“داهية” السياسة الأمريكية كيسنجر: الدور الأمريكي تفكك والأفضل أن تحارب الدول السنية داعش

0

“مع التدخل الروسي في سوريا، فإن ثمة بنية جغرافية سياسية عمرها أربعة عقود أخذت تتخبط، وتحتاج الولايات المتحدة الآن إلى إستراتيجية جديدة وإعادة تشكيل أولوياتها”، هذا ما خلص إليه مقال “”، مستشار الأمن القومي ووزير للخارجية سابقا في إدارتي الرئيسين ريتشارد نيسكون وجيرالد فورد، في صحيفة “وول ستريت جورنال”.

ويرى التدخل الروسي الأحادي في سوريا هو المظهر الأخير في تفكك الدور الأميركي في استقرار النظام الشرق أوسطي الذي انبثق بعد الحرب العربية الإسرائيلية العام 1973.

في أعقاب تلك الأزمة، تخلى المصريون عن الروابط العسكرية مع الاتحاد السوفيتي وانضموا إلى عملية تفاوض تقودها الولايات المتحدة نجم عنها معاهدات سلام بين إسرائيل ومصر وكذلك بين إسرائيل والأردن، واتفاقية فصل قوات برعاية الأمم المتحدة بين إسرائيل وسوريا، وقد حافظوا عليها لأكثر من أربعة عقود ودعم عالمي لسيادة لبنان ووحدة أراضيه.

وبعد ذلك، قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا للإطاحة بنظام صدام حسين بعد أن حاول ضم للعراق بالقوة. وقادت القوات الأميركية الحرب على الإرهاب في العراق وأفغانستان، وكانت كل من مصر والأردن والسعودية وغيرها من دول الخليج حلفاءنا في تلك الحرب. أما الوجود العسكري الروسي فقد اختفى من المنطقة.

لكن ذلك الأنموذج الجغرافي السياسي بات الآن يترنح. فقد تعطلت سيادة أربع من دول المنطقة. وقد صارت كل من ليبيا واليمن وسوريا والعراق أهدافا للحركات غير النظامية التي تريد فرض حكمها.

وفي منطقة واسعة جدا من سوريا والعراق، ثمة جيش ديني متطرف أعلن عن نفسه بصفته الدولة الإسلامية () العدو النشط للنظام العالمي الراسخ. وهو يسعى إلى استبدال النظام العالمي بمجموعات من الدويلات بنظام الخلافة ضمن إمبراطورية إسلامية واحدة تحكها الشريعة.

وتشعر بأنها مهددة بالتطرف الديني لداعش وكذلك من الشيعية، وهي الدولة التي تبدو الأكثر قوة في المنطقة. تخلط إيران تهديداتها من خلال تقديم نفسها بصورة مزدوجة. فمن جهة، تعمل إيران وكأنها دولة شرعية ذات سيادة تمارس دبلوماسية تقليدية لدرجة الادعاء بأنها تلتزم النظام العالمي. لكنها في الوقت نفسه تقوم بتنظيم وتوجيه اللاعبين غير النظاميين سعيا وراء الهيمنة الإقليمية المعتمدة على مبادئ الجهاديين: حزب الله في سوريا ولبنان، حماس في  غزة والحوثيون في اليمن.

وهكذا، كما كتب “كيسنجر”، فإن سنة الشرق الأوسط يتعرضون لخطر المحاصرة من جهات أربع: إيران الشيعية وتراث امبرياليتها الفارسية، الحركات المتطرفة التي تسعى لقلب البنى السياسية السائدة، نزاعات داخلية في كل دولة بين الجماعات الاثنية والدينية التي تم توحيدها عشوائيا بعد الحرب العالمية الأولى في دول ( تنهار الآن)، ورابعا الضغوط الداخلية الناجمة عن السياسات المحلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المدمرة.

يقدم لنا مصير سوريا صورة حية: فالذي بدأ مثل ثورة سنية ضد الرئيس الاستبدادي بشار الأسد العلوي أدى إلى انقسم الدولة إلى مجموعات بحسب مكوناتها الدينية والعرقية، وخلق ميليشيات غير نظامية تدعم الأطراف المتحاربة، في وقت قامت فيه القوى الخارجية بمتابعة وملاحقة مصالحها الإستراتيجية. فإيران تدعم نظام الأسد بصفته محورا لهيمنتها التاريخية الممتدة من طهران إلى البحر المتوسط.

بينما تصر دول الخليج على إسقاط الأسد من أجل تبديد المخطط الإيراني، الذي يخشونه أكثر من خشيتهم من تنظيم الدولة الإسلامية. وهم يسعون إلى هزيمة داعش بينما يحاولون تفادي الانتصار الإيراني. وهذا التناقض تم تعميقه بعد الاتفاق النووي، الذي فسرته سنة الشرق الأوسط بصورة واسعة على أنه قبول أمريكي ضمني بالهيمنة الإيرانية.

هذه التوجهات المتناقضة، المتزامنة مع تراجعات أميركا في المنطقة، مكنت من القيام بعملياتها العسكرية في عمق الشرق الأوسط، وهو انتشار غير مسبوق في تاريخ روسيا.

فالقلق الروسي الأساسي يتركز في الخشية من أن انهيار نظام الأسد سيولد حالة من الفوضى مثلما هو حال ليبيا، وسيأتي بتنظيم الدولة الإسلامية إلى السلطة في دمشق، ويحول سوريا بأكملها إلى ملاذ آمن للعمليات المسلحة، قد تصل إلى الأقاليم المسلمة في جنوبي روسيا في القوقاز وغيرها من الأماكن.

ظاهريا، فإن تدخل روسيا يخدم سياسة إيران بالمحافظة على المكون الشيعي في سوريا. ولكن في العمق، فإن هدف روسيا لا يتطلب الاستمرار الدائم لحكم الأسد.

وعلى هذا، فالتدخل مناورة توازن قوى تقليدية لمنع الجهاديين من تهديد منطقة الحدود الجنوبية لروسيا، وهو تحد على المستوى “الجيوبوليتيكي” وليس الإيديولوجي. ومهما يكن الدافع، فإن القوات الروسية في المنطقة -ومشاركتها في العمليات القتالية- ستولد تحديا للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط لم تواجه مثله طوال العقود الأربعة الماضية على الأقل.

ويرى أن السياسة الأمريكية سعت لمحاباة دوافع الأطراف جميعا، وهي لذلك على شفى فقدان القدرة على إعادة تشكيل الإحداث.

وعلى هذا، دخلت روسيا وإيران وتنظيم الدولة الإسلامية والعديد من المنظمات المسلحة في هذا الفراغ: روسيا وإيران بهدف الإبقاء على نظام الأسد، إيران بغرض تدعيم مخططاتها الامبريالية والتوسعية. والدول السنية في منطقة الخليج والأردن ومصر تواجه الآن غياب أي بنية سياسية بديلة، وهي تؤيد الأهداف الأميركية لكنها تخشى تبعات تحول سوريا إلى ليبيا ثانية.

وعادة ما تتم مقارنة السياسة الأميركية الحالية تجاه إيران من قبل مؤيديها بسياسة نيكسون فيما يسمى “فتح الصين”، التي ساهمت، بغض النظر عن بعض المعارضة الداخلية، في التحول النهائي للاتحاد السوفيتي  ونهاية الحرب الباردة.

لكن المقارنة ليست ملائمة. فتح الصين في العام 1971 كان مستندا إلى الإقرار المتبادل من قبل الجانبين بأن منع الهيمنة الروسية في أوراسيا كان لمصلحتهما المشتركة. ووجود 42 فرقة عسكرية سوفياتية على الحدود السوفياتية الصينية عززت هذا الاعتقاد. ولا يوجد أي اتفاق استراتيجي مشابه بين واشنطن وطهران.

قبل 45 عاما، كانت توقعات الولايات المتحدة والصين متطابقة. والتوقعات المختصة بالاتفاق النووي مع إيران ليست كذلك. وستحقق إيران أهدافها الرئيسية في بداية تطبيق الاتفاق، أما منافع منه فما زالت في وعود إيرانية تطبق على فترة من الزمن. فتح الصين كان مستندا إلى تعديلات فورية وملموسة في السياسة الصينية، وليس على توقعات افتراضية من إيران تتخيل أن الحماس الثوري لطهران سيتبدد بينما تزداد علاقاتها الاقتصادية والثقافية مع الخارج.

وفي هذا، يرى أن السياسة الأمريكية بأنها تغذي الشك أكثر من أنها تضيق مساحته. والتحدي الذي تواجهه يتمثل في كتلتين مروعتين تواجهان إحداها الأخرى: كتلة سنية تتألف من مصر والأردن والسعودية ودول الخليج، وكتلة شيعية تتألف من إيران والقطاع الشيعي من العراق وعاصمته بغداد، وجنوب لبنان الشيعي بزعامة حزب الله والجزء الحوثي من اليمن مما يكمل الدائرة على العالم السني.

وفي مثل هذه الظروف، فإن القول التقليدي المأثور بأن عدو عدوك يمكن معاملته معاملة الصديق لا يمكن تطبيقها. لأن الاحتمال الأكبر في الشرق الأوسط المعاصر هو أن عدو عدوك يبقى عدوك.

ويقول إن كثيرا من نقاشنا العام يتعامل مع ذرائع تكتيكية. لكن ما نحتاج إليه هو مفهوم إستراتيجي وترسيخ الأولويات بناء على المبادئ التالية:

طالما بقي تنظيم الدولة الإسلامية مسيطرا على مساحات جغرافية محددة، فإنه سيظل سببا لكل توترات الشرق الأوسط. وبتهديده كل الإطراف وامتداد أهدافه إلى خارج المنطقة، فإنه يجمد المواقف الحالية أو يغري القوى الخارجية لتحقيق مخططاتها الجهادية والامبريالية.

ويرى أن تدمير داعش يعد أكثر إلحاحا من إسقاط بشار الأسد، الذي فقد بالفعل أكثر من نصف المنطقة التي كان يحكمها في الماضي. ويجب أن تكون الأولوية الآن لضمان عدم بقاء هذه المنطقة ملاذا دائما للجهاديين. فالجهود العسكرية الأميركية غير الحاسمة تقامر بأن تصبح أداة تجنيد مغرية على فرضية أن داعش وقف أمام الجبروت الأميركي.

لقد قبلت الولايات المتحدة حتى الآن دورا عسكريا روسيا، ومهما كان هذا مؤلما لتشكيلة لنظام ما بعد 1973، فإن الاهتمام في الشرق الأوسط يجب أن يبقى أساسيا.

وفي حال الاختيار بين الإستراتيجيات، فانه من المفضل أن يتم غزو المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية من قبل القوات السنية المعتدلة أو من القوى الخارجية أكثر من أن تغزوها القوى الإيرانية الجهادية أو الامبريالية. وبالنسبة لروسيا، فإن تحديد دورها العسكري في سياق حملة ضد داعش يمكن أن يجنب العودة إلى ظروف الحرب الباردة مع الولايات المتحدة.

ويجب أن تُعاد الأراضي التي يتم غزوها إلى الحكم السني المحلي هناك قبل أن يجري تفكيك سيادة كل من العراق وسوريا. والمطلوب أن تلعب الدول ذات السيادة في شبه الجزيرة العربية وكذلك مصر والأردن دورا رئيسيا في هذا التطور. وبعد أن تحل مشكلتها الدستورية، يمكن لتركيا أن تقوم بدور خلاق في مثل هذه العملية.

ويرى أن دور الولايات المتحدة في مثل هذا الشرق الأوسط سيكون في إنفاذ التطمينات العسكرية في الدول السنية التقليدية التي وعدتها الإدارة بذلك خلال مناقشات الاتفاق النووي مع إيران.

في هذا السياق، يمكن للدور الإيراني أن يكون حاسما، فالولايات المتحدة يجب أن تكون مستعدة وجاهزة من أجل حوار مع إيران العائدة إلى دورها كدولة شرعية ذات سيادة ضمن حدود راسخة ومحددة.

وفي ختام المقال يوصي بأن على الولايات المتحدة أن تقرر لنفسها الدور الذي ستلعبه في القرن الواحد والعشرين، فالشرق الأوسط سيكون اختبارنا الملحَ وربما الأكثر قساوة.

رابط المقال الأصلي: http://www.wsj.com/articles/a-path-out-of-the-middle-east-collapse-1445037513

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.