نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالاً للكاتب “اريك تريغر” قال فيه إن شعور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الخوف له مبرراته، فشعبيته تراجعت لكن لا توجد هناك معالم لانتفاضة جماعية في مصر، مشيرا إلى أن ضعف النظام ينبع من الداخل كما بدا في الأشهر الماضية.

ويضيف “تريغر” أن مخاوف السيسي من انتفاضة جماهيرية ثانية نابعة من معرفته بالمحفزات السابقة التي أشعلت شرارة حركات جماهيرية، ولهذا فهو خائف من أن يعيد التاريخ نفسه من جديد.

فبعد كل هذا كان السيسي مديرا للمخابرات العسكرية عندما رد المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الأحداث التي أطاحت الرئيس مبارك.

وكان وزيرا للدفاع عندما رد الجيش على الاحتجاجات في يونيو 2013 والتي أطاحت الرئيس المنتخب محمد مرسي. وأصبح السيسي العدو الأول للإخوان المسلمين وأغرى بهذا الكثير من المصريين الذين خافوا من الإخوان أو خُوفوا منهم.

ومع ذلك يعترف الكثير من الذين أيدوه في تلك الفترة بأن فترة “شهر العسل” قد انتهت. ونقل “تريغر” عن رجل أعمال مرتبط بالنظام قوله: “إذا كانت نسبة دعمه عندما انتخب هي 93%، فقد انخفضت الآن إلى 60%”.

وبدأ المصريون اليوم يشعرون بوطأة الضغوط، وذلك من خلال بطء النمو الاقتصادي وتراجع الاحتياط من العملة الصعبة وارتفاع التضخم ونسب البطالة التي لا تزال في تزايد مستمر. وارتفعت الشكوى من الأوضاع بطريقة علنية أكثر من أي وقت مضى.

ورغم كل هذا، كما يرى الكاتب، فلا شهية للمصريين للمشاركة في ثورة شعبية جديدة. فتجربة الخمس سنوات الماضية جعلت الكثيرين منهم يترددون من المخاطرة، خاصة في ظل غياب البديل عن السيسي.

ويشعرون أن انتفاضة أخرى قد تؤدي لإشعال حالة من عدم الاستقرار الواسعة. وهناك عامل آخر يجعل المصريين أكثر حذرا، هو ما حدث للربيع العربي والفوضى التي خلفها في دول أخرى. ويشير المصريون إلى انهيار دول مثل اليمن وسوريا وليبيا والعراق، وهو ما يجعلهم يفضلون الوضع القائم على الفوضى.

وبعيدا عن هذه المحاذير، يقول “تريغر” إن توتر جديدا ظهر داخل نظام السيسي، وربما قاد لمرحلة من عدم الاستقرار.

فمع أن المحللين عادة ما يشيرون إلى “الدولة العميقة” في البلاد وكأنها كتلة واحدة موحدة، إلا أنهم يتعامون، بقصد أو من دون قصد، عن طبيعة التحالف الذي يربط أصحاب المصالح من النظام الماضي بالنظام الحالي، فهو تحالف هلامي يضم عددا من مراكز القوى التي تضم مؤسسات الدولة مثل الجيش والمخابرات والشرطة والقضاء، وكذا الكيانات القبلية المؤثرة في منطقة الدلتا وعشائر الصعيد ومؤسسات الإعلام الخاصة ومجتمع رجال الأعمال.

وكل مجموعة من هذه لها مصالحها الخاصة وتتنافس في ما بينها، كما كان الحال بين وزارتي الداخلية والدفاع في عهد مبارك. وما وحد كل مراكز القوى السابقة وجعلها تدعم السيسي هو عامل واحد: الإخوان المسلمون.

فقد اتحدت هذه المجموعات معا لمنع عودة الإخوان المسلمين الذين ينظر إليهم كتهديد لها. ويلاحظ الكاتب هنا أن مسألة الخوف من الإخوان تلاشت في الأشهر الأخيرة. فالجماعة لم تعد تهديدا بسبب سجن آلاف من أبنائها وإجبار قادتها على الهروب ومن بقي منهم داخل مصر لا يرغب بالمخاطرة بحياته في وقت انقسمت فيه الجماعة على نفسها ولم تعد والحالة هذه حركة متماسكة قادرة على التعبئة والتجنيد كما في الماضي.

ونقل الكاتب “تريغر” عن جنرال في الجيش أخبره في نوفمبر 2015: “لم نعد نسمع عنهم الكثير الآن”، وأضاف: “يقومون بإحداث بعض المشاكل، لكنهم لا يحققون أية نتائج”. ويعتقد الكاتب أنه مع تلاشي تهديد الإخوان، الذي وحد قاعدة الحكم الرئيسة للسيسي، بدأت تظهر توترات في داخلها.

وأوضح مثال على هذا هو تدهور علاقة السيسي بمجتمع رجال الأعمال. ومع أن هؤلاء كانوا يشكون في قدراته عندما تولي الحكم منتصف عام 2014، إلا أنهم تعاملوا بنوع من الخوف عندما تم اعتقال رجل الأعمال صلاح دياب في بداية نوفمبر حين وجهت له تهم فساد مالي وحيازة سلاح بطريقة غير قانونية.

ونقل الكاتب عن عدد من رجال الأعمال قولهم إن المشكلة ليست في اعتقال دياب: “فنحن مع تطبيق القانون” كما قال أحدهم، ولكن الطريقة التي اعتقل بها. فقد داهمت قوات مكافحة الإرهاب بيته في الساعة الخامسة صباحا حين كان نائما في غرفة النوم وزوجته وقاموا بتقييده وابنه وسربوا صور الاعتقال للإعلام. ونقل عن رجل أعمال قوله إن الطريقة “ذكرت بأيام ناصر عندما كانوا يعتقلون الناس من بيوتهم في الفجر” أو ما عرف بـ”زوار الفجر”.

وأكد كل من تحدث إليهم الكاتب من رجال الأعمال أن اعتقال دياب لم يكن ليتم من دون موافقة من السيسي. وفي الوقت الذي ينتظرون من الأخير إصلاح الخطأ، قام السيسي بدلا من ذلك بتهديد رجال الأعمال في خطاب ألقاه ببور سعيد قبل ثلاثة أسابيع.

ورغم هذا، فلا يرى رجال الأعمال بديلا عن السيسي لأن لديه اليد العليا، وقال: “الناس لا يحبوننا، الناصريون واليساريون والإعلام، كلهم يكرهون رجال الأعمال”، ولكن الحادثة أدت إلى خوف داخل مجتمع رجال الأعمال، فيما يخشى المسؤولون الاقتصاديون أن يبحث المستثمرون المحليون والأجانب عن أماكن أخرى.

وبالإضافة إلى التوتر مع رجال الأعمال، يرصد الكاتب توترا آخر مع الأجهزة الأمنية. فعمل هذه الأجهزة يظل غامضا، لكنها تتمتع بتأثير واسع في شبكات الإعلام الخاصة، ومن المحتمل أنها تقوم بالسماح إن لم تشجع النقد المتزايد خلال الأشهر الماضية للسيسي.

وتحدث الكاتب عن أدلة تشير لتنافس بين أجهزة الأمن المصرية والتي عادة ما تتنافس للحصول على التمويل والتأثير السياسي.

وظهرت ملامح من هذا التنافس في البرلمان المنتخب حديثا. فقد قرر حزب “مستقبل وطن”، الذي يعزى نجاح أعضائه إلى المباحث العامة، الانسحاب الشهر الماضي فجأة من الكتلة الموالية للسيسي والتي يقودها جنرال سابق. وعندما عاد وانضم للكتلة بعد أيام قال المتحدث باسمها إنها حصلت على حصة للتأثير في المكتب السياسي. ويرى الكاتب أن التنافس بين الأجهزة الأمنية واضح بشكل كبير على الفضائيات.

كما أشار مسؤولون أجانب، وبشكل مهم، إلى توترات بين السيسي الذي كان نفسه وزيرا للدفاع ومؤسسة الجيش.

وفي الوقت الذي تظل فيه المؤسسة العسكرية القاعدة الطبيعية لدعمه، إلا أن المسؤولين نسبوا التوتر إلى الحلقة السياسية الصغيرة التي تفرخ، كما يقول، حالة عدم ثقة بل حسد بين قيادات الجيش البارزة. وزادت مشاكل مصر الأمنية والاقتصادية من مظاهر القلق داخل المؤسسة. وأخبر مسؤول الكاتب: “يقول الجنرالات إن السيسي معزول وأحاط نفسه بمجموعة من الرجال الذين لا يملكون أجوبة”.

و”بدأوا يطرحون الأسئلة: لماذا غرقت الإسكندرية؟ ولماذا قتل السياح المكسيكيون؟ هذا مثير للخجل”. وبالإضافة إلى التوتر بين السيسي والجيش، هناك انقسام بين القادة أنفسهم الذين لا يُبالون بالقادة الأكبر منهم في اللقاءات مع المسؤولين الأجانب. ويظل من الصعب تقويم عمق وخطورة الصدع داخل النظام.

فطريقة عمل نظام السيسي تظل بعيدة عن عين المراقب الخارجي وتظل حتى للقاعدة الرئيسة فيه مثيرة للغموض نوعا ما. ومع ذلك يؤكد رجل أعمال مرتبط بالنظام أن هناك صراعا على السلطة، ولكنه لا يعرف من اللاعبين الرئيسيين داخل النظام، ويقول: “هناك نظام كان قائما (في عهد مبارك) تتوازن فيه المصالح، ثم انهار خلال الثورة وهو لا يزال محلا للتنافس”.

وفي الوقت الحالي لا يتوقع المقربون من النظام تعديلا سياسيا مهما، فضلا عن تغيير فيه.