أورد موقع ميدل إيست بريفينج الأمريكي المتخصص في الدراسات الشرق تقريرا بعنوان “الجانب الآخر من حرب ” ترجمه موقع إيوان24 حلّل فيه الأزمة اليمنيّة وعديد الخفايا والحقائق حولها بعد عام من الحرب.

 

يصر بعض الناس على عدم رؤية سياسة دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة المتمردين الحوثيين في اليمن بأي نظرة موضوعية. ولكن دعونا نعود إلى الأساسيات.

 

رفض الحوثيين الحل الذي قدمه مؤتمر الحوار الوطني في يناير 2014 الذي يقدم حلا سياسيا متوازنا يمنحهم نصيبا عادلا من التمثيل السياسي. وقد كان 50٪ من أعضاء المؤتمر البالغ عددهم 565 من المحافظات الجنوبية، وقد تم اختيار هؤلاء الأعضاء من قبل جميع القوى السياسية والجماعات الموجودة في البلاد. وكان هناك شرط اتفق عليه الجميع وهو منح 30٪ للتمثيل النسائي و 20٪ للشباب. وقد استمر التحضير للمؤتمر لأكثر من عام، وانعقد لمدة عشرة أشهر برعاية الأمم المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي والعديد من القوى العالمية.

 

في البداية، رفض الحوثيون المشاركة. وكان السبب الذي قدموه هو أن السفير الامريكي في سوف يكون حاضرا، وأنهم يرفضون الحضور إلى منتدى يناقش قضية داخلية يمنية في حين أن ممثل “الشيطان الأكبر” يكون حاضرا. ولكنهم قرروا المشاركة في وقت لاحق. ورحبت الأمم المتحدة ببداية المؤتمر، وقال مبعوثها إلى اليمن جمال عمر إن المجتمع الدولي يتابع المحادثات و”سوف يتم مراقبة أي طرف يحاول عرقلة المحادثات”.

 

ولكن جهود العرقلة جاءت من الخارج. فخلال المحادثات، تم إلقاء القبض على ست خلايا إرهابية، وتم مصادرة متفجرات بحوزتهم والكشف عن مموليهم. فقد كانوا يعملون لصالح الحرس الثوري الإيراني. وكانت الخلايا تضم أعضاء يمنيين وسوريين وإيرانيين.

وبعد تسعة أشهر من نجاح المؤتمر والتوقيع على الوثيقة، هاجم المتمردون الحوثيون، اعتمادا على تحالفهم مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، عددا من معسكرات الجيش. وقد تمت الاطاحة بصالح بعد ثورة الربيع العربي في اليمن، وكان معروفا بأنه رئيس فاسد للغاية. وينفي صالح تلك التهمة معللا ثروته الشخصية الهائلة المتراكمة في البنوك الأوروبية بأنها أرباح الشركات القانونية التي يديرها أفراد أسرته.

 

وفي شهر يناير عام 2015، هاجم الحوثيون وحلفاؤهم في الجيش القصر الرئاسي في صنعاء. واضطر الرئيس المنتخب منصور هادي إلى تقديم الاستقالة والهروب إلى المملكة العربية المجاورة. ولم يوافق البرلمان على استقالة هادي وضغطوا عليه للعودة إلى اليمن. فرفض هادي تولي مهام منصبه في الوقت الذي يحيط فيه المتمردين الحوثيين المسلحين بمكتبه. وتم التوصل إلى حل وسط يسمح لهادي بالذهاب إلى عدن ونقل مكتبه الى القصر الرئاسي الثاني الموجود هناك. ثم أصدر مجلس الأمن الدولي بيانا يؤكد فيه أن هادي هو “الرئيس الشرعي الوحيد لليمن”.

 

ولكن سرعان ما هاجم الحوثيون عدن أيضا. وفي مارس 2015، اضطر هادي إلى الفرار من القصر الرئاسي الثاني إلى السعودية مرة أخرى. وطلب رسميا من الدول العربية المجاورة مساعدة الحكومة الشرعية في اليمن لاستعادة وضعها. فتدخل العرب عسكريا، وبدأت الحرب.

 

ومن المدهش حقا أن نرى أولئك الذين يدافعون عن بشار الأسد، أو محمد مرسي، باعتبارهم الرؤساء “الشرعيين” في سوريا ومصر، ينكرون أن السكان قد أشعلوا ثورة ضدهم. وهؤلاء المدافعون أنفسهم لا يرون أن الحوار الوطني في اليمن، الذي أطاح به الحوثيون، كان في الواقع انعكاسا لتمثيل مجتمعي يمني جماعي. وفي حالة اليمن، قال اليمنيين كلمتهم التي صادرها المتمردون الحوثيون في وقت لاحق. وقد بدأ التدخل العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي لإعادة الحكومة الشرعية والعودة إلى طريق المحادثات بين ممثلي القوى السياسية المنتخبين في اليمن.

 

لقد اكتسبت ازدواجية المعايير تعريفا جديدا في حالة اليمن، لدرجة أن بعض الناس ينكرون حتى وجود صلة بين الحرس الثوري الإيراني والحوثيين، رغم تأكيدات جميع وكالات الاستخبارات الغربية وشحنات الأسلحة التي يدبرها الحرس الثوري للوصول إلى المتمردين.

 

وتستخدم بعض الأصوات في الغرب أقنعة مزيفة من “الموضوعية” ويرفضون البيانات الرسمية للأمم المتحدة بشأن اليمن من أجل إدانة تدخل دول مجلس التعاون الخليجي ونفي تورط إيران.

 

والآن، تسببت عملية مجلس التعاون الخليجي العسكرية في الدمار والموت في اليمن. ولكن هذا هو ما يحدث في أي تدخل عسكري في حالات مماثلة. فقد حدث ذلك عندما غزت الولايات المتحدة العراق. حدث ذلك أيضا عندما قصف حلف شمال الاطلسي ليبيا. وهذا لا يجعل الأمر جيدا على الإطلاق. ولكن ينبغي أن يفهم هذا الأمر في سياقه الصحيح، في الوقت الذي يتم فيه الضغط لأقصى حد على الأطراف المتحاربة من أجل تجنيب المدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بكل الوسائل الممكنة.

 

وتدعو دول مجلس التعاون الخليجي إلى استئناف المحادثات بعد إعادة تثبيت الحكومة الشرعية اليمنية وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216.

 

ويتضح جليا ما يلي:

أولا، لا يوجد حل عسكري في اليمن. الحل سياسي، ويجب أن يرتكز على أساس قرارات الأمم المتحدة السابقة ومخرجات عملية الحوار الوطني. ثانيا، لا يمكن تأجيل الحاجة الفورية والملحة لتقديم المساعدات الإنسانية إلى مرحلة لاحقة. الناس يموتون كل يوم بسبب نقص المياه الصالحة للشرب والمواد الغذائية.

 

الحوثيون المدعومون من الحرس الثوري الإيراني تجاوزوا كل الخطوط الحمراء في اليمن. وقد تفاخر قادة الحرس الثوري الإيراني بسيطرة الحوثيين على القصر الرئاسي في صنعاء. واحتفل أحد قادتهم بما يعتبرونه تقدما مستمرا في العالم الإسلامي. حيث قال: “نحن نسيطر الآن على أربع عواصم عربية: بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء”. وكانت استجابة دول مجلس التعاون الخليجي تقول “أوقفوا أحلامكم”. فلماذا يجب أن يعتذر العرب عن هذا؟ الشيء المؤكد هو أنهم سوف يعملون على مواجهة تدخل الحرس الثوري أينما يحاول نشر عدم الاستقرار.

 

وحينما كان وزير الخارجية جون كيري في المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة، قال انه ناقش حرب اليمن من بين الحروب الأخرى في الشرق الأوسط. بينما أكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي كان يقف إلى جوار كيري على استعداد دول مجلس التعاون الخليجي للتوصل إلى حل سياسي قائم على قرار الامم المتحدة.

 

وبينما تستعد دول مجلس التعاون الخليجي لجهود إعادة الأعمار لإعادة بناء اليمن اذا ما تم التوصل الى اتفاق، فإن أسس الاتفاق واضحة للجميع: وقف تدخل الحرس الثوري الإيراني في اليمن (أو في أي بلد عربي آخر) واستئناف الحوار الوطني برعاية الأمم المتحدة مرة أخرى من أجل التوصل إلى حل مستدام.

 

كما يمكن أن تساعد جهود وقف التصعيد الإقليمي بين العرب والإيرانيين في ذلك. ولكن مثل هذا الجهد لن تنجح أبدا طالما أن طهران لا تفهم أن تدخلها يشجع الإرهاب، وينشر عدم الاستقرار ويهدد في نهاية المطاف أمنها القومي. اللحظة التي تتنازل فيها إيران عن تطلعها للسيطرة على الأراضي السنية في العراق، والضغط على الأسد لقبول حل سياسي عادل، وكبح جماح الحوثيين، هي اللحظة التي سوف يبدأ فيها العد التنازلي لهزيمة الدولة الإسلامية والقاعدة.