الرئيسيةتحرر الكلامالإنتخابات الإيرانية سارت وفق رؤية خميني: "حتى إذا عارَضَت إرادة الشعب"!

الإنتخابات الإيرانية سارت وفق رؤية خميني: “حتى إذا عارَضَت إرادة الشعب”!

   هل يمكن أن يكون النظام الذي يُصادر آلاف الأطباق اللاقطة للأقنية التلفزيونية من بيوت المواطنين  ويقوم بتحطيمها تحت المدرعات في الشوارع العامة حريصا على الحرية والديمقراطية ، كما يحاول ملالي طهران خداعنا من خلال مسرحية الصراع الإنتخابي التي شهدناها بالأمس بين جناحي التشدد والاعتدال أو الإصلاح ؟

   بالطبع لا . ذلك لأن هذا المشهد الذي تكرر طوال السنوات الأخيرة وعلى مرأى من أعين الإيرانيين بهدف منعهم من الإطلاع على أخبار بلدهم والعالم من أقنية “الكُفر والاستكبار العالمي” لم يحدث مثيله في أكثر بقع الأرض تخلفا ووحشية. أما الأمثلة عليه فتكاد لا تُصَدّق لعلّ أبسطها مما يخطر على الذاكرة قيام الأجهزة القمعية في أيلول/ سبتمبر 2013 بمصادرة وتدمير 800 طبق لاقط في مدينة شيراز كمرحلة ثانية من خطة إزالة هذا “الشيطان” حسب أوامر الولي الفقيه ، بحضور رهط من المسؤولين المدنيين والعسكريين .

   وفي العام الذي تلاه وبتاريخ  22 من الشهر نفسه صرّح قائد قوات الأمن في محافظة همدان مفاخرا بإتمام مهمة مصادرة وتحطيم 32 الف طبق ، واعدا باستمرار المهمة في سائر أنحاء البلاد. أما قائد حرس خراسان فسارع إلى الإعلان عن وجود حوالي 50 مليون طبق لاقط  للفضائيات .

   أمام هذا الوضع الذي لا سابق له فعلا بين أعتى النظم الدكتاتورية  في العالم ، لا غرابة  أن تأخذ عملية الإنتخابات وصراع المتنافسَين فيها تلك الضجة المفتعلة مع أنه لا فرق تاريخيا بين هذين الجناحين . فكلاهما ومعهما كل أجهزة الدولة السياسية والعسكرية مربوطون بذيل الولي الفقيه ، ومن يطّلع على الخريطة الهرمية للنظام يتأكد له بالعين المجردة أن كل إيران ومن فيها مرتبط بخيط ممسوك بيد الإمام شخصيا .

   ترى ، ما سرّ هذه الصيغة الفريدة من نوعها في عالمنا المعاصر التي تجعل من رجل دين هذه الأسطورة التي تتمتع بسطوة لا مثيل لها ، وما هو مصدر “نظرية الولي الفقيه” ؟

    الجواب على هذا السؤال قد يفاجئ الكثيرين بما لا يعلموه وهو أنه لا وجود لمثل هذه الصيغة ولا لهذا الحكم لدى الشيعة ولا في  تاريخهم ، وأن الخميني  الذي تبنّى نظرية الولي الفقيه لاحقا لم تكن لديه ولا لأمثاله من المراجع الدينية فكرة حول هذه النظرية حتى العام 1967 . أي حتى تحدّث عنها وقتئذ في محاضراته وأصدرها في كُتيّب حمل عنوان “ولاية الفقيه” ، وظل يراوح في هذا الإطار العام إلى أن لاحت أمامه أجواء سقوط حكم الشاه في العام 1978 بفعل تصاعد انتفاضة الشعب وقواه الوطنية ، فسارع وقتها إلى الإفصاح عن رؤيته للبديل المتمثل بـ “الجمهورية الإسلامية”.

   أما بعد وصوله إلى السلطة فقد بدأ بطعن وإقصاء القوى التي شاركت في هذه الإنتفاضة كمجاهدي خلق ، وتنكّر لتضحيات مناضليهم جميعا ، وتَصرَّف بكل خبث وباطنية سعيا وراء هدف تكريس نظريته التي تُعطي الولي  الفقيه السلطة المُطلقة في التصرف واتخاذ القرارات دون أية عوائق أو اعتراضات . وقد عبّر عن رؤيته لها في رسالة وجهها إلى خامنئي في العام 1986 قائلا فيها بالنص : “ولاية الفقيه هي شعبة من ولاية رسول الله المطلقة ، وهي مقدّمة على جميع الأحكام حتى الصلاة والصوم والحج . فالولي الفقيه فوق الدستور والقوانين الوضعية وقراراته تُعتبر قوانين إلهية واجبة التنفيذ“.

   وتأكيدا على هذا التوجّه الذي تم فرضه بقوة كسيف على رقاب الإيرانيين ، كتب خامنئي نفسه في العام 1999 رسالة إلى رئيس مجلس الشورى مهدي كروبي جاء فيها بالنص :”يجب تقديم وترجيح قرارات الولي الفقيه حتى إذا عارضت إرادة الشعب“.

عقلية خميني في كل ما يجري

   أمام تركيبة الخميني ووسيلته في التسلّق للوصول إلى ما يريد ، بدءا من إعلان عدم معارضته لحكم الشاه إطلاقا ، كما قال في كتابه “كشف الأسرار” ، إلى أن أصبح ” ظل الله في أرضه” .  يمكننا تفسير ما جرى بعد ذلك على صعيد ضرب الحريات ووأد الديمقراطية كممارسة مقابل تسويقها كلاما بالخداع ، وهذا ما تميزت به مسيرة نظام الولي الفقيه من يومها  لليوم، انطلاقا من بديهية أن من بدأ تسلّطه بطعن الآخرين وسرقة نضالاتهم يظل على الدوام يخشاهم ، ويتحسّب هُوَ ومن سار على دربه وصولهم لليوم الذي يتمكنوا فيه من ردّ ما تعرضوا له.

   حتى عملية الإنتخابات الأخيرة التي حاول نظام الملالي  تصويرها بأساليبه الخداعية  على أنها ممارسة ديمقراطية حقيقية ، سمعنا عنها وخلالها ما لا يمكن سماعه في أية انتخابات أخرى لا علاقة لها بضمان حق الترشح ولا حرية الانتخاب. فعدا عن حملة إبعاد من يُسمّون بالمعتدلين والإصلاحيين ، أو حتى المحافظين المشكوك بولائهم وهم الذين باتوا يتأرجحون بين الجناحين المتنافسين . وبالرغم من أن كلا الطرفين المتنافسين هما جناحا النظام وليسا خارجين عليه ، أي لا يضير الولي الفقيه كثيرا فوز أي منهما على  الآخر في هذه اللعبة ، إلا أن غرفة العمليات الخاصة بالانتخابات / التابعة لقوات الحرس ارتأت تحويل مسرحية التنافس إلى حلبة مكشوفة للصراع اللفظي بينهما ، وشجعت كلا  منهما على أخذ راحته في المبالغة بتمثيل الأدوار المناطة به ، كي يُخيّل للمرء أن هناك معركة كسر عظم حقيقية بين نقيضين في مواجهة ديمقراطية ؟

وهكذا سمعنا على لسان اللواء حسن فيروز رئيس هيئة الأركان المشتركة قوله ـ حسب أنباء فارس 20/2 : “على الذين تدعمهم أميركا وبريطانيا أن يُعلنوا براءتهم منهما وأنهم مجرمون ونعتبر عملهم كتدخل عسكري”! . ثم قول أحمد جنتي رئيس مجلس الرقابة : “في بحثنا لأهلية المرشحين رفضنا قبول كل من له أقلّ شيء  من العلاقة بالفتنة ، ونفتخر بقرارنا هذا” .فيردّ رسول منتجب ـ حسب وكالة إيلنا في 23/2 قائلا: ” وصلتنا أخبار تقول أن المتشددين قرروا أن يأتوا بحوالي مليون شخص إلى طهران ليدلوا بأصواتهم فيها ، وقد أقروا لهذه العملية ميزانية خاصة “

هذا الكلام وغيره دفع أحد المرشحين للضرب على وتر ما يحبّذه الولي الفقيه بقوله  : “مجلس الخبراء يجب أن يكون من قطب واحد ، ولا يجوز أن يكون بعضهم مُوَال للقائد وبعضهم الآخر معارض له . أما إذا كان المجلس بقطبين فعلى ولاية الفقيه السلام”.

المتشدد والإصلاحي  مربوطان بخيط واحد

ما سلف يغطي جانبا من صراع المتنافسين الذين يقفون على أرضية واحدة إلى درجة أن بعض المحسوبين على الجناح  الموصوف بالإعتدال والإصلاح لا يقلّوا تشددا وحتى إجراما عن رموز التشدد في الجناح المنافس . من هؤلاء على سبيل المثال  :

ــ علي فلاحيان وزير المخابرات في عهد رفسنجاني وقد كان وراء معظم العمليات الإرهابية والإغتيالات خارج إيران

ــ مصطفى بور محمدي وزير العدل في عهد روحاني وكان عضو لجنة الموت التي ارتكبت في العام 1988 مجازر بحق ثلاثين ألف سجين سياسي ، حتى أن منظمة حقوق الإنسان الدولية أطلقت عليه اسم “وزير الموت”

ــ قربان علي آبادي وزير المخابرات في حكومة خاتمي وقد نفّذ سلسلة عمليات اغتيال ضد الكتاب والمثقفين داخل إيران.

ــ على رازيني  من قضاة الشرع ، قام بإعدام مئات المجاهدين ، ونفّذ عملية رجم ضد ثلاثة مناضلين تم تهريب شريطها المصور للخارج فأحدث ضجة في أجواء كل من شاهده.

   هذه النماذج من غلاة المتشددين المنضوين تحت جناح رفسنجاني ـ روحاني “المعتدل” لا تقف عند حدود هؤلاء الأربعة ، بل إن معظم المرشحين التابعين لهذا الجناح تنطبق عليهم مواصفات من سلف ذكرهم ، فضلا عن مرشحي الجناح المتشدد بطبيعة الحال.

ولهذا لم يأت الإهتمام بسير الإنتخابات وما قد تحمله من نتائج انطلاقا من أن روحاني رجل إصلاحي وسوف “يصلح” الأحوال ويرفع سيف الإرهاب عن رؤوس العباد ، بل أتى  لأنها جاءت هذه المرة في ظروف إقليمية ودولية تختلف عن كل ما سبقها لجهة تَوحُّش النظام وتدخلاته في أكثر من ساحة عربية ، ولجهة شعوره بالنصر في صفقة الاتفاق النووي التي وإن كان أوباما قد قدمها هدية مجانية وتنازل فيها أكثر مما هو مطلوب  ومتوقع ، إلا أن نتائجها لا يمكن الجزم بإيجابيتها ، انطلاقا من معرفتنا بعقلية هذا النظام  وطبيعته العدوانية . ولهذا لم نستغرب أن يكون روحاني الذي راهن على استثمار نجاحة في إبرام الإتفاق النووي، وتوفيره شيئا من الرقابة لعملية الإنتخاب ـ كما يتردد ـ لتحقيق الفوز على منافسه ، قد عاد للقول أمام صخب الأصوات العالية بالتهديد والوعيد : ” إذا شاركنا في الإنتخابات لن نحصل إلا على نتائج ضئيلة ، لكن إذا لم نشارك فستلحق بنا خسائر كبيرة” .

وهكذا تم اختيار الخيار الأول ، وانتهى صراع الأتباع وفق ما أراده سيدهم ، وجرى توزيع المغانم بعد رمي التهديدات وإتهامات العمالة وراء ظهورهم . أليست “قرارات  الولي الفقية قوانين إلهية واجبة التنفيذ”؟!

اقرأ أيضاً

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

الأحدث