الثورات العربية وتصفية الحسابات بين الأنظمة

0

لقد استتبع الثورات العربية تداعيات شكلت مفارقات تستوجب التأمل والتفكير ، لما تحمله من تناقضات مثيرة ، فلقد كانت الثورة ذريعة للفعل ونقيضه في وقت واحد ، فهي وسيلة مناسبة ومشروعة للتخلص من الأنظمة الراديكالية ، وهي إرهاب ومؤامرة على الأنظمة الرجعية ، وهكذا أصبحت الثورة ذات وجهين : وجه حسن مقبول وآخر قبيح مرفوض ، وكان من شأن هذه المفارقة أن تسيئ إلى الثورة ، وتجعلها محط ازدراء وتحقير ، من خلال هذا المقال نناقش عملية استخدام الثورات العربية في تصفية الحسابات بين الأنظمة العربية .

أولاً : التناقضات الأيديولوجية والسياسية بين الأنظمة العربية : 

النظم العربية هي نظم منافقة مخادعة ، وإن كان البعض يرى في ذلك نوعاً من الدبلوماسية والبعد عن الشحناء بإخفاء التناقضات والبغضاء تحت السطح ، إلى أن حان وقت إبرازها وتفجيرها حيث لا مجال للملامة أو العتاب مع نظم سترحل وتنتهي إلى الأبد ، وحيث أن الجهر بتلك العداوات سيتم في غمرة ثورة ، ومن ثم تبدو على أنها نصرة ودعم لهذه الثورة .

والجدير بالتأمل في شأن هذه التناقضات وما يترتب عليها من شحناء وعداوات ، هو أنها شأن نظمي خالص ، والشعوب منه براء ، فالشعوب العربية لا يوجد بينها ما يثير العداوة والبغضاء ، بل إن ما بينها من علاقة عضوية حميمة يستوجب التضامن ، ويفرض المحبة والتكاتف والتعاضد ، فقد تعرضت للمذلة والمهانة والجور والفساد من مصدر واحد هو النظم السياسية ، ثم شاركت سوياً في عملية بحث شاقة ومضنية عن وسائل التخلص من تلك الأنظمة الاستبدادية الفاسدة ، كما ساهمت في ثورة واحدة من أجل التخلص من الطواغيت ، وها هي تجتهد وتجاهد من أجل إنجاح ثورتها في بناء دولة مدنية وحكم رشيد .

وتنقسم تناقضات الأنظمة العربية إلى تناقضات أيديولوجية وتناقضات سياسية ، وهي بطبيعتها تناقضات فوقية ، تخص بالأساس الحكام وبطانتهم من المتزلفين والملفقين والمنافقين ، الذين يلتفون حول أسيادهم ، ويرتزقون من بذر بذور البغضاء والشحناء وإثارة العداوات .

أ : التناقضات الأيديولوجية : التناقضات القديمة المتجددة بين الرجعية والراديكاليبة لم تتوقف منذ أن بذر بذرتها “عبد الناصر” في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين ، وظلت تغوص وتطفو فوق سطح مستنقع العلاقات العربية الآسن .

فمنذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين ترسخ معسكر الرجعية المؤلف من دول الخليج والأردن والمغرب ، وهو موالي للغرب ومدافع عن مصالحه في المنطقة في مقابل حمايته لهذه الدول وضمان وجودها ، والمهادن في القضية الفلسطينية وغير المستسيغ لرابطة القومية العربية ، والمبغض لما عُرف في ذلك الوقت بالنظم الثورية ومن خلفهم الاتحاد السوفياتي ومعسكره الشيوعي وحلفه العسكري “حلف وارسو” .

وفي مقابل معسكر الرجعية تشكل وائتلف معسكر الراديكالية “الثورية” من مصر وسوريا والعراق واليمن والجزائر وليبيا بعد انقلاب “القذافي” والسودان ، وهذا المعسكر موالي للاتحاد السوفياتي ويمهد لموطئ قدم له في المنطقة ، ويجاهر بالعداء للغرب ولمصالحه في المنطقة ، ويناضل من أجل إعلاء شأن القومية العربية ويحاول فرض الوحدة العربية من خلال تجارب فاشلة ، وهو متحمس للقضية الفلسطينية معتبرها قضية العرب الأولى ، والمستعدي لإسرائيل والرافض لوجودها تماماً ، والمستفز للنظم الرجعية والمطارد لها إعلامياً ودبلوماسياً وسياسياً ، وبين المعسكرين وقفت تونس ولبنان وموريتانيا دون موقف محدد بل كانت تنافق هؤلاء مرة وتمالئ أولئك مرة .

وظل هذا الانقسام الحاد هو سيد العلاقات العربية حتى حرب أكتوبر وتوقيع اتفاق السلام المصري الإسرائيلي ، وكانت هذه نقطة البداية لمرحلة جديدة في العلاقات العربية ، فلم تختف الصورة النمطية التقليدية للصراع بين الرجعية والرايكالية ، الذي حاول “السادات” أن يحوّره بعد صلحه مع إسرائيل ، إذ استبدل الصراع بين الخونة المتصالحين مع إسرائيل والمقصود بذلك مصر ومن عاونها سراً أو جهراً وبين دول الصمود والتصدي ، بالصراع القديم بين الرجعية والراديكالية .

وبعد مرور الوقت واستساغة العرب للصلح مع اسرائيل ، واقتفاء أثر مصر من قبل الأردن ولبنان والفلسطينيين أنفسهم والسوريين الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من الصلح بفعل الوساطة التركية السرية ، غاصت عميقاً تحت سطح العلاقات العربية اسطورة الرجعية والراديكالية ، إذ اختلطت التوجهات ورحلت أيديولوجيات ، بل وانتهى الصراع الأيديولوجي إلى الأبد ، وحل محله الصراع الثقافي والتقني ، وتغير شكل النظام الدولي ، واتخذ الصراع بين القوى الكبرى صوراً وآليات جديدة .

ولم يدر في خلد أحد أن الثورات العربية ستقذف بالأسطورة مرة أخرى إلى السطح ، حيث قسمت الثورة العرب من جديد ، ولكن بناءً على معيار جديد أساسه “الثورية” ، حيث تشكل معسكران مرة أخرى ، معسكر الدول الثورية ، وهو مكون من الدول التي شبت فيها الثورة ، ونجحت في اقتلاع النظم الفاسدة وهي تونس ومصر واليمن وليبيا ، والدول التي تناصر الثورة وهي قطر ، والدول التي هبت فيها الثورة ولم تحقق هدفها حتى الآن وهي البحرين وسوريا ، في مقابل معسكر الدول المناهضة للثورة ، وهي دول الخليج باستثناء قطر ، والعراق ولبنان والسودان والجزائر والمغرب .

ب : التناقضات السياسية : لم تقتصر التناقضات على التناقضات الأيديولوجية بل تخطت ذلك إلى التناقضات السياسية ، إذ أشعلت الثورات العربية فتيل حرب سياسية وإعلامية ودبلوماسية بين فريقين من الدول العربية ، وتمثلت أهم الأسلحة التي استخدمت في تلك الحرب في ما يلي :

(1)طعن النظم العربية في شرعية بعضها : على الفور لم تتوان النظم العربية في الطعن في شرعية بعضها للبعض الآخر ، فالنظم التي تؤيد الثورات تطعن في شرعية التي ثار ضدها المواطنون ، وتستدل على فقدان وغياب شرعية تلك النظم بنشوب الثورة ، وترد النظم التي ابتليت بالثورة بأن تلك الثورة مؤامرة دبرتها النظم المؤيدة لها ، وأنها لولا الكبت والقمع اللذان تمارسهما النظم الأخيرة لثارت عليها شعوبها ، وأنها هي الأخرى ستُبتلى بالثورة قريباً ، إذ أنها نظم لا شرعية لها ، وكذلك يتهم كل منهما الآخر بأنه اغتصب الحكم واستلب السلطة بالقوة أو بالتزوير والتزييف .

(2)التهم المتبادلة بالديكتاتورية والفساد : بالإضافة إلى الطعن المتبادل في الشرعية بين النظم المبتلاة بالثورة والأخرى المؤيدة لها ، هناك التهم المتبادلة بالديكتاتورية والفساد ، والحقيقة أن تهمة كل منهما ثابتة في حق الآخر ، إذ أن كليهما مستبد وفاسد .

(3)دعاوى غياب الدعم الشعبي : يتولى الإعلام في الفريقين المتنابزين اتهام الفريق المواجه بغياب الدعم الشعبي له ، وتستعر الحرب الإعلامية والدبلوماسية بين الفريقين ، وما لا شك فيه أن النظم التي تشتعل على أرضها الثورة يتسم موقفها بالضعف والارتباك ، ويؤثر ذلك على قدرتها على الرد ، في حين يتسم موقف الدول المؤيدة للثورة بالقوة .

ثانياً : الثورة فرصة تاريخية للانتقام وتصفية الحسابات :

كانت الخلفية السابقة منطلقاً مناسباً وفرصة سانحة في حالة حرب ضروس تكافح فيها النظم السياسية من أجل البقاء ، لأن تنتقم النظم من بعضها وتصفي حساباتها ، في خضم ذلك برزت متناقضات ومفارقات مثيرة نوضحها فيما يلي :

أ : تأييد ودعم الثورة على النظم الراديكالية : لم ينس معسكر الرجعية القديم مآسي الحرب الباردة والاتهامات التي كالها له المعسكر الراديكالي في الأيام الخوالي ، وها قد واتته الفرصة للانتقام وتصفية الحسابات بشكل نهائي ، وكانت ليبيا وسوريا أبرز الراديكاليين الذين حانت الفرصة للتخلص منهما عن طريق ثورة شعبية يرفع تأييدها ودعمها الحياء والحرج من مغبة الشماتة والفرحة في مصائب الآخرين .

ب : قمع الثورة على النظم الرجعية : ولم يتورع نفس المعسكر عن مأخذ القيام بالفعل وعكسه ، فإذا بالرجعيين العرب الذين ناصروا الثورة في ليبيا وسوريا بكافة السبل والوسائل ، يتصدون للثورة نفسها في البحرين ومصر واليمن بذات السبل وعين الوسائل ، بل ووصل الخبل إلى حد اتهام الثورة على تلك النظم بالإرهاب والتآمر ، فلننظر كيف كانت الثورة الواحدة نعمة ونقمة ومقبولة ومرفوضة ومعمرة ومدمرة في وقت واحد ، ومن الرجعية تأتي العجائب ، وعندها تجتمع وتأتلف المتناقضات .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.