في النظم العربية المستبدة الفاسدة يتم الخلط بين مؤسسات الدولة ومؤسسات النظام السياسي

0

من أمارات التخلف المزمنة في الدول العربية ونظمها السياسية ، حالة الخلط بين مؤسسات الدولة كشخصية اعتبارية كاملة الأهلية ، وبين مؤسسات النظام السياسي بوصفه آلية لإدارة الدولة وتصريف شئون المواطنين وقضاء حوائجهم وتحديد حصصهم من الموارد .

وقد أبرزت الثورات العربية هذا الخلط المسيئ ، فور قيامها ، ثم بعد نجاحها في تقويض النظم التالفة ، ثم وهي بصدد تأسيس أنظمة سياسية جديدة ، وفي مراحله الثلاث أفرز ذلك الخلط تناقضات ونقائص جلّت حقيقة الدولة العربية في النظر والعمل .

أولاً : مؤسسات الدولة :

للدولة مؤسساتها التي تتبعها كشخصية اعتبارية ، وقد تدار بعضها أو كلها بتصرف أو بإشراف من النظام السياسي ، ولكن لما يحقق أهداف الدولة ، وليس لما يحقق أهداف النظام السياسي ، وتحدد النظرية السياسية مؤسسات الدولة على النحو التالي :

أ : الجيش : الجيش هو مؤسسة دولة بجدارة ، ويبدو ذلك في تكوينه ، إذ أن كل أبناء الوطن لا بد من أن ينخرطوا في الجندية ، فالدفاع عن الوطن وحمايته مهمة موزعة على كل أبنائه ، فهي فرض عين وليست فرض كفاية إلا في أضيق الحدود ، ويعكس الجيش قيمة المساواة في المجتمع .

وكذلك يبدو الجيش كمؤسسة دولة من خلال مهامه الموزعة بشكل متوازن على كل حدود وثغور الدولة ، واستعداده للدفاع عن هذه الثغور دون تفرقة في أي وقت من الأوقات ، وذلك يبرز مرة أخرى أن من أهم سمات مؤسسات الدولة أنها تقوم على قيمة المساواة بين أبناء الوطن ، وبالذات في الأعباء والتبعات .

ومما يميز الجيش كذلك وعلى الإطلاق كمؤسسة من مؤسسات الدولة هو حياديته وبعده عن الحياة السياسة وممارسة السياسة ، فالشأن السياسي والشأن العام ليس من اختصاص الجيش ، كما أنه لا ينبغي أن يكون للجيش انتماء سياسي ، أو أن يتداخل مع النظام السياسي في مهامه ، لأنالجيش ملك الناس ، وليس ملك النظام السياسي بتوجهاته الخاصة وطموحاته الذاتية .

وأخيراً يتأكد كون الجيش هو إحدى مؤسسات الدولة من خلال ولائه لها ، لأنها الوجه السياسي والقانوني للوطن، والمعبر عن كافة ألوان طيف المجتمع ، ويتفرع عن ذلك أن الجيش هو إحدى إدارات السلطة التفيذية ، فهو وزارة من وزارات الدولة ، وبالرغم من ذلك يبقى الجيش ذا خصوصية في تكوينه وتشكيله وأسراره وأسلوب حركته .

ب : القضاء : عندما يتحدث البعض عن استقلال القضاء يحلو لهم أن يتطرقوا إلى قواعد العلاقة بين مؤسسات النظام السياسي وهي قاعدة الفصل بين السلطات ، وثمة فهم خاطئ لهذه القاعدة ، فهذا البعض يرى أن الفصل بين السلطات يعني قيام كل سلطة بعملها بمعزل عن السلطات الأخرى ، وهذا ظن ووهم غير ممكن وغير منطقي في إطار حركة وتفاعلات النظام السياسي ، وفي سياق حركة وتفاعلات العلاقة بين النظام السياسي والدولة ، كما أنه من الناحية العملية لا يمكن أن يحدث ذلك ، فكيف للتشريع أن يكون بمعزل عن التنفيذ ، وكيف للإثنين أن يكونا بمعزل عن القضاء .

أما حقيقة قاعدة الفصل بين السلطات ، هي أن الفصل بين السلطات هو فصل وظيفي فقط ، أي لا يُسمح لسلطة أن تقوم بوظيفة سلطة أخرى ، فلا يقوم القضاء بسلطة التشريع ولا يؤثر على المشرع ، ولا يقوم التشريع بسلطة القضاء ولا يؤثر على القاضي ، كما لا يقوم القضاء بسلطة التنفيذ ولا يؤثر على المنفذ ، ولا يقوم المنفذ بسلطة القضاء ولا يؤثر على القاضي ، وأخيراً لا يقوم التشريع بسلطة التنفيذ ولا يؤثر على المنفذ ، ولا يقوم التنفيذ بسلطة التشريع ولا يؤثر على المشرع .

يكمل ما تقدم أن هذا الفصل الوظيفي بين السلطات ، لا يتنافى ولا يتعارض مع الوظيفة الرقابية للتشريع على التنفيذ ، ولا يتنافى ولا يتعارض مع الرقابة القضائية لدستورية القوانين ولأخطاء التنفيذ .

بعد هذا التوضيح نعرض للمؤسسة الثانية من مؤسسات الدولة وهي القضاء ، الذي ينبغي أن يتمتع بالاستقلالية الكاملة عن النظام السياسي ومؤسساته من ناحية ، وعن المؤسسات الأخرى للدولة من ناحية أخرى ، واستقلال مؤسسة القضاء له ثلاثة أوجه متلازمة :

الوجه الأول لاستقلال القضاء ، هو أن تكون مؤسسة القضاء مستقلة ، أي لا تتدخل في شئون المؤسسات الأخرى إلا بالقدر الذي يحدده الدستور ، بوصفها جهة ذات مهمة رقابية .

الوجه الثاني لاستقلال القضاء ، هو أن لا تتدخل مؤسسة القضاء في الشأن السياسي ، إلا بالقدر الذي يحدده الدستور ، وبما تستوجبه الوظيفة الرقابية .

الوجه الثالث لاستقلال القضاء ، هو أن لا تتدخل أية مؤسسة من مؤسسات الدولة أو من مؤسسات النظام السياسي في مؤسسة القضاء ، إلا في المسائل البيروقراطية .

ت : الأمن : مؤسسة الأمن مثل الجيش والقضاء من مؤسسات الدولة ، وتؤدي مهمة وطنية عامة وفق سياسات وخطط ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتغير أو تبدل النظم السياسية ، ولكن قد تتغير التكتيكات ، ووظيفة الأمن من الناحيةالإدارية تتبعإحدى وزارات الدولة ، ويديرها النظام السياسي ويضع سياسات وخطط عملها ويشرف عليها ، ليس لمصلحته ولكن لمصلحة المجتمع الذي يتلقى الخدمة الأمنية بشكل مباشر .

ث : السياسة الخارجية : السياسة الخارجية هي آلية أداء الوظيفة الاتصالية للدولة ، ومن ثم فهي مؤسسة دولة بشكل أصيل ، وتشبه إلى حد بعيد المؤسسة الأمنية ، فهي لا تتأثر كثيراً بتغير أو تبدل النظام السياسي ، لأنها تعمل وفق ثوابت استراتيجية ومتغيرات تكتيكية ، وعلاقتها بالنظام السياسي هي الإشراف والتوجيه ، وتبقى السياسة الخارجية واجهة الدولة وآلية تحقيق اهدافها في المجتمع الدولي .

ج : الإعلام : الإعلام من الناحية الموضوعية هو إحدى مؤسسات الدولة ويتولى مهمة في غاية الأهمية أساسها نشر الحقائق ، ويخاطب الشعب ، ويخدم المجتمع ، ولا يقع تحت تأثير النظام السياسي .

وقد نستثمر بعض الوقت للحديث عن قضية جدلية ، أراد البعض الإحسان فيها وإليها فأساء ، وتتعلق هذه القضية بأهم ما ينبغي أن يعلمه كل من يمت بصلة للإعلام ، وهي ماهية وكنه الإعلام ، بوصفه مؤسسة من مؤسسات الدولة ، ونقتضب هذه الرؤية في المرتكزات التالية :

(1) كنه الإعلام ، وماهية وسيلة توصيله ، الإعلام هو رسالة تحمل موقفاً فكرياً ، أو توجهاً ، أو رؤية ، أو قناعة ، أو حقيقة ، أو معتقداً ، موجهة نحو مخاطب مقصود بالضرورة ، من أجل إخباره ، واقناعه بمنطق الرسالة ، للحصول على تأييده ، أو تعاطفه ،  أو إثارته واستفزازه ، أما وسيلة الإعلام ، فهي  الوسائط ، التي تتولى نقل الرسالة المشار إليها ، وهذه الوسائط قد تكون مقروءة ، أو مسموعة ، أو مسموعة مرئية ، وقد تكون عبر اللقاء المباشر ، أو من خلال وسائط لاستحالة اللقاء المباشر .

(2) الإعلام هو الإخبار برؤية ووجهة ورأي ، ثم شرح وتفسير ذلك من أجل الإقناع ، ثم الاقتناع فالاعتناق فالاعتقاد ، وتعرف هذه العملية المتسلسلة المتراكبة بـ”الدعوة” ، ولا وجل ولا حياء أبداً في هذا الشق الأصيل من الإعلام .

إلا أن ما يُعاب على هذا الشق من الإعلام ويؤخذ عليه ، هو أنه قد يزيّف أو يزيّن أو يغالي في شرح وتفسير رؤيته ، ثم ما يُحظر عليه ، ويسيئ إليه ، بل ويجرّمه ، هو أن يفرض منطقه بوسائل الإكراه المعنوي والعضوي .

ومن ثم لا يكون مدعاة للانزعاج والاستعداء أن نرى ، أو نسمع ، أو نسمع ونرى ، أو نلتقي ، بمن يشرح لنا رأيه أو رؤيته في أي شأن من شئون الحياة ، ويدعونا لاعتناق رؤيته دون ضغط أو إكراه ، حيث يترك أمامنا الفرصة للتأمل والتدبر والاختيار ، فإذا أعرضنا لا ينقم علينا ولا يجهل ، بل يدعنا وشأننا ، وربما يخاطبنا مرة أخرى ، وإذا توافقنا معه فبها ونعم .

(3) الإعلام هو الإخبار عن حقيقة ويقين الأشياء والأمور ، وهنا لسنا أمام إخبار برؤية أو وجهة تستلزم التحيز المبدئي ، إذ أن الداعي لرؤية لا بد أن يكون متحيزاً لها ، ولكننا أمام واقع يحتاج إلى تحري الدقة الشديدة في نقله والإخبار عنه ، فلا ينبغي التغاضي عنه كلية ، لأن في ذلك إنكار لواقع ، وهذا كذب وتزييف ، ولا ينبغي إخفاء بعضه ، لأن في ذلك أيضاً تدليس وكذب ، ولا ينبغي تشويهه كله أو بعضه ، لأن في ذلك تعدي على الواقع بالتغيير والتبديل ، ولا ينبغي الزيادة عليه أو الإضافة إليه ، لأن في ذلك أيضاً تغيير وتبديل لواقع قائم.

(4) الإعلام هو الحوار بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن ، ومن الإعلام كذلك أن تتحاور أطرافه ، فيعرض كل لرأيه ويدلو بدلوه في قضية ما ، ولا مشاحة في أن يجتهد كل ذي رؤية في طرح ما لديه وإقناع الآخرين برؤيته عبر حجة قوية ومنطق قويم ، ومن شأن هذا الإعلام أن يثري هذه القضايا الخلافية ، ويخبر الناس بأوجهها وأبعادها ، فتزداد معارفهم وتتعمق وتتسع مداركهم ، وسوف ينتهي الأمر بالمتحاورين والمتابعين إلى التوصل إلى أصل الأشياء وما خفي منها ، فتتوثق الأحكام ، وتتأصل الخيارات ، عبر أمانة وصدقية المتحاور الذي أصبح ، عرف أم لم يعرف ، مصدراً لشق من الحقيقة قل أو كثر .

(5) الإعلام هو بث القيمة والفضيلة وجب المنكر والرذيلة ، ومن الإعلام أخيراً ما يبتكره أصحاب الرؤى والبصائر من رسائل شتى لنشر العظة والعبرة ، والدعوة إلى القيم والفضائل ، والزجر عن المنكرات والرذائل .

ح : استقلالية مؤسسات الدولة : إن على مؤسسات الدولة بالوصف الذي قدمنا أن تحافظ على استقلاليتها ، ولا يخضع بعضها للبعض الآخر ، وتقيم العلاقات فيما بينها على نحو ما يحدده الدستور ، وتستمد مشروعية حركتها من الدولة ، وتوجه اهتمامها وخطابها وخدماتها إلى الشعب والمجتمع بشكل مباشر ، إذ أن هدف الدولة ومؤسساتها هما الشعب والمجتمع ، وهذا هو أصل مؤسسات الدولة حسب النظرية السياسية .

إذا حافظت مؤسسات الدولة على وضعها المستقل كما أوضحنا ، فلن تتحول إلى مؤسسات خاصة بالنظام السياسي ، ولكن عليها في ذات الوقت أن تحافظ على علاقتها الأصولية بالنظام السياسي .

يضاف إلى ما تقدم أن تنأى مؤسسات الدولة بنفسها عن أن تمارس دوراً سياسياً ، لأنها ليست مؤهلة لذلك ، وليس لها أهداف أو أدوار سياسية ، وبالتالي فهي ستتعدى على مؤسسات أخرى ، وستختلق أدواراً وأهدافاً لا وجود لها ، ما يفضي إلى إرباك الحياة والممارسة السياسية ، وما يخرج تلك المؤسسات عن وظائفها الأساسية ، ومن شأن هذا أن يساعد على الإهمال والتقاعس ونشر الفساد .

ثانياً : مؤسسات النظام السياسي :

إن علاقة الدولة بالنظام السياسي هي علاقة دقيقة للغاية ، وتعد سمة الحفاظ على هذه العلاقة من قبل طرفيها الدولة والنظام السياسي ، من علامات التقدم السياسي للمجتمعات البشرية ، ومن أمارات نضج الدولة والنظام السياسي ، فالنظام السياسي الناضج يدرك وظيفته بدقة ويحافظ على علاقته بالدولة ، ويعي مؤسساته ولا يدعها تتداخل مع مؤسسات الدولة ، وتفصيل ذلك فيما يلي :

أ : وظيفة النظام السياسي وعلاقته بالدولة : إن أول آداب الحوار بين النظام السياسي والدولة في المجتمعات الإنسانية المتقدمة ، هو أنه لا يجوز للنظام السياسي أن يصطدم بالدولة عن قصد وعن غير قصد ، ففي ذلك الصدام إهدار لهيبة كل منهما في مواجهة الدول الأخرى وفي مواجهة المواطنين ، وإبرازهما في صورة متخلفة ، ناهيك عن تبدد وظائف ومسئوليات وصلاحيات كل منهما ، ما ينتج عنه حالة من اللبس والغموض الذي يشيع الفساد.

كذلك تتطلب آداب الحوار بين النظام السياسي والدولة ، أن يخضع النظام للدولة ، فهي حاضنته ، وتجسد خلفيته القانونية والشكلية ، والخضوع هنا يعني احترام العلاقة التي أشرنا إليها بين الطرفين ، بكل مفرداتها من وظائف وصلاحيات ومسئوليات .

ويعاب على النظام السياسي أن يسلب من الدولة مؤسساتها أو بعضها ، أو يسيطر عليها أو على بعضها ، أو أن يوظف تلك المؤسسات لمصلحته ، من أجل الاستمرار في الحكم أو من أجل الكيد لمنافسيه وهزيمتهم .

إن الوظيفة الأصولية للنظام السياسي تتبلور في الحفاظ على مؤسسات الدولة ، وتأكيد هيبتها واحترامها وتصحيح العلاقة بينها وبين مواطنيها ، ومن ضمن وظائف النظام السياسي كذلك السعي نحو تحقيق أهداف الدولة .

أخيراًنود أن نلفت الانتباه إلى أن ثمة فارقاًشاسعاً بين أن يدير النظام السياسي مؤسسات الدولة ، ويشرف عليها ، ويراقب قيامها بمهمتها ، وبين أن يتملكها ويستحوز عليها ويستثمرها لخدمة مصالحومآربرموزه .

ب : هيئة التشريع : لعل أهم مؤسسات النظام السياسي هو هيئة التشريع ، التي تنصرف مهمتها إلى التشريع والرقابة على التنفيذ ، ونفهم من هذه المهمة المزدوجة أن الشق الأول وهو التشريع وظيفة ذاتية خالصة وبالرغم من ذلك فهي على علاقة بالقضاء الذي يراقب دستورية التشريعات ، أما الشق الثاني وهو الرقابة على التنفيذ فهي وظيفة ممتدة داخل هيئة أخرى .

وتعتبر هذه الهيئة تابعة للنظام السياسي لأنها تتغير بتغيره ، كما أنها هيئة إدارة للدولة من خلال التشريع ورقابة التنفيذ .

ت : هيئة التنفيذ : كذلك تعتبر هيئة التنفيذ إحدى مؤسسات النظام السياسي ، وهي هيئة فعل وعمل ، وتتولى إدارة الدولة بشكل مباشر ، وهي أكثر المؤسسات سواء الخاصة بالدولة أو بالنظام السياسي جهداً وعطاءً ، وهي في ذات الوقت محط الأنظار والمراجعة والمساءلة من التشريع وكذا من القضاء .

وقد يكون التنفيذ بوصفه الجناح الثاني للنظام السياسي متغلغلاً في كل مؤسسات ودوائر الدولة ولو من الناحية الإدارية فقط ، فمثلاً مؤسسات الدولة التي ذكرناها سلفاً وعددناها في الجيش والقضاء والأمن والخارجية والإعلام هي من الناحية الإدارية الخالصة تابعة لهيئة التنفيذ .

ث : مؤسسات غير رسمية : باستثناء هيئتي التشريع والتنفيذ اللتين تعتبران مؤسسات النظام السياسي الرسمية ثمة كيانات ومؤسسات أخرى غير رسمية تابعة للنظام السياسي ، ولها دورها المهم في تفعيل وإنضاج ذلك النظام وإبرازه في صورة متقدمة ، في حين أن غيابها يعني أن النظام السياسي هو نظام متخلف وغير فعال ، وهذا هو واقع كافة الأنظمة العربية قبل ثورة الكرامة العربية ، ونذكر مؤسسات النظام السياسي غير الرسمية فيما يلي :

(1) الأحزاب : الحزب هو تنظيم معترف به، ينتمي إليه من يعتنق فكرة معينة ، ويسعى للوصول إلى السلطة ، أو المشاركة في الحكم ، أو التعبير عن رؤية سياسية وأيديولوجية معينة ، تتجلى في برنامج يستهدف الارتقاء بالواقع في اتجاه المرغوب فيه من قبل أفراد المجتمع .

(2) جماعات المصالح : تنشأ في أي مجتمع إنساني جماعات أو مؤسسات تلتقي حول مصلحة معينة ، وتستهدف تحقيق مكاسب للجماعة ، وتسعى لدى الحاكم من أجل تحقيق تلك المكاسب ، ومعنى ما تقدم أن جماعات المصالح تسعى نحو تحقيق أهداف مادية خالصة لأعضائها ، وقد يكون ذلك هو هدف وجودها ، وهناك من هذا القبيل النقابات المهنية والاتحادات العمالية والحرفية وتجمعات الشركات والمصانع التي تتخصص في إنتاج سلعة ومنتجات معينة .

(3) جماعات الضغط : على غرار جماعات أو مؤسسات المصالح تنشأ في المجتمع جماعات أو مؤسسات أخرى ، تتمثل أهميتها في حمل الحاكم على التمسك بموقفه أو تغييره في اتجاه معين لتحقيق أهداف بذاته ، وتستخدم تلك المؤسسات والجماعات وسائل عديدة لتحقيق أهدافها .

والبادي من التعريف المتقدم أن جماعات أو مؤسسات الضغط تفترق عن جماعات أو مؤسسات المصالح في أن الأولى تستهدف تحقيق أهداف لا يغلب عليها أو لا يبدو فيها الطابع الاقتصادي المادي ، وذلك على عكس الثانية التي يتسم هدفها الاقتصادي المادي بالوضوح وكأنه أساس وجودها .

يضاف إلى ما تقدم أن جماعات أو مؤسسات الضغط عادة ما يتسم هدفها وكذا مسعاها بسمة العمومية ، وتبدو قوة فاعلة لتحقيق أهداف المجتمع بالكامل ، دون السعي نحو مصالح ومآرب تتسم بالخصوصية أو الفئوية ، وعليه فاهتمامها يتجه نحو أمهات القضايا والشؤون العامة التي تخص تفاعلات المجتمع في شموله وعمومه ، شموله كأفراد وجماعات وعمومه كنواحي ومناشط للحياة .

(4) مؤسسات المجتمع المدني : مؤسسات المجتمع المدني هي مؤسسات إنسانية طبيعية ، إنسانية لأنها تعتمد على العلاقات الإنسانية الصرفة ، التي تتجرد من أية انتماءات قومية أو عرقية أو دينية أو طائفية أو سياسية أو اقتصادية ، وهي مؤسسات طبيعية لأنها مجردة من أية ارتباطات ذات طبيعة سلطوية ، وتتم بشكل تلقائي غير مفروض .

فهي ذات طبيعة اختيارية طوعية ، ينضوي الإنسان في إطارها ، وينخرط في نشاطها برغبته ودون جبر أو قسر ، وكذلك تسعى مؤسسات المجتمع المدني نحو تحقيق أهداف أعضائها بشكل محدد والدفاع عن أفراد المجتمع ضد تجاوزات سلطة الدولة وجموحها .

وتحتاج مؤسسات المجتمع المدني إلى إطار قانوني ونظام أساسي ، يحدد طريقة تشكيلها ، وهيكلها التنظيمي وشروط العضوية فيها ، وطريقة ممارساتها لنشاطها ، وهي لذلك لابد أن تُعتمد لدى الدولة ، وتعترف بها ، ويتولى أمرها والإشراف عليها إحدى الوزارات ذات العلاقة ، ومن ثم فهذه المؤسسات لابد من إشهارها رسمياً ، وهذا الإشهار بمثابة الاعتراف الرسمي بها ، حتى يتسنى لها ممارسة نشاطها ، وتعتبر هذه العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني والسلطة الرسمية ذات دلالة ، فهي مؤشر على أن السلطة الرسمية في نهاية المطاف تتحكم في وجود ونشاط هذه المؤسسات ، حيث أن السلطة الرسمية التي تملك الموافقة على هذه المؤسسات والاعتراف بها ، تملك كذلك سحب هذه الموافقة وإلغاء الاعتراف .

ثالثاً : مثالب الخلط بين مؤسسات الدولة ومؤسسات النظام السياسي في العالم العربي :

ما قدّمنا من تأصيل يجلّي ما نبتغي الوصول إليه ، وهو أن العالم العربي كان يعاني منذ استقلاله عن أوروبا ولا يزال من جهل فكري مطبق وتشوه تجريبي مدمر للدولة العربية والنظام السياسي العربي ، فقد تعامل الفكر والوعي العربي مع النظام السياسي على أنه الدولة ، ومن ثم تلاشت أوتقزمت الدولة في العقل العربي ، كما قدمت التجارب الواقعية نظماً سياسية متوحشة ابتلعت الدولة أو كادت .

وكان من شأن هذا الخلل أن يدعونا إلى افتراض وجود نموذج عربي للدولة وللنظام السياسي وللعلاقة بينهما ، وهو نموذج شاذ ومشين ، يقدم نظاماً سياسياً يملك دولة وليس العكس .

وقد انعكس ذلك بشكل أكيد على كافة الحقول المعرفية المرتبطة بالظاهرة السياسية إجمالاً وبالدولة وبالنظام السياسي كمفردتين داخل تلك الظاهرة ، فقد غاب أي تأصيل للظاهرة السياسية في العالم العربي أو برؤية عربية خالصة ، كما تم التعاطي مع النظام السياسي على أنه الدولة ، وقد فرض ذلك الواقع التجريبي فرضاً ، فعندما نقول النظام المصري مثلاً فهذا يعني ذهنياً وتجريبياً الدولة المصرية ، وهكذا عانت وكابدت الحقول المعرفية المرتبطة بالظاهرة السياسية مثل القانون العام والقانون الدستوري والإدارة العامة .

لقد كان التغييب المتعمد للدولة وتغوّل النظام السياسي عليها لدرجة افتراسها ، وراء تغلغل وتجذّر عناصر النظم السياسية من الفاسدين والجهلة في ثنايا وتضاعيف الدولة بنموذجها العربي القميئ ، وكان لذك الوضع السيئ إفرازان خطيران ومتعارضان :

الإفراز الأول : أن هذه العبثية والسبهللة الممنهجة في تأطير وتحديد العلاقة بين الدولة والنظام السياسي كانت بمثابة الدافع الأساس لانتشار الفساد وتفشيه بشكل جعله أهم منبهات ومثيرات ثورة الكرامة العربية ، لأنه امتد ليطال فكر وسلوك الإنسان العربي ، فلم نعد نتلقى إلا طرحاً غثاً خاوياً ، ولم نعد نعايش إلا سلوكات شاذة بئيسة اجتاحت كافة جوانب المجتمع العربي .

الإفراز الثاني : وهو إفراز مضاد للإفراز الأول ، فعناصر النظم السياسية من الفاسدين والجهلة ، الذين تغلغلوا وتجذّروا في ثنايا وتضاعيف الدولة العربية ، وكانوا بفسادهم أحد أهم دواعي وأسباب الثورات العربية ، هم أنفسهم الذين ناهضوا وعارضوا ، بل وكانوا من أهم مضادات تلك الثورات بعد قيامها ونجاحها في اجتثاث الرموز البارزة في الأنظمة السياسية .

إن عملية الخلط والتداخل بين مؤسسات الدولة ومؤسسات النظام السياسي وبين وظائف وأهداف كل منهما وبين حدود حركة وتفاعلات كل منهما ستظل عقبة كأداء في سبيل تجديد وتعصير الدولة العربية ، ومراجعة أركانها التي سبق وأشرنا إليها في أكثر من موضع ، وإخضاعها لقواعد النظرية السياسية والفقه السياسي ، وإدراجها ضمن النماذج المعتبرة للدول في العالم .

كذلك ستظل العملية النكداء السابقة ، وما يصاحبها ويترتب عليها من جهل سياسي لدى كل من يمت للشأن العام في العالم العربي بصلة ، أهم مثبطات ومبطلات كافة المساعي الجادة نحو تأسيس نظم سياسية أصولية .

إن مهمة شباب الثورات العربية من أجل بناء الدولة والنظام السياسي ليست بالمهمة اليسيرة أو الترفية ، بل إن تلك المهمة هي الاختبار الحقيقي لنجاح ثورتهم ، لأن ما سوف يترتب على تشييد هذين الصرحين هي كافة الأهداف التي من أجلها قامت الثورات العربية ، فالعيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال حاضنة نقية من أوبئة الفساد والجهل والأنانية والأثرة وهي الدولة ، ومن خلال آلية ناضجة متفتحة ، نسقها القيمي يرتكز على ثالوث الحرية والعدالة والمساواة ، ومبادئها الديمقراطية والسماحة والمواطنة ، ونسقها الأخلاقي يرتكن على أنه لا واسطة بين الإنسان وخالقه ، وهذا هو الحكم الرشيد ، وتلك الآلية هي النظام السياسي .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.