المهمة الحقيقية للجيوش العربية إرهاب وقتل المواطنين

3

في هذه المقالة نؤكد على أن الثورات العربية قد استدعت حقيقة مؤلمة من الصعب اخفاؤها ، تختص بالعلاقة المباشرة بين الجيوش والشعوب ، ولهذه العلاقة كما عاين وخابر الشعب العربي ولا يزال وجهان ، الوجه الأول أن الجيوش تتولى مهمة الإرهاب الرادع الذي يرعب الشعب حتى لا يفكر في الاعتراض والاحتجاج على النظام الحاكم ، الوجه الثاني أن الجيوش تنتقل من مهمة الإرهاب الرادع إلى مهمة القمع القاتل عندما تعبر الشعوب عن رأيها بالاعتراض أو الاحتجاج السلمي في مواجهة النظم السياسية الجانحة .

أولاً : الجيوش العربية والإرهاب الرادع :

عندما زادت النظم السياسية العربية فساداً وإخفاقاً ، زادت نقمتها على أبناء الشعب العربي ، توجساً لاعتراضهم وثورتهم ، وزاد في ذات الوقت تداخل تلك النظم مع الجيوش وتغليظ التحالف بينهما ، لاستخدامها كوسيلة إرهاب لردع الناس عن التفكير في الثورة على تلك الأنظمة الفاشلة الفاسدة .

وقد بدت مؤشرات ذلك في العقد الأول من الألفية الثالثة ، حيث انهار نظام “صدام حسين” في العراق ، وظهر تململ العديد من الشعوب العربية في مصر وسوريا والأردن والجزائر والسعودية والبحرين والكويت والسودان واليمن والمغرب وموريتانيا ، وشاعت ظاهرة المعارضة من الخارج لكافة الأنظمة المذكورة ويضاف إليها ليبيا وتونس ، وتحدثنا في النصف الثاني من العقد عن ثورة عربية قد بدت أشراطها ، وستشتعل فجأة وبأسباب غير محسوبة وغير منطقية ، وستنطلق من دول ليست في عداد المتململين !!

لم يخف هذا الهاجس الإرهاص على الأنظمة العربية ، فحدسها حاد ، وتوقعاتها ألمعية تجاه كل ما يقترب من وجودها ويهدد استمرارها ، وكانت التحركات الصارمة والمحمومة نحو تشديد إجراءات تأمين وتحصين النظم السياسية ولم تكن ثمة وسيلة إلا الاهتمام الشديد بالجيوش تسليحاً وتدريباً وولاءً .

ولا يخفى كذلك على أحد ، كيف تحيط هذه الأنظمة نفسها بحلقات جهنمية ، من المستشارين الاستراتيجيين ، والخبراء الأمنيين ، والأكاديميين ، والبحاثة ، من أبناء الوطن ، ومن العرب ، ومن العجم غرباً وشرقاً ، وقد أوصى هذا الحشد من الأدمغة بأن الجيوش هي صمام الأمان ، وحوّل مجلس الحرب هذا عقائد الجيوش إلى الداخل ، حيث أُعلنت الحرب على الشعوب ، لأنها العدو المحتمل الأول والأخطر على الأنظمة السياسية العربية .

وتوصل المخطط الاستراتيجي العربي بذكائه المتوقد المعهود إلى أن للجيوش في هذه الظروف العسيرة سلوكين متتابعين ومتلازمين ، إذا أخفق الأول ، شُرع مباشرة في الثاني حتى تتحقق مهمة الحفاظ على الأنظمة .

السلوك الأول هو سلوك إرهاب وإرعاب وتخويف ، ويُعرف بالسلوك الوقائي المبادر ، حيث يصيب أبناء الشعب بالرهبة والرعب والخوف ، من هيئة عناصر الجيش المفزعة ، ومن قوتهم الهائلة ، ومن تسليحهم المتقدم والمعقد ، ومن عنفهم المفرط ، ومن مهارتهم الخارقة في القتل ، ومن ولائهم الطاغي للنظام السياسي ، عندئذ لا مفر أمام المواطن البسيط إلا أن يكتم أنفاسه ، ويطارد أي تفكير في المعارضة أو الاحتجاج ، بل يستسلم لهوانه ويستمرئه ، ولا مانع أبداً من أن ينافق ويتزلف لينقذ حياته ومن يعول من دمار محقق .

السلوك الثاني هو سلوك قمع وقتل ، ويعرف بالسلوك العلاجي ، حيث يعاجل هذا السلوك من أفلت من تأثير السلوك الرادع ولم يرتدع ، ومضى ليلقى حتفه على يدي جيشه معارضاً ثائراً على الفساد والجور .

ومن ثم ، وكما خطط الاستراتيجيون العرب ، فالمواطن لن يفلت من الجيش العاتي ، فإما أن يدمره معنوياً ، وإما أن يدمره جسدياً .

ويتدرج برنامج تنفيذ السلوك الأول الوقائي المبادر عبر مجموعة من الأفعال ، نستعرضها على عجل فيما يلي :

أ : استعراضات القوة : تقوم الجيوش العربية باستعراض قوتها لإنفاذ السلوك الأول من خلال ثلاثة مظاهر هي :

المظهر الأول : المناورات المشتركة مع دول إقليمية وعالمية ولا تدري من العدو المستهدف من وراء هذه المناورات الضخمة والمكلفة ، وتُستعرض من خلالها قوة تسليح الجيش ومهارته القتالية وجاهزيته .

المظهر الثاني : المناورات الداخلية التي تجريها الجيوش داخلياً ، وتعرف بالمشاريع ، ومهمتها الأساسية استحضار الجاهزية ، وتُعرض جوانب منها للإرهاب والتخويف ، وهي موجهة أساساً وبصفة خاصة بعد ثورة الكرامة العربية إلى الداخل ، وتحديداً للتعاطي مع الثورات والانتفاضات ضد الأنظمة .

المظهر الثالث : العروض العسكرية في المناسبات العديدة ، ويبدو فيها جلياً استعراض القوة والتباهي والتلاحم بين قيادات الجيوش ورموز الأنظمة السياسية ، وكأنهم يتوعدون الناس بمصيرهم المحتوم إذا خرجوا على الأنظمة .

ب : التصريحات الصريحة والمضمرة : كثيرة هي تلك التصريحات التي يدلي به القادة العسكريون حول قوة الجيش واستعداده وجاهزيته للقاء الأعداء في الداخل والخارج ، وإذا كان الخارج ليس به أعداء ، فمن إذن أعداء الداخل !! أعداء الداخل بالطبع هم أعداء النظام ، وأعدء النظام هم أعداء الجيش ، لأن الجيش هو جيش النظام .

ولا يمكن أن تٌؤخذ هذه التصريحات على محمل الهزل أو ملء الفراغ ، فهي مقصودة ، وتحمل رسائل تحذيرية للمعارضين للنظام ، ليس من القوى السياسية بالتأكيد ، لأنه لا توجد قوى سياسية عربية بالقوة التي يستدعى مواجهتها الدفع بالجيش ، ولكن المقصود هم الناس عندما يثورون ثأراً لكرامتهم ، فهم أقوى وأصلب من أية قوة .

وقد قُدّر لنا الاطلاع على اجتماعات لقيادات عسكرية لجيوش عربية عديدة كان موضوعها الرئيس هو كيفية مواجهة الثورات والتعامل مع الحشود الثائرة ، ولقد نُظمت لعناصر الجيش دورات تدريبية في الداخل والخارج وبشكل مكثف لهذا الغرض ، بل لقد أصبح بعد ثورات الكرامة العربية من ثوابت الاستراتيجيات والتكتيكات الخاصة بالجيوش العربية مواجهة الثورات ، والتي اعتادت النظم السياسية والجيوش العربية زوراً وبهتاناً أن تسميها “الإرهاب” !!

لقد أصبحت الجيوش وبدون عناء في البحث والاستدلال أداة النظم العربية من أجل ردع الناس عن الثورة والمعارضة ، وذلك بإرهابهم وترويعهم .

ت : الواقع العملي : تأكد كل ما تقدم بعد هبوب الثورات العربية ، فأصبح من المعتاد وجود الجيش بآلياته في الشوارع  ، وفي المنشآت المدنية العامة والخاصة ، لإيهام الناس بأنه يحميهم ضد مجهول اسمه الإرهاب .

كما أصبح نهجاً لدى الجيوش التعدي على الثوار بأسلوب وحشي مدمر ، وتلفيق تهم الخيانة العظمى للتعدي على الجيش بالكلمة أو الفعل !!

وتواصل الجيوش العربية الممارسات الهمجية في مداهمة المنازل وسلب وسرقة مقتنياتها ، ومقار أعمال الناس ، والاعتقالات العشوائية ، واغتصاب الإناث في الشوارع والمركبات دون أدنى وازع من ضمير أو دين أو أخلاق أو مسئولية ، وليس ثمة قانون يسائل عناصر الجيش فهم حماة النظام .

ثم يأتي أسوأ وأبشع اساليب الردع التي تستخدمها الجيوش العربية وهي التعذيب داخل معسكرات الجيش وفي كل مراكز الاعتقال وفي أقسام الشرطة ، حيث ترتكب أشنع الجرائم ضد آدمية البشر ، وهذه الجرائم النكراء تعود بالذاكرة إلى جرائم النازية والفاسية ضد الإنسانية .

إن هدف كل ما تقدم هو كسر إرادة المواطن ، وتدمير معنوياته ، وردعه عن التفكير في الثورة على الأنظمة الفاشلة الفاسدة .

ثانياً : الجيوش العربية والقمع القاتل :

نتحول في هذه الجزئية إلى تحليل السلوك الثاني للجيوش العربية الذي أبرزته الثورات العربية ، وهنا تنتقل الجيوش من مهمة الإرهاب الرادع إلى مهمة القمع القاتل ، عندما تعبر الشعوب عن رأيها بالاعتراض أو الاحتجاج السلمي في مواجهة النظم السياسية الجائرة ، وهنا لم يعد يجدي الإرهاب والتخويف والردع ، وواصل الثوار اعتراضهم على الفساد ، فكان اللجؤ إلى القمع الذي غالباً ما ينتهي بالقتل ، وللجيوش العربية خبرتها في قتل بشكل جماعي مشين وتدمير ممتلكاتهم ، ثم أضيف إلى رصيد الخبرة قتل الثوار في ميادين التظاهر والاحتجاج والاعتصام .

أ : الخبرات والسوابق التاريخية : لا يمكن لأحد تابع الأحدث بالمعاينة أو الرواية أن ينسى مذابح الجيش السوري تحت قيادة “حافظ الأسد” في حلب ، ومذابح الجيش العراقي تحت قيادة “صدام حسين” في حلبجة وغيرها ، ومذابح “حسن البشير” في دارفور وغيرها ، ومذابح الجيش الجزائري ، ومذابح الجيش الليبي في أكثر من مكان من أرض ليبيا لأساتذة وطلبة الجامعات في بنغازي وغيرها .

ب : أحداث الثورات العربية : وعندما تفجرت الثورات العربية ، كانت الطامة الكبرى ، فمن الجيوش العربية من واصل زيادة رصيده من القتل في ليبيا وسوريا ، ومنها من احترف سريعاً القتل ، وتفنن فيه مثل الجيش المصري والجيش اليمني ، وبذا تكون كل الجيوش العربية قتلت الثوار في الثورات العربية فيما عدا الجيش التونسي .

لقد نبهت الثورات العربية الأذهان إلى الأدوار والوظائف والعقائد القتالية المتغيرة للجيوش العربية ، فينبغي الاهتمام الشديد بهذا التطور الخطير ومناقشته بجدية على مستوى العلماء والباحثين الثقة ، وعلى مستوى صناعة القرار ، ثم على مستوى أبناء الشعب العربي الذين كانوا ضحية التدمير المعنوي والتدمير الجسدي للجيوش .

قد يعجبك ايضا
3 تعليقات
  1. أ.د. بسيوني الخولي يقول

    بسبب هذا المقال تم إغلاق حسابي على فيسبوك ؟؟؟؟!!!!!! ولكن لن يمنعنا ذلك من مواصلة البحث عن الحقيقة وتقديمها ، إرضاءاً لله ، ووفاءً لمنهج البحث العلمي الذي عاهدنا الله على عدم الإخلال به ، واحتراماً وتقديراً لأبناء الشعب العربي المقهور ، والمساهمة في كتابة تاريخ هذه الأمة .

    1. ام يوسف يقول

      رحم الله شهيد الاسلام المجاهد سيد قطب
      ( نحسبه كذلك و الله حسيبه )
      وكانت هذه نظرته -رحمه الله- التي لم تخب بالجيوش العربية:
      إن هذه الجيوش العربية -المصرية بالدرجة الأولى- التي ترونها ليست للدفاع عن الإسلام والمسلمين، وإنما هي لقتلكم وقتل أطفالكم ونسائكم ولن تطلق طلقة واحدة على الكفار واليهود.

      نعم هذه هي المهمة الرئيسية لهذه الجيوش العربية !!!

  2. أ.د. بسيوني الخولي يقول

    “والحق أبلج لو يبغون رؤيته هيهات يبصر من في ناظريه عمى” هكذا قال الشاعر ، وهكذا يتبدى أمام أعيننا قول الخالق العظيم “.. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. ” الآية ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
    كنا نملك أهم وأقوى وأعظم حضارة على سطح الأرض ، تنتصب على جوهر نفيس ، وترتكن على نسق قيمي أخلاقي بديع ، وترتكز على ثلة مبادئ إنسانية سامقة ، نثرت زهورها المدنية اليانعة في كل مكان ، استظل بأمنها كافة أصحاب الديانات والملل والأعراق ، هكذا كانت حضارة الإسلام ، لماذا ؟ لأن من صنعوها كانوا عِظاماً !! مُلئت نفوسهم بالخير والحب والجمال والتقوى والإيمان ، فصدق فيهم قول ربهم “كنتم خير أمة أخرجت للناس” وفي المقابل لم يكن للآخر وجود ولا شأن ولا وزن .
    ومرت الأيام ودار الزمن دوراته ، وذهبت الحضارة مع صانعيها ، وحل محلها التفكك والانهيار والتدهور والاضمحلال والجهل والتخلف والاستبداد والفساد ، ولهذا التدهور أيضاً صانعوه ، نفوس ملأها الحقد والأثرة وحب السلطة والتسلط والتحكم والكذب والخداع ، وتصدق أية الله في هؤلاء ، غيّروا ما بأنفسهم فغيّر الله ما كانوا فيه ، فبدّل أمنهم خوفاً وعزهم ذلاً ، وغناهم فقراً ، وفي المقابل بدا الآخر قوياً عزيزاً محترماً يتبنى القيم ويدافع عنها ، ويطبق المبادئ ويدعو إليها ، هكذا أصبحت الولايات المتحدة وأوروبا ، إذا أردت الحرية فهذه بلاد الحرية والعدالة والمساواة ، لا إله إلا الله ، لقد تملك غير المسلمين قيم ومبادئ المسلمين ، وصنعوا حضارة مثل حضارة المسلمين التي كانت ، إنها سنة الله في الكون والخلق ، عندما يغير الناس ما بأنفسهم ـ مسلمون كانوا أو غير مسلمين ـ يغير الله ما بهم ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً !!
    إنني من هذا المنبر الحر في بلد الحرية أعرب عن رغبتي الصادقة القوية ، وأوجه هذه الرغبة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، إذا كان هذا المنبر يصل إليه أو يطلع عليه ، بما له من أهلية وولاية دستورية وقانونية أن يمنحنا الجنسية الأمريكية ، لكي نأمن المطاردات والعسف والجور التي كتمت أنفاسنا ودمرت حياتنا وستظل على صدورنا حتى نلفظ آخرها في وطن لم نعد نملك إزاءه إلا البكاء على أطلاله .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.