الذين أدركهم الموت في زمن الإنقلاب؟!

0

غريبٌ ما صار إليه أمر “بعض” الشرفاء من مناهضيّ الإنقلاب في مصر، وبعض هنا كطريق او طرقات على أبواب التفاؤل لعلها تغنينا من واقع من آسف متردٍ، فبعد أن كان هُتاف الشرفاء في الأيام الأولى للإنقلاب: “يوم الجمعة العصرهنرجع مرسي القصر”، والجمعة المقصودة هي الجمعة الأولى عقب الإنقلاب مباشرة، إذ إنه من المعروف إن الإنقلاب على الرئيس محمد مرسي تم الثلاثاء 3 من يونيو 2013م، وكانت أول جمعة في رابعة شهدتُها مع الجموع، أسأل الله الأجر والثواب، يوم 6من يونيو وعقب الخطبة أمسك الدكتور صفوت حجازي، فك الله أسره، بالميكرفون في رابعة صائحاً بالكلمات الماضية ومشيراً ناحية “نادي الحرس الجمهوري” الذي لا يُبعد عن منصة رابعة سوى حوالي 200 متراً فقط، وكاتب هذه الكلمات نفسه ظل محتاراً مع زوجته وأحد أخص الأصدقاء وزوجته إذ يسيرون وسط الآلاف: ما المطلوب بالضبط؟ التظاهر أمام القصر الجمهوري حتى “يخرج” الرئيس؟ أم اقتحام القصر حتى يتركوه؟

اما زوجة صديقي فكان الاختيار الأول هو رأيها، وأصابها أحد الجنود بقنبلة غاز في كتفها كادت تخلعه لولا أن سلّم الله، ولم يخرج الرئيس، واستشهد أمام عيوننا 6 من خيرة شباب مصر عدا المصابين، ومن ذلك اليوم تدرجتْ شعارات الثوار الشرفاء بداية من “الإنقلاب يترنح”، تلك المقولة التي صارتْ مدعاة للألم اليوم لا للسخرية من مطلقيّها، وهلم جراً من “ابشروا” بتكرار الواو إلى ما لا نهاية، وحتى وفاة قائد الإنقلاب وحكم “شبيه” الذي يعمل “راقصاً مكانه!

وهلم جراً حتى ما لا نهاية من آسف، وما تزال تلك الترهات تتجدد وآخرها مقولة رددها من آسف قاضٍ فاضل من إنه “إذا صحتْ، هكذا، الأخبار القائلة بنقل الرئيس إلى سجن آخر، قيل مزرعة طرة، فإن المخابرات الحربية والعامة عبر لوائتها تفاوضونه على الرجوع إلى الحكم مقابل ترك القتلة كما حدث مع مانديلا في جنوب أفريقيا”.. هكذا دفعة واحدة .. إذا صحت الأخبار وبسرعة الضوء إلى مانديلا.. والكلام تمنيتُ لو صح ولكنه كله من آسف مجرد توهم، كما إن الرئيس سيعيده بعد يومين شرفاء من الجيش كما “شافيز”!

وبين هذا وذاك صار اهتمام مناهضيّ بمرور الوقت الحقيقي، أقصد الانتباه المرتبط بحقائق لا أوهام، صار انتباههم مرتبطاً بالموت، وهل حقيقة أكثر وضوحاً منه، وبدلاً من عادة مصرية عربية متألقة، وهي الاحتفاء بالأشخاص بعد موتهم وتكريمهم، اللهم إلا الذين رحم ربي، تم قلب الآية مع الإنقلاب، فصار الشرفاء يحتفلون بكل ميت من أحياء الإنقلابيين بالسب والتجريح وكيّل الإهانات له وهو في رحاب ربه، متناسين إن “طابور” المنتقلين إلى رحمة الله تعالى ما كان ليمتد بالإنقلابيين لولا طول زمن الإنقلاب نفسه، وهو امر لا يسر ولا يشير إلى نجاح الشرفاء ولا نجاح أمنياتهم بحال من الأحوال، ولكن مَنْ يفهم ومن يعي؟!

علماء دين من المفترض إنهم واعون من آسف يشتركون في هذه المهزلة ونصوص أحاديث شريفة تُستخدمُ في غير المواضع التي قالها فيها الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهي أحاديث صحيحة من مثل:”أنتم شهداء الله في أرضه”، وقد ورد الحديث عن سيدنا عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري، الحديث الذي علق الرسول، صلى الله عليه وسلم، على شهادة أصحابه لميت بالخير وآخر بالشر، والحديث محدود بصحابة رضوان الله عليهم كرام، وسحبه على آخرين اليوم أمر عظيم، حتى وإن قال به قائل من العلماء الأفاضل في عصر سابق، وفي نفس السياق تتم السخرية من حديث شريف، لكن ضعيف هذه المرة من مثل ما فعله كاتب كبير كان مديراً لتحرير إحدى كبريات الصحف الخاصة الموالية لنظام مبارك، ثم اتجه إلى معسكر الشرفاء بعد الإنقلاب، فعقب وفاة أحد مناصريّ الإنقلاب جعل عنوان المقال ” لا تذكروا محاسن موتاكم” وتعامل على ان الحديث صحيح وقال إنهم لا محاسن لهم وتبعه عشرات في التقليد على مواقع التواصل الاجتماعي ..

أما الحقيقة فإن أحد مسئولي الدنيا من الداخلية أو الخارجية لو أعلن تحفظه على واحد منا، بخاصة الجيش، لما استطعنا جميعاً إخراج جسده ولا روحه من محبسه، فما بالنا بمن ذهب إلى ملك الملوك الله تعالى؟ وصحيح الحديث يقول: عن السيدة عائشة رضي الله عنها”من مات فقد أفضى إلى ما قدم” رواه البخاري، او كما قال الرسول، صلى الله عليه وسلم، أي إنه قدم على عادل سبحانه وتعالى .. لن ينفعه مدح ولا ذم، ولما رأى صلى الله عليه وسلم “عكرمة بن أبي جهل” قادماً.. هاللاً بالإسلام قال الرسول العظيم لأصحابه الكرام: عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه” يأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلاَ تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ، وَلاَ يَبْلُغُ الْمَيِّتَ” المستدرك على الصحيحين، صلى الله وسلم على معلم البشرية الذوق، ماذا عن أبناء الخبير الاقتصادي المتوفى مؤخراً، والكاتب المتوفى قبله، والشاعر المتوفى قبلهما، والممثل أو الممثلة .. وهلم جراً؟ لماذا نوغر صدور هؤلاء وهناك نهي نبوي شريف عن ذلك، والبعض، وهو من أحسن الناس عقولاً  يقول: إذن فكيف نكتب التاريخ؟ وهل التجريح في الأشخاص ورد الصاع “صاعات”، حتى إن مستشاراً للرئيس مرسي يخاطب المُتوفى الأخير قائلاً:

ـ هل وجدت ما وعدك ربك حقاً فإنا سنجد ما وعدنا ربنا حقاً؟!

هل نصبت نفسك قاضياً يا أخي؟ .. وعلمت مصيره ومصيرك وأين الحديث القدسي؟: عن جندب بن عبد الله، رضي الله عنه” من ذا الذي يتأله علي ألا أغفر لعبدي غفرت له وأحبطت ذنبك؟!” صحيح مسلم .. والعياذ بالله وقد قاله الله في مثل هذا الموقف ..

يا سادة الطريق ليس من هنا .. برأي الإمام الغزالي .. الإنقلاب لن يسقط بالشماتة في الأموات.. ولا حول ولا قوة إلا بالله، كان الشاعر الراحل يكتب مقالات جمعها في كتاب تحت عنوان” الذين أدركتهم حرفة الأدب”، أيام كان الأدب يصلح حرفة، أو يتم التفاخر بها وبالأحياء فصرنا نهيل التراب على الحياة والأحياء ونتفرغ لسب الموتى! ولا يراعي البعض حتى حرمة الموت وإننا سائرون إلى ما صار إليه هؤلاء.. وليس منا او بيننا إلا حيٌّ لا تؤمن عليه الفتنة والعياذ بالله!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.