الأربعاء, ديسمبر 7, 2022
الرئيسيةتحرر الكلامالثورات العربية وحقوق الإنسان .. علاقة حتمية وشائكة (2)

الثورات العربية وحقوق الإنسان .. علاقة حتمية وشائكة (2)

- Advertisement -

العدالة وحقوق الإنسان

ثمة علاقة وطيدة بين العدالة وحقوق الإنسان ، حيث تعتبر العدالة درعاً واقياً لتلك الحقوق ، ويمكن إيضاح ذلك من خلال الآتي :

أ ـ قيمة العدالة : العدالة قيمة إنسانية عليا وُجدت في مجتمعات عديدة منذ قديم الزمان ، وهي تعني انتفاء الظلم والجور ، ولقيمة العدالة جانب شرعي ، نلمسه من خلال الاهتمام الملحوظ الذي أعطته الشريعة الإسلامية لتلك القيمة ، كما أن لها جانباً اجتماعياً مهماً ، فسيادة هذه القيمة داخل المجتمع تقود إلي انتشار الأمن والأمان والاطمئنان لدى الأفراد والجماعات ، فكل فرد داخل المجتمع يشعر ويتيقن أنه سيحصل على حقه دون ضياع أو إهدار .

- Advertisement -

ب ـ العدالة الإجرائية : يقصد بالجانب الإجرائي للعدالة أو العدالة الإجرائية المسائل ذات الصبغة الفنية مثل المساواة أمام القانون ، ونزاهة المحاكمات ، ويوجد في الدولة الإسلامية جهة معينة تكون مسئوليتها الإشراف على تطبيق العدالة ، وهي في المعتاد وزارة العدل .

ويقع على عاتق ولي الأمر أو الحاكم مهمة إقامة العدالة في المجتمع ، وتنظيم وترتيب الجانب الإجرائي للعدالة ، والذي يتمثل في الآتي :

1 ـ تحديد معايير وضوابط تعيين القضاة وتدرجها ، وكذلك العاملين في مجال إقامة العدالة ، بما يضمن نزاهة القضاء واستقلاليته .

- Advertisement -

2 ـ إنشاء المحاكم ودور القضاء وتوزيعها بشكل متوائم مع مناطق الكثافة السكانية على إقليم الدولة ، حتى لا يشق على المتقاضين وأصحاب الحقوق .

3 ـ اختصار زمن وإجراءات نظر القضايا والبت فيها ، حيث أن العدالة البطيئة نوع من الظلم ، ولكن بما لا يخل بمتطلبات الاستيفاء ، ومستلزمات الحيدة والنـزاهة.

4 ـ تجهيز وإعداد القوة الخاصة بتنفيذ الأحكام ، بما يضمن سرعة التنفيذ ، وحصول صاحب الحق على حقه .

ت ـ  بدعة العدالة الإنتقالية : العدالة قيمة تتسم بالثبات والإطلاق في تطبيقها ، وهذه القيمة ليست وقتية أو مرحلية ، وما يتداول إبان الثورات العربية من مفاهيم مثل العدالة الإنتقالية إن هي إلا رغبة مقصودة أو غير مقصودة في تشويه هذه الثورات ، وإظهارها على أنها تجافي حقوق الإنسان ، وتتعامل مع قيمة العدالة على أنها قيمة تطبق في مرحلة معينة ، ومن شأن هذا أن يتنافى مع طبيعة وحقيقة هذه القيمة ، كما أنه من غير المنطقي الإدعاء بأن ثمة عدالة بشكل معين لكل مرحلة من مراحل تطور الشعوب ، ومن ذلك أن المرحلة الإنتقالية التي تلي الثورات وتمهد لبناء دول جديدة تحتاج إلى عدالة إنتقالية تلائم تلك المراحل .

إن بدعة العدالة الإنتقالية إنما ابتكرت من أجل المحاسبة على الجرائم التي ارتكبت إبان العهود المبادة ثم إبان الثورة من قبل رموز تلك العهود ، بدعوى أن الجرائم التي ارتكبت خلال المرحلتين المذكورتين لم تكن تُعامل على أنها جرائم ، مثل الفساد السياسي والإفساد السياسي ، حيث أن الفساد والإفساد السياسي ليس إلا من وجهة نظر الثوار ، أما من وجهة نظر الأنظمة المبادة فلم تكن كذلك ، إلا أن وصف وتكييف هذه الجرائم لا يحتاج إلى عدالة إنتقالية ، بل يحتاج إلى تكييف وتوصيف هذه الجرائم من وجهة نظر الثورة والثوار والمرحلة الجديدة ، وهذه مسألة تدعمها بل تفرضها الشرعية النابعة من الشعب الثائر .

ويرى أصحاب بدعة العدالة الإنتقالية أنه حتى لو تم تكييف أفعال الفساد والإفساد السياسي على أنها جرائم ، فيبقى أمر آخر وهو العقوبات التي تضارع حجم المخالفة ، أو بالأحرى حجم التخريب والتدمير الذي لحق بقيم المجتمع لقاء تلك الأفعال ، وتقدير عقوبات الفساد والإفساد السياسي لا تحتاج كذلك إلى عدالة إنتقالية ، بل تحتاج إلى معالجة قانونية تتواءم مع طبيعة المرحلة وتدعمها الشرعية الإجتماعية للشعوب الثائرة .

ويحتج كذلك أصحاب العدالة الإنتقالية لمحاسبة المجرمين على جرائم الفساد والإفساد السياسي ، بأنه لا بد من عدالة ناجزة ، وهذا يحتاج إلى العدالة الإنتقالية ، إلا أنه بقليل من التأمل ، نكتشف أن إنجاز نظر جرائم الفساد والإفساد السياسي تحتاج إلى سرعة إجراء وجدية وشفافية وصدقية ليس إلا ، وكل ما تقدم هو مفردات أو مكونات قيمة العدالة دون أن تكون إنتقالية .

ث ـ العدالة صلب وقوام حقوق الإنسان : تضمن العدالة عدم التعدي على عناصر وجود الإنسان ومقومات حياته ، وإذا حدث التعدي فهي تصحح الخلل وتقوّم الاعوجاج ، فهي وقاية وعلاج في وقت واحد .

إن العدالة قيمة حارسة ومراقبة ، تحرس وتراقب عناصر الوجود الإنساني ومقومات الحياته الطيبة ، وهي بوصفها هذا لا تتحرك ولا تباشر دورها العلاجي إلا عندما تُنتهك حرمة عناصر الوجود الإنساني ، أو تُخترق مقومات الحياة الطيبة ، وعند هذه اللحظة يتم سلب تلك العناصر والمقومات من قبل معتدي مجرم ، وعلى أثر ذلك تتحرك العدالة وتباشر دورها في العمل على إعادة عناصر الوجود ومقومات الحياة الطيبة إلى من سُلبت منه ، فعنصر الوجود ومقوم الحياة الذي سُلب تحول إلى حق ، أي مِلك يجب إعادته إلى صاحبه ومستحقه ، وعليه فالعدالة تحرس منذ البداية العناصر والمقومات قبل أن تتحول إلى مِلك مسلوب ، ثم تتحول إلى مصلح يتولى مهمة إعادة المِلك المسلوب الذي بات متنازعاً عليه ، ومن ثم أصبح يسمى حقاً ، على هذا ترتسم العلاقة بين العدالة وحقوق الإنسان ، علاقة الحارس بمحروس ، والمصلح لخلل ، والمعيد لمِلك مسلوب ، والمنشئ لمصطلح الحق ، والذي يمنحه محتواه اللفظي ودلالته الرمزية .

د. بسيوني الخولي
د. بسيوني الخولي
مصري حاصل على درجة دكتور الفلسفة في العلوم السياسية بمرتبة الشرف الأولى من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة الفاهرة 1989م ، ودرجة الأستاذية ، عمل بمعظم الجامعات العربية ، له أكثر من سبعين مؤلفاً ، وأكثر من مئتي بحثاً ، مؤلِّف موسوعة "الدرر الزاهرة في الأصالة المعاصرة" في 56 كتاباً ، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات العربية والعالمية ، عمل في مناصب استشارية عديدة ، تلقى شهادات تقدير من الجهات التي عمل بها . البريد الإليكتروني : [email protected] تليفون : +201094332499
spot_img
اقرأ أيضاً

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اشترك في نشرتنا البريدية

حتى تصلك أحدث أخبارنا على بريدك الإلكتروني

تابعونا

- Advertisment -

الأحدث