“صور”: أهالي حمص في الشتات يفتقدون إلى شيفرة الأمل في “جب الحظوظ”

0

(خاص – وطن / وعد الأحمد) يفتقد أهالي مدينة حمص ممن يعيشون في بلاد الشتات مع انتهاء عام آفل وحلول عام جديد إلى ما أصطلحوا على تسميته بـ “جب الحظوظ” وهو بئر عميق يقع أعلى قلعة حمص كانوا يستطلعون فيه فألهم كل عام، وكان صوت الحجارة الصغيرة التي تُلقى في هذه البئر يمثل شيفرة الأمل واليأس وتأشيرة العبور إلى المستقبل الغامض بالنسبة لأهالي المدينة الذين ورثوا هذا التقليد منذ آلاف السنين.

 

وتعود قصة أهل حمص مع جب الحظوظ إلى ما يسمونه (أعياد الربيع) وهي احتفالات كانت تبلغ ذروتها عند طواف أصحاب الطرق الصوفية بمواكبهم في شوارع المدينة وضواحيها، ولا يزال البعض ممن تقدمت بهم السن من أهالي حمص يحتفظون بذكرى حية عن هذه الأعياد التي كانت تشهدها مدينتهم، ويعتمد بعض الباحثين والمؤرخين في تفسيرهم لأصل العيد وبعض الأحداث المتعلقة به على روايتين.

 

الرواية الأساسية وهي الأكثر شيوعاً إلى حد كبير تنسب أحداث العيد إلى السلطان الأيوبي الشهير صلاح الدين، ويمكن أن نميّز بين روايتين مختلفتين: في الرواية الأولى، حين رأى صلاح الدين تدفق الحجاج إلى القدس في زمن الفصح وأراد إقامة عيد إسلامي في المدينة المقدسة يقع في الفترة نفسها ( أي فترة الاحتفال بالفصح ) وهنا تنقسم الرواية إلى احتمالين إما لأنه أراد إظهار الطابع الإسلامي للقدس، وإما لأنه خشي أن يحاول كل هؤلاء الحجاج الصليبيين القيام بحركة عصيان (استيلاء على السلطة) فأراد أن يجعل ذلك مستحيلاً بإغراق جمعهم بجمع أكبر من الزوار المسلمين.

 

وفي الرواية الثانية: وهي مختلفة بشكل ملموس، تخيّل صلاح الدين خطة لمهاجمة مدينة أو معسكر أو قلعة يسيطر عليها الصليبيون، فجعل جنوده يمرون متنكرين بلباس الدراويش خلف رؤسائهم الذين يلبسون لباس الشيوخ على أنغام النوبات (والنوبات هي جلسات تعزف فيها الموسيقا الدينية التي ترافق احتفالات الصوفيين، كالمواكب والرقص الطقسي والذِّكر الجماعي والأناشيد والترانيم الدينية … الخ) اتجه الموكب نحو مواقع الخصم الذي خرج دون حذر ليتأمل المشهد، وعندما أصبح عدد الصليبيين الخارجين كبيراً، رمى السائرون في الموكب ألبسة الدراويش وكشفوا عن أسلحتهم وهجموا على العدو فحصلت معركة دامية. وعلى هذا يكون الموكب السنوي تخليداً لذلك الحدث أو ربما حتى استعادة له.

 

وكان أطفال الأحياء القريبة من القلعة والفتيات منهم بخاصة يشكلون جماعات ويمرون في هذا العيد على البيوت لجمع الزهور وهم يرددون أهازيج شعبية تحض الأهالي على تقديم العطايا ومنها:

 

أعطونا من زهوركم حتى النبي يزوركم

سبع طبول وسبع زمور لفاطمة بنت الرسول

 

وبعد أن يجمعوا الزهور تقوم الأمهات بوضعها في أوعية مكشوفة واسعة ثم يصببن عليها الماء النقي ويضعنها قبل الغروب بقليل على الأسطحة تحت النجوم لتضيء عليها و”من المعروف أن للنجوم علاقة مباشرة بالحظوظ حسب المعتقدات الشرقية القديمة.

 

وفي صباح الخميس يقوم الأهالي بغسل وجوههم والمسح على صدورهم من ماء الورد المنجَّم أي الذي تعرَّض لنجوم السماء، وكان هناك اعتقاد أن الاغتسال بماء الزهور يفيد في إطالة الشعر بالنسبة للفتيات ويمنع رمد العينين و أن مريم العذراء وفاطمة بنت الرسول تلامسان تلك المياه وتباركانها” -كما يقول الباحث في التراث الشعبي “مصطفى الصوفي”- لـ”وطن”

 

ومن أعياد الربيع التي ارتبطت بخميس المشايخ “خميس النبات” الذي كان يبدأ صبيحة يوم الخميس ويستمر حتى غروب شمس ذلك النهار حيث تؤم المكان وفود الناس من أحياء حمص كافة يحملون معهم ما يحتاجونه من أطعمة وأشربة ويجلسون شرق المقبرة بشكل مختلط لتناول الخس الأخضر وهو الغذاء الأساسي في خميس النبات والبيض الملون الشهي وشراب قمر الدين وكذلك حلوى (مسكي عنبر) وهكذا يكملون نهارهم ما بين هرج ومرج حتى يحين وقت العصر حيث يصعدون لاختبار حظوظهم في (بئر الأماني) أو بئر الحظوظ فيجتمعون حولها ويلقون فيها الحجارة وهم يضمرون الأمنيات السعيدة لحياتهم القادمة، فهذا يتمنى أن يأتيه ولد وتلك تدعو أن يكون مستقبل ولدها مشرقاً وتلقي بحجرها في غياهب الجب فإذا سمعت له صدى تفاءلت خيرا واطمأنت إلى مستقبل ابنها وإن خبا الصوت ولم تسمع صدى الحجر تيقنت من شقاء أيامه هذا العام، ويشارك الجميع في هذا العيد الفولكلوري الفريد آملين بحياة مزهرة ومستقبل أخضر لمقبلات الأيام.

12233_565743553583390_4256503379112587626_n 1910438_565743496916729_7607511590623368640_n 1914762_565741516916927_4635822977209619284_n 1935634_565743476916731_2607120230869293255_n 11215752_565741553583590_6427920654888291176_n 12373297_565741530250259_3859614038223119717_n 12373301_565741373583608_1728122883459027054_n 12376522_565741576916921_1106361526922876265_n

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More