ثقافة “التلطيش” في زمن الحرب السورية.. “شر البلية ما يُضحك”

0

وعد الأحمد- (وطن-خاص)– المعاكسة أو “” عادة سلبية تطغى على مجتمعنا العربي مثل غيرها من العادات والممارسات السيئة، وتحتل المعاكسة أو ما يعرف بالتحرش اللفظي اليوم المرتبة الأولى في سلم الظواهر الاجتماعية النافرة لدرجة أنها أصبحت روتيناً يومياً بالنسبة لمرتادي الأسواق والأماكن العامة وأبواب مدارس الفتيات.

 

ورغم أن ظاهرة المعاكسات الشبابية في الشوارع تعد واحدة من الظواهر السلبية المرفوضة والمستهجنة في المجتمعات العربية، ومع هذا تتسع مساحتها سلباً ويكبر تأثيرها على النسيج الاجتماعي والأخلاقي، حتى أصبحت أشبه بصداع في رأس هذه المجتمعات وقد تفضي في بعض الأحيان إلى نتائج كارثية مفجعة، ليس أقلها القتل تبريراً لهذه الظاهرة السيئة، فكم من جريمة شهدتها المدن العربية بسبب عبارات معاكسة تلفظ بها شاب طائش أمام فتاة تسير مع والدها أو شقيقها فأدى ذلك إلى حدوث ما لا تُحمد عقباه.

 

ويعزو علماء النفس الاجتماعي ظاهرة “التلطيش” إلى قابلية الشباب للانحراف أو اعتماد بعض السلوكيات الخاطئة التي قد تغذي إحساسهم بالرجولة أكثر من غيرهم في حال غياب الضوابط الدينية والتربوية، إضافة إلى أن هؤلاء الأشخاص لا يمتلكون أساليب للتعبير عن مشاعرهم، وهم غير ناجحين في نسج علاقات صحيحة مع الجنس الآخر، ويجدون صعوبة في عملية التكيف رغم نضوجهم الجسدي والنظرة إليهم باعتبارهم كباراً، لذلك يلجأون إلى هذه الوسيلة لتعويض هذا النقص.

 

بالهمس واللمس

وإذا كانت عبارات المعاكسة تعتبر جزءاً من لغة شبابية عالمية غنية بمفرداتها المتنوعة فإنها في المجتمع الأردني مثلاً تأخذ شكلاً آخر ونكهة تختلف باختلاف نمط الحياة التي يعيشها “الملطشون” – إذا صحت التسمية – وإذا كان من المتعارف عليه أن تتم هذه “الهواية” عبر مفردات التحبب والتودد والألفاظ البريئة في بعض الأحيان فإنها في أحيان أخرى تخرج عن الآداب العامة وتخدش حياء الجنس اللطيف، وتصل في بعض الأحيان إلى ما يشبه التحرش الجسدي، والمغازلة التي كانت في الماضي تحتاج للكثير من الروّية والحذر والترتيب أصبحت اليوم أمراً سهلاً، فما على الشاب إلا أن يقتني جوالاً ذا كاميرا وبلوتوث ورقم هاتف مميز لبناء جسر عاطفي يبدأ “بالهمس واللمس واللفتات واللهفات” ولا ينتهي “بالصمت الرهيب” على مبدأ أغنية العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ، وفي حين تتقبل بعض الفتيات هذا الأمر ويعتبرنه وسيلة للبحث عن الحب وربما التسلية في عالم تزدحم فيه الحواجز وتُفرض فيه مختلف أنواع التابوهات والممنوعات تشعر فئةٌ أخرى بالضيق لما يتعرضن له بصورة مستمرة من أذية لفظية وغير لفظية من قبل الشباب وأصبح الأمرغير مقبول أدبياً وأخلاقياً إلى درجة أن الكثير من الفتيات أصبحن يخشين السير في الشارع، وأصبحت الفتاة منهن لا تأمن الذهاب إلى عملها أو جامعتها بمفردها مما يجعلها في حالة استنفار دائم لكلمة ستقال هنا أوهناك، وهذا لا يمنع من القول أن بعض معاكسات الشباب تلقى الشعور بالقبول والرضا أحياناً لدى الفتيات، والبعض منهن يرغبن في ذلك بل ويتعمدن لفت نظر الشبان إما عبر التبرج المفرط أو من خلال ارتداء الألبسة الضيقة التي تُظهر تفاصيل الجسد ومفاتنه، وحتى أن بعضهن يتعمدن الخروج إلى الأسواق والأندية والنزهات بقصد جذب الجنس الآخر إليهن. وهذه الفكرة- كما تقول لينا الحسن–35 عاماً-بائعة زهور- لا يمكن تعميمها، فليس جميع الفتيات يرضين أو يسعين إلى معاكسات الشباب، لكن الشاب بدوره لا يفرق، بل لا يعنيه ضيق إحداهن أو عدمه. فهو يرمي رقمه وينتظر وكأنه يلقي طعماً وينتظر من الفريسة أن تلتقطه.

 

التلطيش في زمن الحرب

لا يختلف الأمر في سوريا عنه في البلدان العربية الأخرى، وإن كانت الحرب قد حدت من هذه الظاهرة بسبب فقدان الأمن وعدم خروج الفتيات إلا عند الضرورة، وفي هذا السياق تداول ناشطون عبارات طريفة ارتبطت بالتلطيش تشير إلى أن ثقافة التلطيش وجنسه ومفرداته قد تغيّرت، ومن تلطيشات البنات التي باتت تحمل طابعاً فكاهياً ينسجم مع واقع الحال حيث “شر البلية ما يُضحك” –كما يُقال- ( دخيلو ياللي مأجل.. تاخذ رقمي ولا أنا سجل)( ريتو ما يبلى دفتر التجنيد طمني تأجيلك دراسي ولا وحيد) ( يا حلو حاكينا دخيلك لك تسلملي أنت وتأجيلك) (تقدملي وبعملك عرض خاص بيت وسيارة ومشط رصاص).

 

وعلّق أحدهم على التلطيشة الأخيرة بأن الفتيات اللواتي كنّ يُجبْنَ من يلطشهن قبل الحرب بكلمة “ورصاص” : (انبسطوا هلأ إن شاء الله عاجبكن الوضع) في إشارة إلى ظروف الحرب التي أصبح “الرصاص” فيها سيد الموقف.

 

ومن جانبه رأى الشيخ “عبد اللطيف البريجاوي” أن معاكسات الشوارع ظاهرة دخيلة على مجتمعنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا وتمثل خطراً على الأخلاق والفضيلة والشرع الإسلامي الذي جاء كما هو معروف ليحفظ الأصول الأربعة: النفس والمال والعرض والدين وما نراه من ظواهر التحرش بالفتيات بوسائل شتى ما هو إلا إساءة وتدمير لهذه الأصول وأفعال منكرة يجب الحد منها ومحاربتها لأنها تدخل في خانة أذية الناس والاعتداء على أصول الشرع الإسلامي ، قال تعالى: ( إن الذين يؤذون الله ورسوله، لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ) الآيتين 57 – 58 سورة الأحزاب ، كما تُعد هذه الظاهرة إشاعة للفاحشة وترويجاً لها وهو ما يورث العذاب في الدارين «الدنيا والآخرة» قال تعالى ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وانتم لا تعلمون) – الآية 19 سورة النور -.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.