يجعل من المرأة سلعة ويحرمها من حق الإختيار: زواج البدل .. مقايضة اجتماعية خاسرة

0

وعد الأحمد-وطن
تعددت نُظم عبر التاريخ بتعدد أنماط العادات السائدة والقيم والاتجاهات السلوكية في المجتمعات الإنسانية ، وزواج المبادلة أو المقايضة أو “الشغار” ظاهرة على درجة لا بأس بها من الإنتشار في بعض الأرياف والبوادي والمدن على حد سواء، ويعني هذا النوع من الزواج أن يزوّج الرجل أخته أو ابنته أو من يكون هو ولي أمرها لرجل آخر على أن يزوجه الثاني ابنته أو أخته من دون صِداق يُدفع لكل منهما ، ولا يخفى ما لهذا الزواج من انعكاسات سلبية على المرأة لأنه يجعل منها سلعة تُدفع مقابل سلعة أخرى ويحرمها من حق الإختيار ومن حق الصداق، وأسوأ ما في هذا النوع من الزواج أنه إذا طلق أحد الزوجين زوجته يقوم باسترداد أخته أو ابنته من زوجها ولو كان الأخيران يعيشان في تآلف ووئام.
رابطة بين مجموعتين !
كانت الأطر التقليدية للاختيار في مجال الزواج في الكثير من المجتمعات العربية إلى عهد قريب هي السائدة، ويخضع هذا الاختيار لاعتبارات كثيرة ومنها اعتبار الزواج كرابطة بين مجموعتين وليس كرابطة بين فردين فقط، لذا شاع زواج المبادلة ليعبرعن هذه الرابطة ، ولكن تطور العادات الاجتماعية وانتشار التعليم وزيادة الوعي الاجتماعي عند الرجل والمرأة بأهمية البيئة الأسرية الخالية من النزاعات والصراعات ، وفي توفير أجواء نفسية ذات أثر إيجابي جعل هذا النمط من الزواج ينحسر، ولم يعد المجال والظروف الاجتماعية والثقافية يسمحان بفرض ما على الفتاة أو زوجة ما على الشاب بعد أن أصبح الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي لكليهما ميسوراً أكثر مما كان سابقاً في عهد العائلة الكبيرة المرتبطة بالأب والجد ، وتشير نتائج الأبحاث والمسوحات الديموغرافية التي أُجريت في سورية في السنوات الماضية من خلال تحليل الأرقام والبيانات إلى وجود تغيرات واضحة في توقيت وأنماط مستوى الزواج ويتضح بصفة عامة تراجع زواج المبادلة .
الظاهرة الاجتماعية تفرض نفسها
الباحثة الاجتماعية د. آمال عبد الرحيم تحدثت لـ ” وطن” عن ظاهرة زواج المبادلة قائلة : على الرغم من أن التفكير العلمي بالنسبة للظواهر الاجتماعية لا يرجع إلى عهد بعيد فإن المسائل التي تتعلق بحياة المجتمع ظلت تشغل عقول المفكرين منذ أزمنة بعيدة وذلك لأن أي مجتمع يعيش في بيئة خاصة ومناخ خاص وتتكيف طبيعة أفراده ومزاجهم حسب تلك البيئة ، فيجب أن يكون نظامه التشريعي والسياسي ملائماً لظروفه الخاصة ، وعلى رأي العالم الاجتماعي ” دوركهايم ” فإن الظاهرة الاجتماعية تفرض نفسها على الفرد سواء رغب أم لم يرغب ، ونحن نشعر بهذه الجبرية إذا لم يكن في سلوكنا ما يقاوم التيار الجمعي ، ولكنها تثبت وجودها عند أية محاولة للخروج على نظام المجتمع ، فإذا ما حاولتُ أن أخرج على قواعد القانون شعرت بقوة تصدني قبل أن أقوم بفعلتي، وإذا لم أتبع العُرف السائد والتقاليد المعترف بها في المجتمع الذي أعيش فيه فإنني أجر على نفسي الهُزء والسخرية وهما مظهران من جبرية الظواهر الاجتماعية .
وترى الباحثة آمال عبد الرحيم أن زواج المبادلة أو ” المقايضة ” كما يسمى في العامية هو عرف وتقليد في الزواج انتشر في المجتمعات البدوية والقروية منذ القديم ولا يزال هذا العُرف سائداً حتى وقتنا الحالي ولكن بنسب متفاوتة وقليلة وله أشكال عدة منها : رجلان يتبادلان بنتيهما كل منهما يزوج ابنته للآخر بدلاً من المهر المعتمد شرعاً .
1- رجل يبادل بابنته كأن يخطب الشاب فتاة من والدها فيقوم الوالد بدوره بطلب أخت الشاب زوجة له .
2- يتبادل شابان كل منهما يزوج أخته للآخر بدلاً من المهر أي يطلب أهل أحدهم فتاة فيقوم أهلها بطلب أخته لابنهم ، وكان مثل هذا الزواج يتم بين عائلتين مختلفتين أو قبيلتين مختلفتين أو بين العائلة الواحدة . ويقوم مثل هذا الزواج في عُرف ذلك المجتمع على أسس منها :
أ – يقوي روابط العائلتين أوالقبيلتين إذا كانا مختلفين، وروابط العائلة الواحد إذا كانا أقارب .
ب- يُعتبرحقاً مشروعاً لدى سلطة العائلة أو القبيلة وكثيراً ما يتم بين أبناء وبنات العم سواء رضي الطرفان أم لم يرض أحد ، لكون ابنة العم حقاً مشروعاً لابن العم ولو كان متزوجاً بأكثر من زوجة .
سلطة العائلة
لا يخفى على أحد ما لمثل هذا الزواج من منعكسات سلبية على الأفراد وعلى المجتمع – كما يقول الدكتورواستاذ علم النفس في جامعة دمشق عدنان مسلم – ومن هذه المنعكسات :
1- تعدد الزوجات وهذا ينافي تطور المجتمع وحضارته
2- ما يجره من وباء وويل على الأطفال إذا اختلفت العائلتان أو القبيلتان
( المتناسبتان ) مما يسبب الطلاق لكلا المرأتين مما يشرد الأطفال ويكون سبباً في ضياعهم وفقدانهم الانتماء الأسري.
3- الزواج غير المتكافىء بالنسبة لزواج البنات كل واحدة بوالد الأخرى.
4- كثيراً ما يتم الزواج خارج إرادة المتزوجين واختيارهم ومع ذلك كان هذا الزواج يعتبر حقاً وواجباً سواء رضي الطرفان أم لم يرضيا ، فسلطة العائلة أو القبيلة هي التي تستند عليها هذه العادات باعتقاد الأفراد لوجود قواعد لها قدسية سحرية معينة تعرض المخالف لها لعقاب النبذ من قبل العائلة أو القبيلة ، وعلى الرغم من مخاطر هذه الظاهرة التي تجر الويلات في حال خلاف كلا الفريقين لا يستطيع أحد أن يرفضها، ويوضح د. مسلّم أن “التطور الحديث وارتقاء الحياة الاجتماعية وتكاملها قضى على كثير من هذه الروابط المحلية وقلل من شأن العصبية العائلية أو القبلية التي كانت من أهم سمات المجتمعات المحلية” ، ويرجع إلى هذا التطور-كما يقول الفضل الأكبر في الانتقال بالأفراد من حياة محلية ضيقة إلى حياة اجتماعية عامة وبالتالي دفع العلاقات من الحالة الطبيعية والجماعية إلى الحالة الصناعية الاختيارية وهذه ثمرة من ثمرات العقل والتفكير وروح التحليل والنقد بعيداً عن الانفعالات والمشاعر الشعبية الدارجة .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.