صعود القوى الإسلامية والتآمر لإفشال النموذج الإسلامي

0

لعله من غرائب الثورات العربية ، أن تكشف القناع عن القوى الإسلامية ، التي ظلت أكثر من ثمانية عقود وهي متخفية خلفه ، تصارع السيطرة الأوروبية ، ثم تصارع الأنظمة الفاسدة ، وعلى أرض الوطن وبعد انتصار الثورة ، أخذت القوى الإسلامية مكانها كلون من ألوان الطيف الاجتماعي العربي ، ودفعتها أرضيتها الاجتماعية والشعبية وطروحاتها الفكرية إلى تكتيل الناس حولها ومن خلفها ، في مقابل ذلك فشلت القوى غير الإسلامية في مقارعة القوى الإسلامية والتغلب عليها ، ولم يكن أمام القوى الركيكة المهزومة من بد إلا الاستقواء بأقوى قوة في المجتمع وهو الجيش ، وكذا بشتات النظام البائد .

فانتزع الجيش السلطة ، ودمر القوى الإسلامية ، وأجهض النموذج الإسلامي ، وانقلب على القوى غير الإسلامية ، التي استجارت به ، ولسان حالها يقول استجرنا من الرمضاء بالنار ، وفاز الجيش بالغنيمة ، وتبددت كل القوى إسلامية وغير إسلامية ، وعادت مصر صاحبة هذه التجربة المريرة إلى عام 1952م .

وفي بقية دول الثورات لم يحدث ذلك ، لأنه لم يحدث صدام بين الجيش والقوى الإسلامية أو أية قوى أخرى في مجتمعات الثورة ، إلا في تونس التي كادت ، ولكنها لم تكتمل لأن الجيش كما سبق التفصيل في غير موضع لم يستجب للمستهترين المدمرين للتجربة الديمقراطية في هذا البلد .

في هذا المقال نتابع هذا التداعي المثير والمحبط من تداعيات الثورات العربية من خلال المنطلقات المتتابعة التالية :

أولاً : الثورات العربية ومبدأي المواطنة وعدم الإقصاء :

شبت الثورات العربية وحملت من ضمن ما حملت مبدأين مهمين لتجديد الدولة الفاشلة وإنشاء دولة مدنية عصرية ، وكذا لتأسيس نظام سياسي يكون بمثابة آلية الحكم الرشيد ، وكان من الأهمية بمكان في هذه المرحلة الإنتقالية طرح وتفعيل هذين المبدأين بعد فترة من التصحر السياسي وعدم وجود ممارسة سياسية تحت أي شكل من الأشكال ، واستبشر الجميع بمشاركة سياسية حقيقية وتداول للسلطة على أساس مبدأ الديمقراطية .

أ : مبدأ المواطنة : مبدأ المواطنة يعني الولاء للوطن ، ويعلي من شأنه ومكانته فوق أي اعتبار ، كما يرسخ علاقات الأخوة بين أبناء الوطن الواحد .

فالمواطنة شراكة في التراب أساسها الانتساب إليه ، ومن ثم تتساوى حظوظ أبناء الوطن في الحقوق والواجبات .

ووفق هذا المبدأ ليس من حق أحد من أبناء الوطن أن يغالي أو يزايد على الآخرين في حب الوطن أو الدفاع عنه .

إلا أن البعض يستغل هذا المبدأ ويعمد إلى الإساءة إلى بعض أبناء الوطن تحت دعوى خيانة الوطن أو دعاوى شبيهة ، وأنه حريص على الوطن أكثر من الآخرين .

لقد جاءت الثورات العربية لترسخ هذا المبدأ وتجعل منه قاعدة ينطلق منها أبناء الوطن نحو المشاركة في أفراحه وأتراحه وهمومه على قدم المساواة ، ومن الدول من سار في هذا الشوط حتى نهايته مثل تونس واليمن ، ومنها من تعثر مثل ليبيا ، ومنها من ارتد إلى نقطة الصفر مثل مصر وسوريا ، وذلك بفعل التآمر من مضادات الثورة في الداخل والخارج .

ب : مبدأ عدم الإقصاء : عدم الإقصاء يعني القبول بالآخر والسماحة، وهو مكمل ومتمم لمبدأ المواطنة ، ويزكي هذا المبدأ كافةالمبادئ الأخرى ، وهو يرسخ لقاعدة التنوع والتعدد ، ويوسع من المشترك العام ليستوعب كل ألوان الطيف في المجتمع .

إن وعي الثورات العربية وقدرتها على الدفع بهذين المبدأين ضمن مبادئ سياسية أخرى عديدة ، ليثبت أن تلك الثورة هي ثورة تتسم بالنضج والأخلاق والعمق ، وكان ذلك مثار حقد وحسد ومدعاة للتآمر عليها من قبل محرضات عديدة .

ثانياً : القوى الإسلامية فصيل أصيل في المجتمع العربي :

المجتمع العربي على غرار غيره من المجتمعات الإنسانية تتعدد وتتنوع فيه المجموعات ذات التوجهات الفكرية والثقافية والأيديولوجية والسياسية ، ويقاس تقدم المجتمع ونضج نظامه السياسي بمدى قدرته على استيعاب واحتواء أكبر عدد ممكن من هذه الجماعات والتوليف بينها من خلال مشترك عام .

أ : سعي مجتمعات الثورات العربية نحو التعدد والتنوع السياسي والثقافي : فور نجاح الثورات العربية في الإطاحة بالنظم السياسية والمجتمعات لا تألو جهداً من أجل التواؤم مع تعدد الكيانات السياسية والثقافية ، فمن هذه المجتمعات ما عكف على إعداد الآليات والأدوات التي تمكنها من تحقيق ذلك التواؤم ، ومنها ما اكتسب خاصية التواؤم بسرعة غير معتادة ، إلا أن عملية التواؤم تلك قد جاءت في منطلقات متتابعة يحسن استعراضها .

فأول ما حث مجتمعات الثورات العربية على السعي نحو التأقلم والتواؤم هو التعدد نفسه ، وقد ألفت تلك المجتمعات بسرعة ملحوظة تعدد وتنوع الجماعات السياسية والثقافية ، حيث اعتاد الأفراد وجود الكيانات السياسية والثقافية المتعددة والمتنوعة ، واعتادوا كذلك عملية التحاور مع تلك الكيانات ، ونظراً لبساطة هذه العملية فهي قد تمت بسهولة ويسر ولم تخلّف عقبات أو مشاكل .

أما التكيف مع الاختلافات بين الكيانات السياسية والثقافية ، فكانت أكثر صعوبة من اعتياد التعدد ، حيث أصبح الأمر يتجاوز الوجود إلى العمل على تثبيت وترسيخ ذلك الوجود في مواجهة الآخر ، الذي قد يشكك في ذلك الوجود أو يزعزعه ، وبالرغم من ذلك عمدت مجتمعات الثورات العربية من خلال مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية إلى محاولة تدريب الناس على اعتياد الاختلاف والتخفيف من حدته بالتحاور وقبول الآخر.

ولكن عندما تحول الاختلاف إلى صراع ، فقد تطلب هذا من المجتمع استعداداً خاصاً ، وترتيب آليات ذات خصوصية لاحتواء تلك الصراعات ، وذلك لأن آثارها قد تنعكس على المجتمع بما يهدد وجوده وتفاعله وتطوره ، وسرعان ما ابتكر كل مجتمع من الآليات ما يناسب تكوينه وطبيعته .

لقد كان الهدف الأساس لمجتمعات الثورات العربية من وراء عملية التواؤم مع تعدد وتنوع الكيانات السياسية والثقافية ، هو أن يقيم حالة من التجانس والاستقرار تساعده على التفاعل والتطور ، وقد نجح المجتمع التونسي في تحقيق ذلك الهدف بجدارة ، والمجتمع اليمني بشكل نسبي ، أما المجتمع المصري فقد نجح في البداية بشكل مبهر ، ولكنه ارتد على عقبيه بصورة مثيرة للجدل بعد الانقلاب العسكري في 3/7/2013م ، الذي دمر المسيرة الرائدة للمجتمع المصري نحو تحقيق حالة التواؤم مع تعدد وتنوع الكيانات السياسية والثقافية ، أما المجتمع الليبي فقد فشل في ذلك فشلاً ذريعاً .

ب : القوى الإسلامية هم من أبناء الوطن : الجماعات الإسلامية في كافة المجتمعات العربية وبصفة خاصة مجتمعات الثورات العربية ، هي جماعات نشأت وتطورت داخل تلك المجتمعات ، فهي من صلبها وصميمها وليست دخيلة عليها ، ومن ثم فلا يحق لكائن من كان أن يسلب من تلك الجماعات حقها في الوجود والتفاعل والتطور في نسيج تلك  المجتمعات .

وقد استوعبت الثورات العربية هذه الحقيقة فطرحت المبدأين السابقين المواطنة وعدم الإقصاء ، وشرعت مجتمعات الثورات العربية تكرس عملية التواؤم والتكيف مع التعدد والتنوع السياسي والثقافي ، حتى لا تنجرف تلك المجتمعات في دوامة الصراعات والنزاعات التي يمكن أن تخرّب المجتمع وتجهض الثورة .

ت : حق القوى الإسلامية في الممارسة السياسية : وإذا كانت الجماعات الإسلامية نابعة من صلب المجتمع مثل غيرها من الجماعات ، ولها الحق في الوجود والتفاعل والتطور في نسيج ذلك المجتمع وفق قواعده وضوابطه ، فلها الحق كذلك في الممارسة السياسية من خلال تبني أيديولوجيا خاصة على غرار الليبرالية والاشتراكية وما بينهما .

إننا في موضع يحتم علينا أن نتعامل مع الواقع ومعطياته بأمانة وعلمية ، لأننا إزاء وضعية وعلاقة بالغة التعقيد وشديدة الأهمية في ذات الوقت ، وهي علاقة الإسلام بما يحيط به من مجتمعات إنسانية ، وما يطرأ عليه من متغيرات .

فالإسلام توحد وتماهي بين الطرح الرشيد والحركة العاقلة ، مرجعيات الإسلام تحوي أصول وقواعد الشعيرة والشريعة في آن واحد ، فرائض وأحكام الأولى ، وقواعد وأصول الثانية ، أما الطروحات الإسلامية فهي بمثابة رؤية الإسلام ووجهته إزاء المتغيرات والمستجدات التي تتولد مع مرور الزمن .

وهذه الرؤية تتشكل من جماع المواءمة بين الأصول والقواعد المستنبطة من المرجعيات الإسلامية والمتغيرات ، وبين المتغيرات والمستجدات التي تفرزها الأيام ، كما تحمل هذه الرؤية النسق القيمي ، ومعيار تقييم المتغير والمستجد ، وكيفية التعامل معهما ، وهكذا يتخول الطرح الإسلامي كافة المتغيرات والمستجدات بالمتابعة ومن ثم تنشأ الأيديولوجيا ذات المرجعية الإسلامية ، وهذا هو ما ينبغي أن يكون عليه الإسلام كشرع ومنهج حياة لكل زمان ولكل مكان .

أليس من حق الجماعات الإسلامية أن تمارس السياسة وتتبنى أيديولوجيا ذات مرجعية إسلامية وفق قواعد وضوابط المجتمع مثل بقية الجماعات الأخرى ، هل يمكن لفرد أو جماعة في المجتمع أن تحظر على تلك الجماعات حقها في ممارسة السياسة ، وإذا حدث ذلك فماذا يكون التصرف ؟!

ثالثاً : صعود القوى الإسلامية :

لم تجد القوى الإسلامية صعوبة في إثبات وجودها والتدليل على أنها لم تكن مضطهدة ومحظورة إلا لخوف النظم التي حظرتها واضطهدتها من تفوقها وتميزها ومنافستها القوية ، وكأن الثورات العربية قد أقالت عثرتها ، ودفعت بها إلى سطح الأحداث والمجريات ، لتنطلق في مضمار الممارسة السياسية بكل ما أوتيت من وسائل التجذر والتغلغل في نسيج المجتمعات العربية ، والتاريخ النضالي الطويل والتأييد الشعبي بالإضافة إلى القدرة على التنظيم والحشد .

أ : التجذر في المجتمعات العربية : منذ منتصف العقد الثالث من القرن العشرين والجماعات الإسلامية تمد جذورها لتتغلغل وتنتشر في نسيج المجتمعات العربية كجماعات دعوية اقتربت من الناس ،  وخاطبت عقولهم بأسلوب بسيط ، في وقت كانت المؤسسات ذات السمة الرسمية التي تملك الخطاب الديني في حالة تخلف يرثى لها ، وقد وجدت تلك الجماعات نتائج ذلك التفاعل الاجتماعي بعد حين في شكل تعاطف معها ضد الاحتلال الأجنبي ، ثم ضد النظم الفاسدة المستبدة ، وأخيراً في الدفع بها إلى سدة الحكم .

ب : التاريخ النضالي : المواجهة بين الجماعات الإسلامية والاحتلال الأوروبي للوطن العربي لا تحتاج إلى إثبات ، وكذلك المواجهة بين تلك الجماعات ونظم الحكم التي توالت على الدول العربية حتى قيام الثورات العربية ، تلك النظم التي انتهجت الاستبداد وسرى في جسدها الفساد وبدورها نقلته إلى المجتمع .

لقد كانت الجماعات الإسلامية هي القوى الوحيدة التي تصدت للنظم السياسية الفاسدة المستبدة منذ أن تولى العرب أمر أنفسهم بعد الاحتلال الأوروبي لبلادهم ، وكانت دوماً في صف أبناء المجتمع ضد السلطة والاضطهاد والفساد .

ت : القدرة على التنظيم والحشد : كان من شأن ظروف الاضطهاد والظلم التي مرت بها الجماعات الإسلامية ، بالإضافة إلى إتقانها لعملية التنظيم السري بشقيها النظري والعملي التي فُرضت عليها ، أن تراكم رصيد تلك الجماعات من القدرة على التنظيم والحشد داخل مجتمع يتفق معها ، ويؤيدها بل ويواليها .

ث : التأييد الشعبي : كل ما تقدم استثمرته الجماعات الإسلامية لتجني ثماره عندما حصلت على شرعية ومشروعية وجودها ، وشرعت تمارس دورها في الحياة السياسية والتواصل والتفاعل الاجتماعي ، وتبدى النجاح السريع لتلك الجماعات والالتحام المباشر والعميق مع الناس في الدفع برموزها وقياداتها إلى مراكز متقدمة في الهيئات التشريعية والتنفيذية بعد نجاح الثورات العربية وسط ذهول من بقايا الأنظمة الهالكة والقوى السياسية غير الإسلامية بل وذهول القوى العالمية .

رابعاً : فشل القوى غير الإسلامية في الوصول إلى الحكم واستعانتها بالجيش :

بالفعل طرحت الثورات العربية مبارزة جادة وصارمة بين القوى السياسية في مجتمعاتها ، ففي مصر وتونس تشكل وضع القوى الإسلامية وفق ما أوضحناه ، وفي  المقابل برزت القوى غير الإسلامية هشة ركيكة فاشلة تريد السلطة والحكم بأي ثمن ، وكان لذلك تداعياته المدمرة للحياة السياسية بالكامل في مصر في حين أفلتت تونس من المؤامرة وتوقت شرا مستطيراً .

أ : هشاشة القوى غير الإسلامية وضعف تأثيرها : لم تكن القوى السياسية غير الإسلامية في أي وقت خلال حكم الأنظمة الفاسدة المستبدة على أي قدر من القوة والتأثير في الحياة السياسية وفي المجتمع ، بل كانت مادة للدعابة والسخرية والتسلية ، كما قال ذلك “مبارك” بنفسه ، فهي هياكل دون جوهر ، ولا شعبية لها ، ولا فهم لديها للحياة السياسية أو الممارسة السياسية ، ولا تملك استراتيجيات أو خططاً للنهوض بالبلاد ، ولم تلبث الثورات العربية أن أظهرت حقيقة تلك القوى على الملأ .

لقد ظهر على الساحة خيالات هزلية تمني نفسها بالمناصب والمراكز حول فريسة عجفاء ، إنها القوى السياسية والنخبة كما تسمي نفسها ، مجموعة من تجار ومحترفي السياسية ، ومرتزقة الفكر والرأي ، وصبيان النشاط السياسي ، يلهثون وراء من يُلقي إليهم بالفتات من الداخل كالجيش ومن الخارج كالقوى العالمية ، وراهنوا تحت وطأة الجهل والغباء السياسي على تبوء المناصب والمراكز من خلال تأييد الشعب ، ولكن تلك الأحلام راحت أدراج الرياح ، وعادوا لوضع التسلية ـ حسب “مبارك” ـ مرة أخرى ومعهم “خفي حنين” ، وقد دفعتهم هذه الهزائم إلى البحث عن مخرج ، فكان التآمر على وطن بأكمله ، وكان أن  أسلموه إلى دمار حال ومستقبل مظلم .

ب : فشل القوى غير الإسلامية ولجؤها للجيش : دفع الفشل السياسي الذريع للقوى السياسية غير الإسلامية إلى وضعها في حجمها الطبيعي أمام الشعب الذي لم يعد يثق فيها ولم يعد يعيرها أدني اهتمام ، ومن ثم شرعت في اقتناص الفرص السياسية من خلال وسائل غير شرعية وغير شعبية ، ولم يكن أمامها إلا التآمر مع أقوى القوى في المجتمع وهو الجيش .

إن لحظة التلاقي بين الجيش والقوى السياسية الفاشلة في الحالة المصرية هي أقصى حالات الشعور بالأثرة والأنانية لدى الطرفين ، والمفارقة الأولى هنا أن كلاً من الطرفين فكر في حيلة واحدة في لحظة التلاقي هذه ، وهي أن يستخدم الآخر لتحقيق أهدافه ومآربه ، والمفارقة الثانية أن المأرب كان واحداً ، وهو الاستئثار بالسلطة والحكم ، وتدمير الخصوم وإنهاء وجودهم ، أو استئصالهم بالكلية ، وقد كانت هذه هي فاجعة أحد مجتمعات الثورات العربية وهو المجتمع المصري !!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.