ألف ليلة عصرية..!

0

عشرة آلاف يوم وليلة على فرقتنا، كان رقماً كافياً من الشهور والأعوام والأهداب التي اجتمعت وافترقت دون رؤياك، كان رقماً كافياً لمجرد أن أذكرك، ومع ذلك فكل ليلة روحي، لا تكتفي بالذكرى، تغادرني قبل المنام، تتمهل عند باب الغرفة المظلم، تمتص رحيق مسامه الرقراق الشفاف، وتهتف بي:

ـ كنتُ لديهم ففضلتَ أن أبقى لديك، ولو غلبتني سحابة نهارك فإن ليلك ليس لك وإنما هو لي!

    روحي، تلك التي طالما ارتعدتْ ان تمسها ذاكراك بطائف فتصير بين الناس كالمغبونة، او تلك التي تداري علامات البَله، والمزيد من علامات التحول عن مسرى الروح، ومسرة الارتياح، انت لا تعرف ولا يمكنك أن تعلم أو تعرف أو حتى تقارب العلم والمعرفة، إن تلك الروح تعرف وتعلم تمام المعرفة ..وكما لا يكون العلم والمعرفة متحققاً لها، وهي تدرك إنها منذ الأزل ستطير إليك ..توشك أن تفني عصارة دفينة سائلها الأخضر الشفاف في معانقة فكرة كائن بشري مغاير تماماً لنا!

   لدى الباب يهتف العقل مني مقارباً الغياب:

ـ يا ربي سبحانك لا راد لحكمك ولا لقضائك، فإنني لأعرف إن في السير خلفه تدمير كل نبض حي من تكويني لذلك بعد جهد اعتزله وهذه الروح ما تقبل إلا السير وراءه!

في النهار يتساءل التكوين منا:

ـ لماذا نقبل على أبواب مخالفينا في نبض كبد التكوين منا؟ وأولئك المتفقين معنا كثر!

    لا أقبل أن تفتح لي باباً أغلقتُه بنفسي، وما أحب أن تفتحه وإن كانت زهرة قلب الروح معك، تتبعك من طريق لآخر، ترى خياناتك لذكرى لم تستطع الحفاظ على كونها عزيزة عليك، كما لم تستطع الحفاظ على نفسك من مغادرة خطوط براً وبحراً كنتَ فيها وما زلتَ الحلم، ضيعتَ الحلم والألق والواقع خلف نزق الصبا بعد أن تركك الصبا دون استئذان، صرت تبيع أجمل ما فيك لمجرد أن آناساً عبروا شارعاً به عنوان ضال  لك، ولم تجد من أهل ولا ربع ولا صحبة يمنعك.

    وكل لحظة في الحياة يتكرر السؤال منذ عشرة آلاف ليلة وليلة، وقد كانت ألف ليلة وليلة وحدها كافية:

ـ لماذا أسريت إلي دوناً عن أهل الأرض وألزمتني مسئولية عنك لا كانت ولا كنت من أهلها ..فلم أمد إليك طرفاً بالسوء وتفانيت في نصحك فما ارتدعت.

   الشباب وغض الصبا أوغر روحك عليه فتمنعت وزدت في التصابي حتى ملك وهجرك العمر منه، وبعد عشرات السنوات، وفي موعد اللقاء الأول والفراق يتجاوز الزمان عن ماهيته ويعود مختصراً لديك ولديه، محاولتك تصنع الوئام بينكما، لمعان عينيك إذ تراه، عنفوان روحك بالاصرار كلما طأطأ الرأس “أنه” غير مطمئن إليك، ماضي حياتك، تذبذب عواطفك، تلألأك أمامه قبل أن تعرف، إعطاؤوك الفرصة بعد الأخرى لتثبتَ له أنك غير الذي في ضميره.

  أفلت العيار منك فتخيلت إنه صار كما الأرجوحة لروح غير آمنة الجدران، ولا محببة لعناوين الاستقرار.

   لقطة النهاية لا تدري إنه رآك بلا رتوش كما لحظة لم تلدك أمك، أنت لم تفهم إنه احتوى فلتات دربك، غدرات نفسك بنفسك، غريب البيئات الذي أسلمت له أعمق جذر في وجدانك!

   وكل مساء تفارقه الروح إليك، يخاصم الدنا والصحاب، ويلوم نفسه، فقد أحب الود والوئام فيك، وعرف أن لا محبة لديك لا له ولا لغيره، لإنك باختصار لم تحب إلا تكوينك، وليس مامولاً منك أن تتقبل عوضاً عن أن تهدهد وترضى وتتواصل .. كما أنت لديه.

هل تدري بأنك كنت له الحياة لا كما قال الشعراء .. بل كما تشفي لسعات الأفاعي من سموم الصحارى في حالات نادرة، أو كما قال البعض:

ـ شاذ الفتيا الذي لا يقاس عليه!

   ذات لحظة من ضمير علمك قانون التجاذب، علمك وهو مسرع كما لو كان الذي يمر ببحر عميق سيخطف روحه إن لم يسلم كل ما لديه من وصايا، أوصاك به خيراً حتى إن لم تتفقا.

كن عند الوصية:

   فإن لم أكن لديك لا الروح والجسد والوجدان، فإن كنتُ لم أعص الله فيك، فلا تعصه في روحي.. وتريني نفسك عند غدراتك وفجراتك، وانت تعبر جسر الآثام مفارقاً الحياة التي أرادها لك حتى الأعماق.

   يا صديقي إن لم تكن كما أردتك .. فلا تطرد روحي عن محبة الحياة، وإن كنا إلى النهاية افترقنا.. فلا تدفعني لنطق ما لا أحب عنك.. أو حتى مجرد تخيله.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.