كشاشو الحمام في الرقة السورية لم يبق لهم سوى الذكريات

0

(وعد الأحمد – وطن)
فوق سطح منزله في أحد أحياء مدينة الخاضعة لتنظيم الدولة يجلس “أبو جاسم الرقاوي” على كرسيه القش الصغير وهو يتأمل صناديق التنك المتجاورة والشِباك التي كان يحجز بها طيوره المتنوعة قبل سنوات متذكراً تلك الأيام التي كان يمارس فيها هوايته المحببة بكل مافيها من مناكفات وقصص وطرائف يحفل بها عالم “الحميماتية” وقاصمة الظهر لهواة كش الحمام في الرقة بحسب للرقاوي الذي كان بمثابة “شيخ الكار” هوالقرار الذي أصدره “تنظيم الدولة الإسلامية” ومُنع بموجبه مربو الحمام فوق سطوح المنازل من ممارسة هوايتهم، وتوعد القرار المخالفين بأن يكونوا عرضة للعقوبة التعزيرية من غرامة مالية لم تٌحدّد قيمتها وبالسجن والجلد دون أن تحدد مدتهما وكيفيتهما أيضاً. وطالب القرار المذكور “عوام إبلاغ الحسبة -هيئة رقابية في التنظيم- عن أي شخص تسول له نفسه الاستمرار على هذا العمل وذلك قطعاً للمفسدة المترجحة من إيذاء لجيرانه المسلمين والمسلمات، وكشف للعورات، وهدر للأوقات”.
وإزاء هذا القرار الذي أصاب “الحميماتية” في الصميم لم يبق أمام أبو جاسم سوى استحضار الذكريات علها تخفف قليلأً من غلوائه وحنينه للماضي الذي لم يبق منه إلا صناديق فارغة وقليل من الطعام الذي كان يقدمه لطيوره المدللة، وبعض الزينة التي كانت “تشنشل” هذه الطيور فتظهرها في أجمل حلة وإبريق الشاي المعتق الذي لم يكن يغادر الجلسة.
وحدّت ظروف الحرب في سوريا من ممارسة هذه الهواية بسبب عدم توفر الأمان والقصف والتحليق المستمر للطيران الحربي، إذ امتلأت سماء الكشاشين الفسيحة التي كانت طيورهم تصول وتجول فيها بطيور حديدية صماء تفتك بالحياة وتزرع مكانها القتل والفناء.
كانت هواية تربية الحمام في مدينة الرقة مثل غيرها من المدن السورية من الهويات الطريفة التي تحظى باهتمام خاص لدى عدد كبير من أفراد المجتمع الذين جعلوا منها مورد رزق أيضاً إلى جانب إشباع المزاج الشخصي الذي لا يعرف متعته إلا “الحميماتية ” أنفسهم، ولابد لمربي الطيور من أن يكونوا ذوي خبرة واسعة في أنواعها وفي طرق وأساليب تربيتها وتزيينها واصطيادها أيضاً.
غير أن هذه المهنة ارتبطت أيضاً بسمعة غير جيدة قبل قرار تنظيم الدولة إذ راجت أقاويل وإشاعات تتعلق بـ”الحميماتية” ومنها عدم قبول شهادة الحميماتي في المحاكم لأنه مستعدّ أن يحلف بكتاب الله يميناً كاذباً حتى يستخلص طائراً مأسوراً له لدى زميله في الهواية.- كما يقول– أبو جاسم الرقاوي لـ”وطن” مضيفاً أن “الكثير من العائلات كانت ترفض تزويج بناتهم لمجرد معرفتهم بأن الشخص المتقدم لها “كشاش حمام”.
وكانت تجارة الحمام تزدهر خاصة في فصل الشتاء والربيع وذلك لملائمة الطقس واستعداد الحمام للتكاثر، أما في فصل الصيف فيتفرغ مربو الحمام للاهتمام به من ناحية الغذاء والنظافة، وكان سوق الحمام في مدينة الرشيد– كما يُطلق عليها- تضم عشرات الأنواع من الطيور الغالية الثمن والرخيصة على حد سواء ، وكان من أكثر أنواع الحمام مبيعاً- كما يؤكد محدثنا- “الهنغاريات” و “اليهوديات” وهي أنواع أجنبية مستوردة وتُعتبر “الهنغاريات” الصفراء الأجمل بين الطيور لتميزها بالطلة الجميلة والشكل الجذاب أما ” البايمات الزرق ” فتعتبر الأغلى في “بورصة الحمام ” وقد باع أحد أبناء الرقة قبل الثورة – كما يقول الرقاوي- جوز بايمات بـ 80 ألف ليرة سورية وهو مبلغ ضخم جداً بالنسبة لدخل المواطن السوري آنذاك، ويعلق محدثنا مبتسماً أن “المثل الشعبي يقول “رزق الهبل على المجانين “،
ومن أنواع الطيور الجميلة ” الشفر الأزرق ” الذي يُقال أنه مفتاح السماء لأنه يبقى طويلاً في الجو و”الشكالة ” وتُسمى أيضاً “سجادة السماء” وهذا النوع يبدو أنه على وشك الانقراض ولم يعد يوجد منه إلا القليل. ولعل أكثر ما يميز عالم طيور الحمام بحسب محدثنا – هو تنوع أسمائها فهناك بالإضافة إلى ما ذُكر “الهومري” و”الاسكندراني” و”الماوردي” و” البهبهاني” و” الشرابي” و”الموازيني” و”الشخشرلي” بألوانه الصفراء والزرقاء والسوداء ويؤكد الرقاوي أن “قيمة الطير في ندرة أمثاله فكلما كانت أنواع بعض الطيور تزداد في السوق ينخفض سعرها”.
ونقل ناشطون قصة طريفة عن تعلق الحميماتية بـ”طيورهم” رغم ثقل الحرب والمعاناة، إذ روى أحد المقاتلين الذين شاركوا في تحرير إدلب، أنه أثناء تمشيط أحد البيوت في الحارات بإدلب التي تم السيطرة عليها، صعد المقاتل المذكور إلى سطح أحد البيوت فرأى غرفة فيها حمام، وفوجىء بأن صاحب المنزل كتب على باب الغرفة “سألتك بالله ومحمد رسول الله كل ريشة من هذه الطيور بتسوى كل الدنيا”. وأوصى من يدخل إلى سطح المنزل عندما يفتح باب غرفة الحمامات ولا يجد عندها أكل أن يطعمها، مشيراً إلى أن”الطعام في البرميل الأزرق على يمين الغرفة”، وهنا يقول المقاتل الذي دُهش للموقف إنه أطعم الحمامات ووضع لهن ماء وكتب تحت الورقة “الجيش الحر تحت أمرك”.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.