بالصور.. ما حكاية سائق الملك فيصل الثاني الذي دفن ذكرياته في حمص

0

وعد الأحمد- وطن- خاص

في مدينة عاش الحاج “عباس خان” سنواته الأخيرة معتزلاً حياة الوجاهة والترف والرفاهية الملوكية قبل أن يفارق الحياة عام 1987، وكان الرجل شاهداً على أحداث ووقائع عاصفة في تاريخ العراق والوطن العربي بدايات القرن العشرين وحتى النصف الأول منه، كما كان شاهداً على اللقاء التاريخي بين الملك “عبد العزيز آل سعود” والملك فيصل عاهل العراق على متن سفينة بريطانية في الخليج العربي ، وفي ختام هذا اللقاء وضع الملكان أساس معاهدة صداقة بينهما بعد أن كانا خصمين في الماضي.

كان عباس خان الذي لُقب في حمص بـ “اللالا” وهي تسمية تركية تعني البك يتهيأ لوراثة الإمارة من والده في قبيلة “العفاردة” الأفغانية أواخر القرن التاسع عشر، ولكن يد القدر قادته لدخول عالم الشهرة والأضواء من أوسع أبوابها حينما أصبح السائق الشخصي لكل من الملك فيصل الثاني والملك غازي في القصر الملكي في بغداد لأكثر من عشرين عاماً.

  لم يبق من تلك الذكريات التي عاشها الراحل خان سوى بضع صور فوتوغرافية كانت معلقة على حوائط منزل عائلته القديم في أحد أزقة حمص قبل أن يُزال المنزل من قبل بلدية حمص بحجة فتح طريق منذ سنوات، ومن هذه الصور أكثر من صورة له بلباسه الرسمي وهو يقود سيارة “الرولس رويس” ويجلس خلفه الملك فيصل الثاني والى جانبه الحارس الشخصي، وصور أخرى له مع الملك غازي ورئيس البلاط الملكي تحسين قدري الذي ربطته به صداقة دامت حتى مطلع السبعينات قبل وفاة أمان خان ، وصور أخرى لملوك وأمراء ورؤساء دول مع الملك فيصل الثاني إلى جانب صورة نادرة تجمع الملوك المسلمين خلال القرنين الماضيين كما كُتب تحتها.

في بلاط الملك فيصل الثاني

حول قصة الراحل أمان عباس خان مع الملك فيصل الثاني والملك غازي الأول وذكريات ربع قرن في القصر الملكي يقول ابنه الأكبر فيصل خان الذي سُمي تيمناً بالملك فيصل لـ”وطن”:

ولد أبي أمان عباس خان عام 1890 في قبيلة ” العفاردة” التي كانت تستوطن الجبال الأفغانية وأشتُهرت بصناعة السيوف وتعدين المعادن ، ومنذ يفاعته كان والدي ذكياً فطناً حاضر الذهن متقناً لأكثر من لغة، ويضيف محدثنا أن ” هذا الأمر  لفت نظر أحد وكلاء شركة “الرولس رويس” الإنجليزية للسيارات فأرسله إلى مقر الشركة في لندن، وتم تأهيله خلال 8 سنوات لمنصب مهم عُرف فيما بعد أنه وظيفة السائق الشخصي للملك فيصل الثاني.

 ويتابع فيصل خان:”في الشركة المذكورة تم تعليم والدي اللغة الإنجليزية لأن الإنجليز كانوا يريدون للملك غازي أن يتكلم بها كما تم تدريبه على ركوب الخيل والإتيكيت والميكانيك ، وأُرسل بعد انتهاء فترة التدريب مع سيارة “الرولس رويس” إلى بغداد فالتحق بخدمة الملك فيصل الثاني، وعمل في قصره كسائق خاص”، ويردف خان الإبن وهو يسترجع ذكريات  وكأنها شريط سينمائي أمام عينيه:” توطدت علاقة والدي آنذاك بحاشية البلاط وبالذات رئيس البلاط تحسين قدري الذي ربطته به صداقة متينة دامت إلى مابعد خروجه من العراق وأثناء خدمته في القصر تعلم اللغة الأرمنية من شيف القصر وصار يتقنها كأهلها إلى جانب الإنجليزية والتركية والأوردية ، كما تزوج من مربية الملك غازي الأفغانية “جلنار” ولم ينجب منها أولاداً.

معاملة ملكية خاصة

 كان “عباس خان” يخرج بجولات مع الأمير غازي لتهيئته للعرش الملكي  حيث جال معه بالسيارة بلداناً كثيرة وحينها لم تكن في القصر الملكي سوى مروحيتان كانتا تستخدمان للمهام الملكية يقول “فيصل خان”: “بعد مقتل الملك فيصل مسموماً كما هو معروف أصبح والدي السائق الشخصي للملك غازي الذي كان يعامل والدي معاملة خاصة دون حاشية القصر، لأن والدي رافقه منذ طفولته وكان كظله في كل حركاته وسكناته لذلك لم يكن الملك غازي يرفض لوالدي طلباً”.

وكشف محدثنا بحسب ماروى والده له قبل وفاته أن أهل أحد المحكومين بالإعدام جاءوا إليه يسترحمونه التوسط في إعفاء ابنهم من الإعدام، فتكلم مع الملك غازي الذي أمر بإعفاء المحكوم من عقوبة الإعدام وعائلة هذا المحكوم هي التي ساعدت والدي على الخروج من العراق بعد نشوب ثورة رشيد عالي الكيالي” .

 بعد نشوب ثورة رشيد عالي الكيالي هرب والدي إلى سورية خفية وأثناء سيره على طرق الجمال حيث لم تكن هناك طرق معبدة اختطفه قطاع الطرق وسلبوه أمواله وثيابه وكل ما يملك عندما علموا أنه السائق الشخصي للملك غازي”.

بعد أن انتهت الحياة الملكية للحاج عباس خان بسقوطها في العراق كان لابد له من أن يبحث عن مصدر رزق وخصوصاً أنه “كان نظيف اليد لم يرتش ولم يسرق خلال وجوده في القصر الملكي ببغداد”- كما يؤكد “فيصل خان” ولذلك التحق بشركة ABC  خطوط (التابلاين) في حمص، وكان أول موظف غير إنجليزي في هذه الشركة التي كان يستثمرها الإنجليز وعمل كسائق لدى مديرها الحاج كراد، وحصل خلال خدمته التي امتدت قرابة الثماني سنوات على العديد من الجوائز والمكافآت ومنه ساعة يد قيمة باعها مضطراً وحج بثمنها إلى الديار المقدسة” ويروي نجل سائق الملك فيصل الثاني أن “تحسين قدري رئيس البلاط الملكي زار والده أكثر من مرة خلال وجوده في حمص فترة الستينات والسبعينات قبل أن يرحل إلى سويسرا وظلا يتراسلان حتى وفاة والدي في عام 1987.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.