوري بأنَّ لديه امل بإعادة العملية السياسية الى نصابها وسوف يحاول بكل ما أوتي من قوة ومن خلال منصبه الجديد ليعيد التوازن للدولة العراقية، وإنصاف أهل السنة.

ولكنه لم يستطيع أن يفعل شيء بالرغم من محاولاته الكبيرة لفعل ما كان يطمح له، وتناسى إنه يتعامل مع سياسيين، الغدر شيمتهم، ففي عهده انتهكت مدن سنية كثيرة واستبيحت على أيدي مجرمين معروفين للدولة، تنفذ الجرائم بعلمها ومن قبل مليشيات تابعة لرموز السلطة فيها، ومع ذلك لم يستطيع أن يفعل شيء يذكر بل وصل الامر الى استباحة مدينته مسقط رأسه “المقدادية” ومع ذلك لم يتجرأ أن يدخل لتلك المدينة حتى لكي يطمئن على أهلها، بل أصبحت ممنوعة عليه بأمر المليشيات المتنفذة هناك.

ماذا ينتظر بعد لكي يعي بأن لا خير يُرجى من العمل مع تلك الحكومة، وهو الذي جرب كل السبل لإصلاح ما أفسدته ثلاثة عشر سنة من الاحتلال الأمريكي والإيراني لهذا البلد.

لقد كان الجبوري ومع الأسف الصوت الصادق والنظيف وسط مجموعة من الضباع المستعدة لافتراس أية غنيمة سهلة لا حامي لها. وقد كان.

فعلى الرغم من إنَّ كل الحراك الذي جرى تحت مسمى “الإصلاح” للدولة وللعملية السياسية والذي تصدّرته القيادات الشيعية نفسها من أمثال الصدر ومن لفَ لفه، كانت التوقعات أن يتم التصويت على إقالة العبادي كونه على رأس السلطة التنفيذية المسؤولة عن أية عمليات فساد موجودة بالحكومة، إلا إنَّ الذي جرى، قام  المفسدين والمتنفذين على العملية السياسية بإدارة دفة الإصلاحات المزعومة وافترسوا أضعف سياسي موجود في العملية السياسية ( ليس لقلة تجربته وحنكته السياسية) بل كونه لا يمتلك مليشيا مسلحة تدافع عنه كما هو الحال مع كل السياسيين الاخرين، شيعة أو أكراد.

كانت فرصة مناسبة استغلتها إيران لإزاحة آخر القادة السنة البارزين في العملية السياسية، واستبدالهم بأشباه السياسيين من السنة، والموالون لهم ليتمموا بها صورة المشهد السياسي ويدعون إنَّ السنة مُمثلين بالمشهد السياسي العراقي.

إنَّ عملية الإصلاح المزعومة التي ينادون بها سيكون الخاسر الأكبر فيها هو السنة وسوف يتم القضاء على آخر رموزها البارزة. وقد نوّه على ذلك الجبوري بشكل صريح في معرض تعليقه على قرار الإقالة الذي صوت عليه النواب المعتصمين، حيث قال: كيف تمضي العملية السياسية بالوقت الذي يتم تهميش مكونات أساسية ومهمة من عملية اتخاذ القرار؟

والغريب بالأمر أن اعتصام النواب هو حالة فريدة لم يفعلها برلمان لدولة ما من قبل. بل إنهم يستحقون عليها الدخول في كتاب جينس للأرقام القياسية بسبب غرابتها. فعلى ماذا يعتصمون؟ وضد من؟ وهم من يمتلكون صياغة القرارات التشريعية التي تعمل الدولة على أساسها.

ثم من الذي يقوم بالاعتصام؟

إنهم نفس السياسيين الذين رعوا عمليات الفساد منذ احتلال العراق ولحد الان بدءاً بجماعة المالكي وانتهاءاً بالتيار الصدري الذي عرفت الوزارات التي شغلها أكبر عمليات الفساد، ومروراً بجماعة عمار الحكيم والذي أعلنَ اليوم براءته من عملية إقالة رئيس البرلمان، في خطوة منه لحفظ ماء وجه، مدعياً إنَّ بعض نوابه لم يلتزموا بالتوجيهات التي أُعطيت لهم بعدم المشاركة بالتصويت بإقالة الجبوري.

أما الأكراد فيدعون أيضاً أنهم لم يصوتوا على الإقالة ونحن نعلم إنَّ الاكراد من مصلحتهم تفاقم العملية السياسية الحالية، حيث سيكون لهم المبرر الكافي لمغادرة كل العملية السياسية وإعلان استقلالهم، ومبررهم في ذلك للعالم الغربي الرافض لاستقلالهم حالياً، إنهم لا يريدوا أن يكونوا جزءاً من دولة فاشلة كالعراق، وإن استقلالهم أفضل لهم وللغرب.

أنَّ النواب الذي صوتوا على اقالة الجبوري كان يدعون أنهم عازمين على إقالة الرئاسات الثلاث، وهذا كذب محض حيث أعلن الصدريون بعد إقالة الجبوري بأنهم لن يصوتوا على إقالة العبادي ” لآنه شيعي ومتحالف معهم ” ومن المؤكد فإنَّ الاكراد لم يوافقوا على إقالة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم المنتمي لهم.

إنَّ التيارات الشيعية على الرغم من العداء الضاهر بينهم إلا أن أمرهم ليس بأيدهم فحين لم يجدوا النقاط المشتركة التي تجمعهم في هذا المأزق السياسي الحالي طاروا الى مندوب إيران في لبنان “حسن نصر الله” لكي يحلوا خلافاتهم.

وكانت اول ثمار إتفاقهم في لبنان، أن يتم تغير دفة الإصلاحات المزعومة من إقالة العبادي الى إقالة الجبوري الذي لم يكن يذكر اسمه في أية عملية تغير ولم توجه ضده أية شبهة فساد كالتي وجّهت للسياسيين الاخرين.

أنَّ العملية السياسية الحالية لا تشرّف أي سياسي يعمل بها، وإن الواجب على أي سياسي شريف ما زال يعمل داخل هذه المنظومة الفاسدة، أن يخرج منها ويعلن انحيازه ضد هذه العملية ويبدأ بتشكيل تحالفات سياسية أخرى نظيفة وعابرة للطائفية من السياسيين المعروفين بصلاحهم، لإنقاذ ما تبقى من هذا البلد الجريح.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.