كاتب لبناني: الدعوة لحماية المسيحيين في المشرق تستجلب النتائج العكسية بحقّهم

0

(وطن – وعد الأحمد) عاود كاتب لبناني ترديد نغمة اندثار في المشرق التي انتشرت في لبنان خلال تسعينات القرن الفائت، على وقع أحداث كبيرة عصفت بدول الشرق العربي ومنها

 

ونشر الكاتب”حسن منيمنة” في موقع “معهد واشنطن” مقالة بعنوان “هل يشهد المشرق اندثار المسيحية” عزف فيه على الإيقاع ذاته، مذكّراً فيه بتاريخ المسيحية الذي سبق إلى دول المشرق و”على مدى ألفيتين، كان المسيحيون من كافة هذه الأطياف في صلب البنية الاجتماعية والثقافية في عموم المنطقة. غير أن هذا التاريخ العريق”-كما قال منيمنة- “لا يشكل خط دفاع إزاء المصاب الحالي والذي قد يؤدي في الجيل المقبل إلى زوال الحضور المسيحي الفاعل في المشرق”.

 

ويستدرك منيمنة ليقول: إنّ “الأذى الناتج عمّا يفتك بالمنطقة من دمار وآلام لا يقتصر على المسيحيين، ولا يقاس الواجب الإنساني لإنقاذ الأفراد والجماعات حكماً على أساس انتمائها إلى دين أو ثقافة”، لافتاً إلى أن “العمل على تخصيص المسيحيين أوغيرهم بالعون والاهتمام، تحت عنوان حماية الأقليات المعرضة للخطر، يستجلب النتائج العكسية بحقّهم ويضاعف من استهدافهم”.

 

وفي هذا الصدد يشير الباحث اللبناني إلى الاتهامات القائمة على معطيات جدية والموجهة إلى النظام الحاكم في دمشق أنه سعّى بالفعل إلى استدعاء هذه النتائج العكسية في توجهه المستمر لدفع خصومه نحو المزيد من التطرف والقطعية بما يشتت صفوفهم ويبدّد أحقية مواقفهم المناهضة له.

 
ويدعو الباحث “منيمنة” لتجنب القراءات التسطيحية التي تجعل من المسيحيين (ومعهم أحياناً غيرهم من الأقليات) العامل المحرك للتطور في شرقٍ (مسلمٍ) متصحّرٍ في ثقافته-بحسب وصفه- ولكنه يناقض نفسه بافتراضه أن المسيحيين ليسوا جزءاً من هذا “الشرق المسلم المتصحر”.

 

وبعد أن يشرّق الباحث ويغرّب مستحضراً الثقل المعرفي والثقافي الذي مثله مسيحو الشرق والدور الذي قامت به نخبهم الثقافية في مرحلة قراءة الحداثة الأوروپية واستيعابها في فكر المنطقة وتاريخها يصل إلى القول أن “إخراج المسيحيين، أو إعادة صياغة موقعهم على أنهم أقليات محمية، أو وضعهم في ذمة غيرهم، أو غير ذلك من أشكال إنكار مساواتهم الفطرية بغير المسيحيين من المواطنين، كأفراد وكثقافات أصيلة وكطوائف قائمة، هي أعمال تندرج عمداً في إطار استنزاف المكاسب التي أنتجها تراكم عالمي متواصل لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة للأفراد والمجتمعات”.

 

ويعرّج الباحث “حسن منيمنة ” بعد ذلك للحديث عن واقع المسيحيين في العديد من البلدان العربية اليوم، ففي سوريا مثلاً حيث كانت أعداد المسيحيين فيها تبلغ االعُشر لم يكن أمام هؤلاء المسيحيين إلا الخيار المرّ بين الاصطفاف مع نظام استبدادي يزداد في طائفيته كما في قمعه، وهو ساقط لا محالة وإن بعد حين، أو الانضمام إلى معارضة يطغو عليها من يَعِد المسيحيين بمنّة الحماية في أحسن الأحوال” ولذلك–كما يقول منيمنة- فالعديد من السوريين المسيحيين قد اختاروا الرحيل، والأعباء التي يواجهها من لم يرحل تزداد ثقلاً” ويقدم منيمنة صورة قاتمة لواقع المسيحيين ضمن المجتمع الفلسطيني مشيراً إلى أن “الكلام السابق عن دولة علمانية ديموقراطية كهدف نهائي لجهد التحرير قد انحسر وكاد أن يختفي مع إعادة تشكيل الصراع من مواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى صدام بين المسلمين واليهود، وذلك فيما المساحة العقائدية والاجتماعية والسياسية للفلسطينيين المسيحيين تزداد ضيقاً–ولم يشر كاتب المقال إلى مقصده من الربط بين واقع المسيحيين في فلسطين وتحول الصدام من مدني إلى “صدام ديني” بين المسلمين واليهود”.

 
ولفت منيمنة إلى أن مسيحيي الاردن الذين يصل تعدادهم بحسب قوله إلى خمسة بالمئة من مجموع السكان يحظون بتأكيد على مواطنيتهم من الأسرة المالكة ويقيمون علاقات ودّية راسخة مع مواطنيهم المسلمين، إلا أن تنامي التوجهات القطعية في الشارع الأردني-كما يقول- يثير قلقاً متزايداً في أوساط هذه الفئة من الأردنيين، رغم ما تشهده من نجاح ورخاء.

 
أما “بيت القصيد” في المسيحية المشرقية بحسب كاتب المقال-فهو لبنان، حيث وهو-كما يوضح “أمر ميثاقي يعلو على الأطر الدستورية والسياسية والاجتماعية” غير أن لبنان قد شهد في العقود الأخيرة ضرراً فائقاً في العلاقات بين طوائفه. ويشرح ذلك بالقول أن “لبنان هو الموطن الوحيد في المنطقة كتعبير مسيحي سيادي. والمقصود بالسيادية هنا الخطاب الذي يجاهر بسعيه إلى تحقيق المصلحة بين المسيحيين كجماعة، سواءاً في إطار التوافق الوطني، وهو المفضّل، أو في التصدي لأية حالة خارجة عن هذا الإطار قد تطال هذه المصلحة”.

 
ولفت منيمنة إلى أن لبنان ورغم كل المخاضات التي مرّ بها “لا يزال يحتفظ بقدر من الحضور المسيحي ما يجيز تصنيفه كمجتمع تعددي. ولكن هذا الحضور مهدّد ليس بضغط التراجع السكاني بل ابتداءاً من جرّاء مصالح شخصية ضيّقة تزعم أنها سياسة لخدمة رؤية وجودية للمسيحية فيه”.

 
والمفارقة أن الكاتب منيمنة يصّر على تحميل ما يسميها”القطعية الإسلامية” وهي صيغة مجازية مبهمة المعنى سواء من خلال “بذاءة تنظيم الدولة الإسلامية أو “دماثة الجمهورية الإسلامية” مسؤولية الخطر الجلي الأول الذي يتعرض له الحضور المسيحي في المشرق” ولكنه يستدرك قائلاً أن “المسؤولية في استنزاف هذا الحضور لا تقتصر على هذه القطعية” لافتاً إلى عوامل خارجية أخرى منها تأثير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والارتجال الذي أبدته الولايات المتحدة في غزو العراق والسعي إلى بناء دولة جديدة فيه، ثم التخلي عن الجهد في منتصف الطريق. ومنها مؤخراً مباركة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية تدخل موسكو لصالح نظام دمشق”.

 
ويخلص الباحث حسن منيمنة إلى القول أن “تآمر هذه العوامل المتعمدة منها وغير المتعمدة يجعل من استشفاف نهاية نزيف المسيحية في المشرق غير ممكن” داعياً إلى اعتماد ممارسة سياسية قائمة على حيادية الدولة إزاء الدين، والتمثيل السياسي الصادق على أساس المساواة بين الأفراد والتي لا تغبن الأقلية، والانفتاح إزاء الآخر المختلف والقبول به على أساس الحرية والكرامة.

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.