موقف الرأي العام العربي إزاء الثورات العربية ورد فعل الحاكم والنظام السياسي

0

زلزلت الرأي العام العربي كما زلزلت النظم السياسية ، وبات كل منهما يتوجس من الآخر خيفة ، ولا يدري عن مستقبل توجهاته وسلوكاته ما يمكّنه من تلافيها أو احتوائها وتطويعها ، لقد شكلت الثورات العربية مواقف فكرية معينة لدى أبناء المجتمع العربي ، استخدمت أو ستستخدم للتأثير في مواقف وسلوكات الحاكم العربي إزاء قضايا المجتمع ، تلك المواقف والسلوكات كانت هي الرأي العام ، والرأي العام من الموضوعات الحديثة اصطلاحاً القديمة وظيفة ووجوداً في كافة المجتمعات البشرية والتي لها فعالية عالية وتأثير بالغ في الحاكم والمحكوم معاً ، وتستحق الدراسة والبحث ، بصفة خاصة في المجتمع العربي في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من تاريخ الأمة ، وهذا ما سنعكف عليه في هذا المقال .
أولاً : تعريف الرأي العام :
الرأي العام هو موقف فكري للمجتمع أو لقطاع عريض منه إزاء قضية عامة خلال فترة زمنية ، يقود إلى بلورة حكم في تلك القضية ، ومن التعريف المتقدم يمكن استنباط العناصر التالية :
أ : الموقف : الموقف هو الالتزام بمجموعة من المبادئ والأسس الفكرية والثبات عليها ، والموقف لا يظهر بوصفه المذكور مباشرة ، بل يمر بمرحلتين يأخذ فيهما شكلين : الشكل الأول هو التوجه ، وهو بمثابة مؤشرات تدل على مجموعة من الثوابت الفكرية ، ثم يتطور التوجه إلى الشكل الثاني وهو الاتجاه ، والأخير يعني التوجه عندما يتحول إلى الواقع والفعل والحركة .
ب : الطابع الفكري : الموقف عندما يوصف بأنه فكري ، فهذا يعني أنه لا يتجاوز العقل والتفكير إلى الواقع والحركة ، أي لا يتحول إلى سلوك .
ت : البيئة الإجتماعية : الموقف الفكري في مفهوم الرأي العام ينسب إلى المجتمع ، فهو إذن موقف فكري جماعي ، يخص عموم المجتمع ، وهذا يعد تفسيراً للفظة العام ، وهنا يبدو ما يعرف بالعقل الجماعي أو الفكر الجماعي ، وهو الفكرة التي تسود المجتمع ويُجمع عليها ويلتف حولها .
ث : التمدد والانتشار : إن الاجماع المطلق أو الساحق ليس شرطاً لتبلور وظهور الرأي العام ، فقد يهتم قطاع عريض من المجتمع بقضية من القضايا ، ويشكل رأياً عاماً إزاء تلك القضية ، ويمثل ذلك المجتمع بأكمله .
ج : عمومية الموضوع : محور الاهتمام الفكري والإجماع العقلي وتبلور الموقف الفكري هو قضية عامة ، أي تهم جميع أفراد المجتمع ، حتى ولو لم يشاركوا أو يسجلوا موقفهم الفكري مع المجموع ، وهنا يأتي التفسير الثاني للفظة العام وهو عمومية موضوع الرأي العام.
ح : جانب الثبات والدوام : الرأي العام كوظيفة ومكونات ثابت دائم داخل المجتمع ولكنه ينتظر القضايا التي تثيره ثم تبلوره في شكله الملموس والذي يمكن قياسه بأدوات منهجية ، وعليه فمكون الرأي العام ووظيفته موجودات بشكل دائم في أي مجتمع ، فالاول هو أفراد المجتمع بتكوينهم العقلي ومملوكهم الفكري ، والثاني هو المهمة التي يؤديها هؤلاء الأفراد عندما يلتفون فكرياً حول قضية بذاتها .
خ : جانب الوقتية : وإلى جانب ثبات ودوام مكون ووظيفة الرأي العام هناك المثير أو المنبه ومحور الاهتمام العقلي ، وهو القضايا التي تظهر في المجتمع بفعل المتغيرات والمستجدات والتفاعلات الاجتماعية ، وهذه لها طابع الوقتية ، حيث تتوالى وتتداول بفعل تلك المتغيرات والمستجدات وتحتضنها التفاعلات الاجتماعية .
د : بلورة حكم في القضية المثارة : إن الرأي العام لا يكتمل بتبلور الرأي الفكري لأفراد المجتمع إزاء قضية بذاتها ، ولكن لابد أن يعبر ذلك الموقف ويبلور بشكل واضح حكماً من قبل الأفراد في تلك القضية محور الاهتمام ، وهذا من العناصر المهمة في مكونات الرأي العام ، ولا يقدح في أهمية هذا العنصر إذا كان ذلك الحكم صواباً أو خطأ أو صائباً أو غير ذلك ، لأن الحكم يترتب على حيثيات خاصة بتكوين الرأي العام ومدى صدقية ومنطقية وواقعية تلك الحيثيات والتي تنتهي جميعها إلى المنطلقات الثقافية والفكرية للمجتمع المسلم ، فقد يبنى حكم الرأي العام على حيثيات خاطئة تبلورت بناء على أوليات ومصادر مضللة ومزيفة ، وهذا يؤثر على الحكم الصادر عن الرأي العام .
ثانياً : خصائص الرأي العام في المجتمع العربي :
يتسم الرأي العام في المجتمع العربي بثلة من السمات ، تلك التي قد تميزه عن نظيره في المجتمعات الأخرى ، وتتمثل تلك الخصائص في الآتي :
أ : واحدية المنطلق : إن الرأي العام بوصفه موقفاً فكراً ينطلق في المجتمع العربيمن منطلق واحد وهو المرجعيات الشرعية الإسلامية ، حتى ولو كانت ثمة اختلافات وتباينات ثقافية أو أيديولوجية ، وهذا يعني أن تلك المرجعيات تمثل المنطلق الأساسي والمرجع النهائي للحكم الصادر عن الرأي العام ، وذلك يتضح لخبراء ودارسي الرأي العام الذين يتبحرون ويغوصون في أعماقه في المجتمعات العربية ، فهم يكتشفون أن تلك المرجعية راسخة وكامنة في اللاشعور ، حتى ولو طفت على السطح القشور الأيديولوجية ، وهنا يبرز دور التكوين الثقافي والعقلي والفكري والتنشئة الاجتماعية للفرد العربي، الذي نشأ وتربى على أن تكون المرجعية الشرعية هي منطلقه الأساسي دون شعور منه .
ب : التجانس وشبه الاجماع : يترتب على الخصيصة السابقة أخرى مرتبطة بها عضوياً وهي أن واحدية المنطلق تقود إلى تجانس بين أفراد المجتمع ، وقد يجمع ذلك التجانس بين الفكر والسلوك ، إلا أن الرأي العام في المجتمع العربي يكفيه التجانس الفكري ، ولا يقصد بالتجانس الفكري بين أفراد المجتمع العربي التطابق الفكري ، بل يقصد بالتجانس واحدية المنطلق والمرجع ، وكذا طريقة التفكير وواحدية معايير وحيثيات الحكم الصادر عن الموقف الفكري ، فكل هذه المكونات تدور في إطار محدد يبدو فيه التباين ، ولكنه محدود بذلك الإطار ، وما من شك في أن التجانس في الشكل الذي أوضحنا يقود إلى ما يشبه الإجماع في الموقف الفكري لدى أفراد المجتمع العربي ، وذلك عكس مجتمعات أخرى يبدو فيها التباين جلياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار .
ت : النسق القيمي الذي يحكم الرأي العام : يتمتع المجتمع العربي ويتفرد عن سواه باحتوائه على نسق قيمي متكامل ومتناسق ، وليس على قيمة واحدة عليا كما في سواه ، ويتصل النسق القيمي في المجتمع العربي بالرأي العام ، ويتحكم النسق القيمي في مكونين مهمين من مكونات الرأي العام ألا وهما : تشكيل الموقف الفكري منذ منطلقاته المتتابعة أي التوجه والاتجاه فالموقف ، ثم في الحكم المترتب على الموقف الفكري .
ث : واحدية الغاية : الرأي العام في المجتمع العربي بشكل دائم يستهدف غاية نهائية هي ذاتها غاية ذلك المجتمع ، وتتمثل في إقامة مجتمع رشيد قويم تسوده الحياة الطيبة التي يُعبد فيها الله الأحد ويقام شرعه ويسود منهجه ، ويتضح اقتران الرأي العام في المجتمع العربي بهذه الغاية النهائية في كافة عناصر ومكونات ذلك الرأي العام .
ج : التأثر بالوازع الديني ورموزه : الوازع الديني هو أشد المؤثرات في الرأي العام في المجتمع العربي ، منذ تبلوره وتكونه وحتى استوائه في شكل حكم جماعي ، ومعنى ذلك أن الرأي العام في المجتمع العربي هو رأي عام مصبوغ دوماً بصبغة الشرع وهو الإسلام ، ويمكن للمتابع أن يلاحظ ذلك بسهولة ، فالرأي العام في المجتمع العربي ينطلق من ثنائية الحلال والحرام ، وينتهي كذلك بهما عندما يؤول إلى حكم معياره الحلال والحرام .
ح : طبيعة القضايا المثارة : بالرغم من أن القضايا التي تثار في المجتمع العربي وتكون موضعاً لتبلور رأي عام بخصوصها في وظيفتها لا تختلف عن القضايا المثارة في المجتمعات الأخرى ، إلا أن النوعية الأولى قد تختلف في طبيعتها انطلاقاً من البيئة التي تنطلق منها وتتجذر فيها ، فكافة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والحضارية لا تختلف في موضوعها في المجتمع العربي عما سواه ، ولكنها تختلف في طبيعتها وبنيتها تأثراً وتماهياً مع البيئة التي تنبثق منها .
خ : طبيعة الحكم الصادر من الرأي العام على القضايا المثارة : الحكم الصادر عن الرأي العام بخصوص القضايا المثارة حكم له خصوصية مرهونة بطبيعة المجتمع العربي ، فحيثيات ذلك الحكم وقوامه ومنطوقه ومقصوده يتأثر إلى حد بعيد بطبيعة ذلك المجتمع ، وما يسوده من تفاعلات اجتماعية ونسق قيمي أخلاقي ومكونات فكرية وكلها تصطبغ بشرعة الإسلام .
د : حساسية الرأي العام في المجتمع العربي تجاه المؤثرات الخارجية : ترتفع حساسية الرأي العام في المجتمع العربي تجاه المؤثرات الخارجية بكافة أنواعها السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية عن أي مجتمع آخر ، ويقف وراء ذلك اعتزاز المجتمع العربي بهويته التي لا يقبل أن يدخل عليها أي عارض ، ويقف وراء ذلك أيضاً تخوف الرأي العام والمجتمع العربي من الآخر ، وعدم ثقته في نواياه ومقاصده تجاه المجتمع العربي، فلا تزال الآخرفوبيا تسيطر على الرأي العام في المجتمع العربي بالرغم من التبعية شبه المطلقة للمجتمعات العربية للمجتمعات الأخرى ، فنحن نتبع الآخر وفي ذات الوقت نخشاه ولا نثق فيه.
ثالثاً : الأدوات المنهجية للدراسة والتحليل :
لعله من المهم بل ومن الضروري الوقوف بدقة ومنهجية على موقف الرأي العام العربي في أهم حدث في تاريخ العرب الحديث والمعاصر ألا وهو الثورات العربية ، وسوف نتتبع ذلك الموقف على النحو التالي :
لم نشأ أن نسيّر فرقاً لجمع البيانات والمعلومات ، لاستحالة ذلك عملياً في أكثر من خمس عشرة دولة عربية ، ولم نأمن الأخطاء التي تحدث نتيجة غياب الخبرة في موضوع الدرس ، وسلبيات التعامل المنهجي من خلال استمارات الاستبيان وما يأتي على شاكلتها ، فحدث الثورات العربية لا يصلح لدراسته وتحليله إلا اللقاءات الجادة المباشرة من المتخصصين والمعنيين بالأمر ، الذين يمكنهم استخراج المعاني والمقاصد من عقول الناس بفئاتهم وشرائحهم وقطاعاتهم وطبقاتهم المختلفة .
من هذا المنطلق كانت لقاءاتنا المباشرة مع مواطنين من الدول العربية من كافة الفئات والشرائح والطبقات هي آلية هذا التحليل ، وجاءت تلك اللقاءات في صيغة حوارات صريحة ومنهجية لا مجال فيها للإيحاء أو التوجيه .
رابعاً : الموقف المؤيد بحماس لثورة الكرامة العربية :
من المنطقي والمنهجي أن يكون الموقف المؤيد للثورات العربية هو الأكثر جذباً للاهتمام ، والأجدر بالدراسة والتحليل ، وكان هذا الموقف هو الغالب على الرأي العام العربي عقب نجاح الثورتين التونسية والمصرية في إقصاء النظامين في الدولتين ، واشتعال الثورات في ليبيا واليمن والبحرين ، وقد كانت سمة الحماس غالبة وواضحة على هذا الموقف المؤيد ، وكذلك جاءت تلك السمة مفعمة بالارتياح والفرح ، كما امتزج بالموقف أمنية أن تعم الثورة كافة الدول العربية ، وتخلل ذلك الموقف الإعراب عن استبداد وفساد النظم العربية ، ويمكننا تحليل هذا الموقف على النحو التالي :
أ : لقد نشأ هذا الموقف وتبلور نتيجة الإخفاقات والانكسارات المتلاحقة للنظم السياسية العربية ، وهيمنتها على السلطة والنفوذ والثروة في بلادها ، وعدم افساح المجال لتداول السلطة والحكم ، وتهميش كافة قطاعات وشرائح وفئات بل وطبقات الشعب ، واستئثار قلة من المنتفعين بالنفوذ والثروة ، بالإضافة إلى قهر الناس وكبت تعابيرهم عن آرائهم ، ودعم هذا الموقف كذلك فشل النظم العربية الذريع في عمليتي الإنماء والإحداث ، والدفاع عن الذات الحضارية والهوية الثقافية للأمة .
ب : لم نستغرب أن تكون الغالبية الساحقة من أصحاب هذا الموقف من الشباب الذين يعملون في كافة القطاعات والمجالات ، والعاطلين عن العمل ، وطلبة الجامعات والمدارس الثانوية من كافة طبقات المجتمع ، إلى جانب قطاع عريض من الطبقة المتوسطة من كافة الأعمار والمهن ، ولم نلمح بشكل مؤكد أية توجهات أيديولوجية إلا في الربط العضوي وبالذات في دول الخليج بين اشتعال الثورات العربية وبين ابتعاد النظم العربية عن منهج الله وإقامة شرعه .
ت : وقد جاءت تعابير أصحاب هذا الموقف في رغبتهم الملموسة في التعبير عن موقفهم دون خوف ، وفي رغبتهم في التظاهر لتأييد الشعوب الثائرة ، بل ومن خلال المشاركات الفعلية في المظاهرات المؤيدة للثورات والوقفات أمام سفارات دول الثورات في بلادهم .
ث : جوبه هذا الموقف برد فعل متعدد التعابير من الحاكم والنظام السياسي ، تراوح بين التجاهل واصطناع عدم الاكتراث ، واعتبار أن (التطورات) التي تحدث في دول الثورات هي شأن داخلي ولا يجب الاهتمام به أو التعليق عليه ، وبين الشعور بالامتعاض والخوف من مغبة انتقال الثورة إلى دولته ، وبين تلمس كافة السبل الأمنية والمخابراتية ، والاحتراز في مواجهة تفشي وانتشار هذا الموقف المؤيد للثورة .
ولكن الموقف الأخطر من الحاكم العربي ونظامه السياسي الذي تزامن مع موقف الرأي العام المؤيد للثورات بحماس ، هو تغليظ البطش والضرب بيد من نار وحديد على المعارضين في الداخل ، وبصفة خاصة أصحاب الرأي من العلماء والمفكرين والفقهاء الذين زج بهم في المعتقلات والسجون ، لتعذيبهم وتصفيتهم جسدياً ومعنوياً في السعودية والبحرين والإمارات والكويت وعمان والأردن والجزائر والمغرب والسودان وموريتانيا ، وهي الدول التي لم تنتقل إليها الثورات بعد ، وتتوجس من ذلك خيفة ، وتتسلح من أجل تفادي هذه النهاية بكافة السبل والوسائل .
ج : لقد تطور موقف الرأي العام العربي المشار إليه ، وأصبح لا يقتصر على تأييد الثورات العربية ، بل تضامن بلا حدود مع المعتقلين قهراً وجوراً في سجون الحاكم العربي ، ومن ثم نمت وتزايدت المعارضة الداخلية للحكام العرب ولنظمهم الفاسدة المستبدة ، وتجلت أمام العالم أجمع أبشع مشاهد التعذيب والتنكيل بكل معارض أو صاحب رؤية أو رأي في الدول العربية ، وانتصبت مؤسسات حقوقية من خارج العالم العربي بالتأكيد للدفاع عن هذه الكوكبة ، الذين يمثلون بجرأتهم وشجاعتهم وتحملهم ومضائهم أهم من فينا ، والأجدر بالاحترام والتقدير .
ح : وبالرغم من الممارسات الإرهابية من قبل الحاكم العربي ونظامه السياسي ، إلا أن موقف الرأي العام العربي المؤيد بشدة للثورات العربية ، لم يخفت ولم يفتر ، بل ربما زادته حدة وحماساً وانتشاراً التطورات والتداعيات التي ترتبت على الثورات العربية ، مثل الانقلاب العسكري على الشرعية الدستورية في مصر في 3/7/2013م ، وانقلاب “خليفة حفتر” وانشقاقه عن الشرعية في ليبيا في 14/6/2014م ، ومحاولات التآمر على الثورات العربية وعلى الأنظمة التي أفرزتها من خلال تغذية مضادات الثورة وإشاعة الفتن والقلاقل والفوضى العارمة ، ولعل آخرها الاعتداء الإسرائيلي الوحشي على غزة في يوليو من عام 2014م ، والمدعوم دوماً بالتخاذل والتآمر العربي .
خامساً : الموقف المؤيد المتردد بسبب المؤثرات في الرأي العام :
من هذا الموقف ما نشأ مستقلاً ومنها ما انشق عن الموقف المتقدم ، ذلك هو الموقف المؤيد للثورات العربية ، والمتردد بسبب إعمال وتفعيل مؤثرات الرأي العام ، وتحليل هذا الموقف يضعنا أمام ثلاث حالات : الحالة الأولى هي وضعية التأييد المبدئي للثورات العربية ، والحالة الثانية هي وضعية الاستجابة للمؤثرات من الداخل والخارج ، والحالة الثالثة وهي وضعيةالتردد الذي صاحب التأييد أو أعقبه كاستجابة لتلك المؤثرات ، والحالة الرابعة هي وضعية زيادة أو انحسار ذلك الموقف ، وسوف نوالي تحليل تلك الحالات تباعاً على النحو التالي :
أ : لقد نشأ هذا الموقف بعد انبلاج الثورات العربية بوقت غير قصير بسبب عدم اكتراث أصحابه بالحدث وبالشأن العام من ناحية ، وبسبب الوقوع في حبائل النظم السياسية الإعلامية والدعائية ، وهذا الموقف لا ينكر استبداد وفساد النظم السياسية العربية ، ولا ينكر حق الشعب العربي في الثورة على تلك النظم ، ولكنه يتحفظ على بعض الممارسات الثورية ، أو يتمسك ببعض الأفكار الواهية والحجج والأسانيد المغلّفة بالدين والأخلاق .
ب : الغالبية العظمى من أصحاب هذا الموقف من غير الفاعلين في المجتمع ، ومن غير الناشطين في الشأن العام ، من كافة طبقات وفئات وشرائح الشعب ، فهم لا يستشعرون القهر والجور والفساد بشكل ملموس ، أو ربما يستشعرونه ، ولكن لا يرون أن الثورة هي الوسيلة المثلى لإصلاحه ، وهذا القطاع لا يستهان بوزنه العددي ولا بثقله المعنوي في دعم وتأييد الثورات العربية .
ت : لقد جاءت تعابير تأييد أصحاب هذا الموقف للثورات العربية من خلال متابعة تطورات وأحداث تلك الثورات بشغف ، ومن خلال التألم على ما ينتاب الثوار من أذى ، ومن خلال الامتعاض من ممارسات وسلوكات النظم السياسية في مواجهة الثورات ، ومن خلال الرغبة الصادقة في الإصلاح والصلاح .
ث : ولم يكن هذا الموقف بمنأى عن تربص الحاكم ، ومن ثم أطلق عليه عدة مؤثرات تعمل تحت إشرافه وبتوجيهات وبتخطيط من بطانته وحاشيته :
وأول هذه الوسائل هي الإعلام بوسائله المتعددة ، وطرائقه المتنوعة ، الذي أثار القضايا والمسائل المربكة للعقل والفكر ، والتي تثير الشكوك والريب في الثورة والثوار ، مثل عدم جواز الخروج على الحاكم حتى لو كان فاسداً !! ومثل أن الثورة تجلب الفوضى وتدمر مقدرات المجتمع !! ومثل أن الثوار لم يقوموا بثورتهم إلا من أجل مآرب ومطامع سياسية !! ومثل أن الثورة هي مؤامرة اشترك في إحاكة خيوطها فواعل في الداخل والخارج !! ومثل أن الحكام الذين هبت عليهم الثورات أنقياء !! وقدّموا لأوطانهم خدمات جليلة !! ولا ينبغي أن يعاملوا بشكل مهين من الثوار والمعارضين ، ومثل ربط الثورات العربية بالإرهاب والتنظيمات الإرهابية المسلحة ذات الصبغة الدينية . ومن ثم يوحي الإعلام ووسائله بالحكم الذي ينبغي أن تؤول إليه معالجة ومناقشة هذه القضايا والمسائل ، وهو الارتداد والتراجع عن التأييد ، الذي قد يتطور إلى معارضة الثورة والتصدي للثوار ومهاجمتهم .
وثاني وسائل الحاكم من أجل التأثير في موقف الرأي العام العربي المؤيد للثورات العربية وحمله على التراجع أو التردد هي الفكر والرأي ، فهو يطلق أتباعه من المروجين للفكر والرأي ، حيث يشاركون مع الإعلام ووسائله في جدلية ينتج عنها التأثير على ذلك الموقف ، يساندهم في ذلك أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة .
ج : ونظراً لضعف ووهن قوة وعزيمة أصحاب الموقف المؤيد بتحفظ أو بتردد منذ البداية للثورات العربية ، فسرعان ما يستجيب قطاع منهم قد يقل وقد يكبر لتأثير الوسيلتين المتقدمتين ، وتتمثل تعابير التراجع عن التأييد في اكتشاف الحقائق والوقوف على النوايا الحقيقية للثوار !! وفي الاعتبار بما قادت إليه الثورات من فوضى وضياع وتبدد لمقدرات المجتمعات التي هبت عليها .
ح : لقد أكدت متابعتنا الدقيقة لتطورات هذا الموقف أنه قد تطور في عكس اتجاه ما يريده الحاكم ونظامه السياسي ، وثبت أن القطاع الذي يؤيد الثورة داخل هذا الموقف يزداد باستمرار ، وذلك بسبب تكشف المؤامرات على الثورات العربية ، من قبل دول عربية مثل دول الخليج العربي ، وقوى عالمية مثل أميركا وأوروبا ، والتطورات التي أقامت الدليل على ذلك في مصر وليبيا واليمن وتونس .
سادساً : المواقف المعادية للثورات العربية :
على عكس الموقف الأول ، تبلور سريعاً عقب هبوب الثورات العربية موقف معارض ومعادي لتلك الثورات في الدول التي لم تصل إليها ، وهو موقف يجسد رد الفعل الطبيعي والمنطقي من قبل أنصار وأتباع وبطانات وحواشي النظم الحاكمة .
أ : نشأ هذا الموقف فور انبلاج الثورات العربية ، وقد جاء كرد فعل طبيعي تلقائي من المقربين والمستفيدين من النظم السياسية ، فهم أولاً يخشون على أوضاعهم من أن تمسهم نتائج وإفرازات ثورات شبيهة ، وهم ثانياً منزعجون ومتألمون لما أصاب الأنظمة الصديقة والحليفة التي قوضتها الثورات .
ب : لا شك في العلاقة العضوية الوطيدة بين الحاكم والنظام السياسي وبين أصحاب هذا الموقف الصارم والحاد تجاه الثورات العربية ، فاصحاب هذا الموقف هم أداة الحاكم الذي يستطيع عن طريقها محاربة واحتواء وتطويع أية مؤثرات سلبية على النظام يمكن أن تسببها الثورات العربية .
ت : لقد كان لأصحاب هذا الموقف أدوار متعددة ، من هذه الأدوار معاداة ومحاربة الثورات التي قامت ضد أنظمة صديقة وحليفة ، وتأليب المضادات عليها ، ومحاربة ووأد نتاجها ، مثلما حدث في مصر وتونس وليبيا ، ومن هذه الأدوار كذلك استحسان ومعاونة وتأييد الثورات التي قامت ضد نظم معادية ولا ترضى عنها تلك النظم مثل سوريا .
إن أصحاب هذا الموقف المعادي للثورات العربية مرتبطون عضوياً بالنظم السياسية التي يرتعون في مرعاها ، ولن يقدّر لهم التواري عن الأنظار إلا باختفاء وأفول هذه النظم ، فهم أعداء الشعوب وأعداء الحرية والكرامة العربية ، وهم رمز القهر والفساد .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.