لماذا الإمارات الأولى في مؤشر العبودية؟

1

د. – وطن (خاص)

كلّ وافد لا يحمل الجنسية البريطانية أو الأمريكية أو الأوروبية لا يمكنه إلا أن يتخلّى على جواز سفره بمجرد وصوله إلى . وبالرغم من أنّ هذه الأفعال مخالفة للقوانين المحلية والدولية إلا أنّ الدولة لا تمانع في ذلك، الشيء الذي شجّع الشركات المشغّلة لليد العاملة الوافدة وتحديدا الشركات الخاصّة أن تقوم مقام أجهزة الدولة الرسمية في تعاملها مع العمّال في تواطؤ تام من السلطات.

فالعامل بمجرد وصوله المطار وتخليه عن وثائق هويته وسفره الخاصة يتحول إلى آلة أو يكون قد أمضى وثيقة عبوديّته لدى مشغلّه. فماذا لو أراد هذا العامل استخراج رخصة قيادة سيارة مثلا؟

وفق هيئة الطرق والمواصلات في دبي فإنه لا يمكن لهذا العامل أن يتلقى دروس تعليم القيادة إلا إذا أحضر وثيقة “لا مانع” بمعنى أن هذا الوافد لا يمكنه القيام بتلقي دروس في السياقة والحصول على رخصة في ذلك إلا إذا رخّص له مشغّله!

يتعرض نظام لانتقادات قاسية من المنظمات الحقوقية التي تصفه بأنه شكل من أشكال العبودية الحديثة، ولئن ألغت البحرين تماما نظام الكفيل إلا أن الوضع بالإمارات مازال يراوح مكانه رغم التنقيحات الواردة عليه إذ بات منذ سنة 2010 بإمكان الوافد أن يغير شروط صاحب العمل إلا أنه ما زال الشيء الكثير لفعله. وفق التنقيحات الجديدة بإمكان الأجنبي الذي ينتهي مفعول إجازة عمله أن يغير مشغّله دون انتظار المهلة القانونية المحدّدة بستة أشهر ومن دون موافقة كفيله لكن هذا الإجراء لا يمكن تطبيقه إلا بشروط وهو أن يعمل الطرفان المتعاقدان على فسخ العقد بينهما وديّا وأن يكون العامل قد اشتغل لدى مشغّله مدة سنتين على الأقل.

يمثّل هذا النظام رغم التنقيحات الواردة عليه أبشع نظام عرفه التاريخ ويواجه نظام “الكفيل” المطبّق في العديد من دول الخليج العربية، حيث يعمل ملايين الرعايا الأجانب، خصوصا من الآسيويين، انتقادات جمّة من منظمات الدفاع عن ، التي تشبّهه بالعبودية. يعتبر هذا النظام مسؤولا عن كل حالات الاستغلال الشنيعة كما أنه يفرض على أي عامل أجنبي أن يكون له “كفيل” محلي، يمكّنه من سحب جواز سفره طيلة فترة إقامته، ويرفض تمتيعه حق تغيير عمله.

يقول “غازي عبد الرحمان القصيبي” وزير العمل السعودي السابق أن: “أسوأ الأشياء التي ترتبط بنظام الكفيل هو عدم قدرة العامل على التحرك والانتقال إلا بإذن من صاحب العمل”.

وفي هذا مخالفة صريحة للمواثيق الدولية وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان إضافة إلى مخالفته لقواعد الشريعة الإسلامية. نظام الكفيل يضع الإمارات في الموضع المخالف للاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها، وهو ما يلزمها قانونا بالتخلي عن الكفالة بشكلها الراهن حيث تشير تقارير Human Rights Watch  إلى  وجود ملايين من العمال الأجانب بالإمارات يعيشون رهنا لنظام الكفالة.

لقد ساهم نظام الكفيل وما خلّفه من انتهاكات خطيرة للعمال الأجانب أن حلّت الإمارات في المرتبة الأولى في الخليج والدول العربية وفق “مؤشّر العبودية” لسنة 2014 بحساب 99 ألف عبد وذلك في تقرير حول العبودية الحديثة أصدرته منظمةWalk Free   الأسترالية.

لا يقف الاستغلال المريع للعمال الأجانب حدّ الرجال، بل يتعدّاه ليشمل النساء اللاتي يشتغلن في ظروف صعبة للغاية ويقع استغلالهن جنسيا ومهنيا: ففي قرار شديد اللهجة تبناه البرلمان الأوروبي في 26 أكتوبر 2012  بناء على تقارير استقصائية أثارت سخطه حول وضعية حقوق الإنسان وأوضاع العمالة الأجنبية طلب النواب الأوروبيون من الحكومة الإماراتية إجراء إصلاحات لإنهاء استغلال العمال الأجانب خصوصا النساء وقد ندّد البرلمان الأوروبي بظروف المعيشة والعمل البائسة لهؤلاء المهاجرين الذين يتم استغلالهم من جانب مشغلّيهم الذين يمارسون “حقوقا مفرطة” عليهم.

وأضاف البرلمان الأوروبي أن “الاتجار بالأفراد بهدف استغلالهم في العمل يبقى سائدا في الإمارات” والعمال “لا يملكون حق الإضراب” فكثيرة هي حالات موظفين حرموا من رواتبهم ومن المأكل وعزلوا أو تعرضوا للعنف الجسدي أو الجنسي أو سجنوا أو رحّلوا.

في تقريرها السنوي الصادر سنة 2014 بشأن الاتجار بالبشر ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أن النظام الإماراتي لا يمتثل بشكل كامل للمعايير الدّنيا المنصوص عليها في القانون الأمريكي وأنّ سياسة النظام تعرّض العمّال الوافدين إلى الخطر، خاصة نظام الكفالة الذي يقيد منح تأشيرات المغادرة للعمال بموافقة صاحب العمل، كما يحدّ من قدرتهم على تغيير أصحاب العمل ويشجّع على العمل القسري وأنّ البلد الذي يشتهر بناطحات السحاب ومراكز التسوق مدين للعمالة الآسيوية التي تشتغل كالعبيد، هؤلاء الذين يركبون حافلات خاصة قديمة مهترئة ومزرية تذكّر بحافلات عمّال المناجم في جنوب أفريقيا زمن الميز العنصري.

في تقرير سرّي مصوّر قام به الصحفي البريطاني Ben Anderson وبثّه تلفزيون BBC سنة 2014 عن وضع العمالة في الإمارات أظهر التقرير أنّهم يعاملون معاملة العبيد، يقع حجز جوازات سفرهم، يتقاضون أجورا زهيدة جدا لا تتجاوز 128 جنيه إسترليني (ما يعادل تقريبا 200 دولار) في الشهر الواحد ويشتغلون كامل أيام الأسبوع منذ الصباح الباكر حتى ساعة متأخرة من الليل، ينامون في غرف لا تستجيب لأدنى شروط السلامة، يقطنون خارج مناطق العمران، بعيدا عن أعين الزائرين الأجانب، في مجمّعات أشبه بزريبة الحيوانات، بعضهم يتخذ من الحاويات مبيتا له، لا يغيّرون ملابسهم القليلة إلا نادرا، لا يستحمّون لندرة المياه وإن استحمّوا فبالماء الوسخ، يأكلون طعاما غير صحّي ويشربون ماء ملوّثا تكسوه الحشرات.

 بالإضافة إلى كل ذلك، فإن العامل الآسيوي يمضي العامين الأولين في خلاص الديون التي اقترضها من أجل خلاص الرسوم المستوجبة لصالح وكالات التشغيل المحلية للحصول على شغل بالإمارات وهي عادة ما تتراوح بين 3000 و4000 دولار، وكثيرا ما تلجأ شركات البناء إلى التأخير في خلاص العمّال لبضعة أشهر الشيء الذي يثقل كاهل العامل فتتراكم ديونه وتزيد نفقاته مما دفع بالبعض من العمّال إمّا إلى دخول السجن نتيجة ترك العمل أو الانتحار، (حادثة انتحار 109 عمّال هنود في الإمارات سنة 2006) نتيجة  هذا دون الحديث عن نسبة الوفيات الكبيرة الناتجة عن حوادث الشغل والتي تعتبر من أكبر النسب في العالم.

لقد أتى هؤلاء العمّال من وسط اجتماعي (بلدهم الأم) يكسوه الفقر المدقع حالمين بالجنة الموعودة فوجدوا أنفسهم سجناء في مكان كبير يقومون بالأشغال الشاقة على مرأى ومسمع من النظام والمنظمات الحقوقية الدولية، فالتقى الفقر المدقع بالأشغال الشاقة ليشكّل عبودية نادرا ما عرفها التاريخ الإنساني.

فبالإضافة إلى الانتهاكات النسقيّة للعامل الآسيوي فإنّ الإضراب ممنوع في دولة الإمارات إذ لا يمكن للعامل أن يعلن عدم رضاه أو إيقافه للعمل أو تحريضه لزملائه على فعل ذلك.

23 أكتوبر 2014 أطلقت منظمة Human Rights Watch صيحة فزع أمام انتهاكات وضعية المرأة العاملة التي يقّدر عددها وفق إحصائيات رسمية بقرابة 146 ألف عاملة منزلية وافدة إلا أنّ الرقم وفق بعض الملاحظين يفوق ذلك بأضعاف. (الوافدة خاصة من دول كالفلبين والهند وإندونيسيا وسريلانكا والنيبال وأثيوبيا وبنغلاديش) وفي تقرير اختارت له عنوانا “لقد قمت بشرائك سلفا” بيّنت فيه ما تتعرض له النساء العاملات من ضرب واستغلال (جنسي أحيانا) وحصار في ظل ظروف من العمل الجبري.

مثل هذه الانتهاكات يشترك فيها بشكل مباشر النظام الإماراتي إزاء صمته قانونيا، أخلاقيا وسياسيا وذلك بتوفير الحماية الكافية لأرباب العمل وشركات التوظيف التي يمتلك فيها أبناء العائلات الحاكمة أسهما وعادة ما تكون ملكا لهم وهي من الشركات التي تدرّ على مالكيها مداخيل كبيرة جدا.

وإن قامت بعض الدول منها الفلبين بمنع عاملاتها المنزليات من السفر إلى الإمارات في ظل ظروف العمل القمعية فإن بلدان أخرى وقفت عاجزة عن حماية جاليتها بالإمارات وعادة ما يكون هذا العجز إراديا بحكم العلاقات الاقتصادية بين النظام وهذه الدول أو بحكم ضعف الدولة المرسلة وعدم قدرتها فعليا على توفير الحماية القانونية أو السياسية اللازمة إذ كثيرا ما تفتقد للوزن أو الثقل السياسي الذي يجعلها تخاطب النظام الإماراتي بمنتهى الجدّية والصرامة.

في شهادات أدلت بها مجموعة من النسوة العاملات (شهر أكتوبر 2014) إلى Rothna Begum (باحثة حقوق المرأة في قسم الشرق الأوسط في Human Rights Watch) ذكرن كيف يتعرّضن إلى إساءات نفسية وجسدية وجنسية، يقع حبسهنّ في منازل أرباب العمل، لا يحصلن على فترات راحة أو عطلات أسبوعية، يشتغلن 21 ساعة في اليوم، لا يتحصّلن على أجورهن ويوقّعن تحت الإكراه على إيصالات تفيد بتسلّم الراتب كاملا، يقع حرمانهنّ من الطعام

ويعاملن معاملة الحيوانات أو كقذارة لا يجب الاختلاط بها، كثيرا ما ينمن على قاعة غير مفترشة ودون غطاء، يتعرّضن إلى الضرب المبرح على مستوى الصدر، وخمش العنق بالأظافر، والصفع على الوجه وكدمات على العنق ونزع خصلات الشعر. كما يقع المتاجرة بهنّ وإقراضهن إلى الغير…

إن وجود قوانين عمل بعيدة عن المتطلبات الواقعية لسوق العمل، وإيجاد وظائف استثمارية لا تتوافر لها الموارد البشرية في ظل غياب تام لأي تكتّل نقابي عمالي يجعل من نظام الكفيل نظاما يمكن أن ينفجر في وجه النظام الإماراتي في أي وقت وهو في الواقع ينذر بأسوأ الأمور نتيجة الانتهاكات الحاصلة.

يرى James Lynch من منظمة العفو الدولية أن نظام الكفالة “يحفّز التجاوزات والاستغلال”. كما يسمح بتفشي ظاهرة الاتجار بالتأشيرات من قبل الكفلاء المواطنين.

نظام الكفيل هو نوع من الاستعباد المباشر للبشر وهو شكل من أشكال العبودية الذي مازال النظام الإماراتي يمارسه وسط متناقضات بتعصير القوانين لتحفيز الاقتصاد. وإذ تتميز الإمارات بقوانين استثمارية تظهر أنها عصرية إلا أن هذه الحزمة من القوانين كانت في صالح أرباب العمل والمستثمرين ورؤوس الأموال ولم تكن في صالح العامل الذي يعاني من الإقصاء والتهميش وعدم خلاصه في أجوره وعدم تمتّعه بعطل مناسبة واشتغاله لما يفوق 12 ساعة يوميا يقضّي أكثر من ثلاثة أرباعها وسط درجة حرارة تفوق أحيانا 45 درجة، بدخل بسيط لا يمكنه أن يفيه قوته أو قوت عائلته التي تركها في بلده الأم.

يعتمد اقتصاد دولة الإمارات كلّية على العمّال الأجانب. لا يقتصر استعباد المهاجرين على فئة عمال البناء بل إن الأمر يتعداهم ليشمل تقريبا كافة الأصناف الحرفية واليدوية من الذين يشتغلون في قطاع المطاعم أو شركات النظافة أو التعدين أو الموانئ والمطارات والطرقات وتجارة الجملة والتفصيل وغيرها… حيث تسود نفس سياسة الاستعباد والانتهاك ومن يجرؤ على التظلّم أو التحدث لوسائل الإعلام أو لمنظمات حقوقية فيتعرض لعقاب صاحب العمل والنظام ومصيره الترحيل الفوري دون حصوله على أجره.

* الدكتور سامي الجلّولي صاحب الكتاب المثير للجدل “الإمارات ما قبل الكارثة أسرار وخفايا” والمختص في النظام السياسي السويسري والأنظمة السياسية العربية، والمحلّل السياسي ورئيس مركز جنيف للسياسة العربية.

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. فهد الحربي 666 يقول

    الجواب على سؤالكم سهل جدا
    لانكم حصلتم على المركز الاول في فنون الكذب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.