بانوراما الواقع المصري منذ 25 يناير 2011م (2)

0

المشهد الثاني : المستنقع السياسي في الأحراش الاجتماعية :
بعد انهيار النظام السياسي كان ثمة عناصر حقيقية واقعية ومعلومة بالضرورة وبالقطع ذواتاً وأفعالاً ، تعمل كمضادات للثورة المصرية ، ومن ورائها نوايا سوداء مضمرة تريد هدم كل مؤسسات الدولة وصلاحياتها ، وتعطيل حركة النظام وليد الثورة نحو استكمال تأسيس النظام السياسي وبقية الأنظمة الفرعية ومؤسسات الدولة ، بتأليف وصياغة الدستور وبانتخاب البرلمان .
والتحمت بهذه العناصر عديمة الهوية ، عناصر أخرى هي بقايا وحثالات النظام الهالك ، ثم تآمرا معاً على إجهاض الثورة وتسفيه الديمقراطية وتقزيم نتاج الثورة المصرية .
ومرت مصر بوضعية الفراغ الدستوري والسياسي ، وهي وضعية تتيح الفرصة للعناصر المذكورة أعلاه تحت مظلة الديمقراطية التي تجيز العبث السياسي ، أن تدفع البلاد إلى دوامة الشك والتشكيك والصراع والفتنة ، ويمكننا الوقوف على الواقع السياسي والاجتماعي في مصر والذي بات مستنقعاً آسناً مقززاً ، وذلك من خلال ما يلي :
أولاً : القوى المتصارعة :
انحصر الصراع في المستنقع السياسي المصري بين ثلاث قوى سياسية ، إثنين منها تتبنى توجهات أيديولوجية محددة وتعمل وفقها ومن أجلها ، وقد بدى وكأنهما متناقضتان ومتعارضتان ، والقوة الثالثة هي قوة لم تتبن أيديولوجيا بذاتها ، ولكنها كانت وطنية بالأساس ، وقد اندست مضادات الثورة في ثنايا كل قوة من هذه القوى ، ونوضح ذلك فيما يلي :
أ : المؤدلجون فكرياً :
وهم العَلمانيون والليبراليون والناصريون والاشتراكيون بكافة درجاتهم ومذاهبهم ، وقد اعتاد الإعلام تسمية هذه الألوان والتيارات بالنخبة ، أو بالمثقفين ، أو بالنخبة المثقفة ، وقد اتضح أن هذه التيارات المؤتلفة في هذه الكتلة تريد الوصول إلى السلطة في مصر أو تستحوز على أكبر قدر منها .
وقد صارعت من أجل ذلك منذ أن نجحت الثورة في خلع رأس النظام السياسي ورغبة في ذلك تكتلت في قوة سياسية ، وشرعت تخوض التنافس السياسي من أجل الوصول إلى السلطة ، إلا أن الأرضية الشعبية الهشة التي تمركزت عليها هذه القوة لم تكن قوية ، ومن ثم لم تحصل على مكاسب سياسية ذات شأن في مؤسسات النظام السياسي التي بدأت في التشكل فيما بعد الثورة ، مثل البرلمان بمجلسيه مجلس الشعب ومجلس الشورى ، والرئاسة ، والمجلس التأسيسي لصياغة الدستور ، والتي آلت جميعها إلى القوة المنافسة وهي القوة الإسلامية ، إلا أن ما قوّى من شأن هذه القوة وساعدها على البقاء هو شدة عدائها للقوة المنافسة ، وشعورها المتنامي بأنها قد تنتهي وتتناثر أمام القوة المنافسة إذا لم تظل على تماسكها وتكتلها .
إن الضعف الذي استشعرته القوة المؤدلجة اضطرها إلى البحث عن آليات غير سياسية ، والاستعانة بقوى تمتلك وسائل قوة غير سياسية تمكنها من الاستحواز على كل مقدرات العملية السياسية أو أكبر قدر منها ، منتزعة إياها من القوة التي استحوزت عليها وهي القوة الإسلامية ، فاستعانت من أجل ذلك وفي مرحلة الصراع الحقيقي بالجيش والأمن والقضاء والإعلام ، وتمكنت فعلياً من جذب هذه الآليات والانخراط معها وتوحيد الأهداف في هدف واحد محدد وهو السيطرة على مفاصل الدولة وإقصاء القوى الأخرى ، بل وربما تصفيتها وإنهاء وجودها من الواقع السياسي والاجتماعي ، وكان العامل الموحِّد لهذه المجموعة من القوى هو العداء للإسلاميين ، في حين ظل كل طرف من أطراف هذا الإئتلاف يحتفظ بهدفه الخاص وهو الحكم .
ب : الإسلاميون [أصحاب الأيديولوجيا ذات المرجعية الإسلامية] :
في مقابل القوة السابقة إئتلف من ينتمون إلى الأيديولوجيا ذات المرجعية الإسلامية في إئتلاف رخو أو هش عُرف بالإسلاميين أو بالتيار الإسلامي أو بالإسلام السياسي ، وجمعت أيضاً هذه القوة من ينتمون إلى المرجعيات الإسلامية من أقصى اليمين حيث الجهاديين التائبين إلى أقصى اليسار حيث الإخوان المسلمين مروراً بالسلفيين والوسطيين ، وتمتعت هذه القوة بمكنات قوية ، حيث شاركت بقوة في الثورة ، وساهمت من قبل في تثوير المجتمع المصري الذي لم يستجب لها إلا في أواخر العام الأخير من العقد الأول من الألفية الثالثة ، بفعل تضافر وتكاتف عوامل متعددة ومتنوعة .
بالإضافة إلى ما تقدم تمكنت هذه القوة من التحرك على أرضية شعبية صلبة وبصفة خاصة من الطبقتين الدنيا والوسطى اللتين قُدّر لهما أن يمكّنا تلك القوة من أن تتغلغل في نسيجهما بسبب الاستثمار الجيد للبعد الديني الدعوي ، وبسبب اقتران ومزج كل من العمل الدعوي من ناحية أولى ، بالعمل الاجتماعي التطوعي التكافلي من ناحية ثانية ، بالعمل السياسي من ناحية ثالثة ، وكان من شأن الاستثمار الجيد لهذه القدرة التي امتلكتها القوة الإسلامية أن يدفع بها إلى التفوق على القوة المنافسة من حيث رصيد التأييد والمؤازرة الشعبية ذات الصبغة أو السمة الاجتماعية المغلفة بالغلاف الديني الأخلاقي في المجتمع .
وفي مقابل استعانة قوة المؤدلجين فكرياً بالأدوات الأربع وهي الجيش والأمن والقضاء والإعلام ، استعانت القوة الإسلامية وراهنت على الأرضية الشعبية التي تمتلكها ، والتي أوصلتها إلى الاستحواز على مؤسسات النظم السياسية الوليدة ، واتضح أن كل قوة تستخف بفكرة التعدد والتنوع الثقافي والسياسي وليس لديها الاستعداد حتى لقبولها ، واحتدم الصراع بين القوتين وفي غمرة ذلك الصراع أُهدرت مقدرات مصر وحوصرت إقليمياً وعالمياً .
لقد ساهمت كافة القوى الاجتماعية المكونة لبنية الشعب المصري في الفعل الثوري ، وكانت القوى الإسلامية في مقدمة تلك القوى ، انطلاقاً من رصيدها النضالي الطويل ، وأستناداً إلى قدراتها التنظيمية الفائقة ، وتعويلاً على فعاليتها المميزة في تلك الثورة ، وارتباطاً بالمكانة المتقدمة التي حققتها كنتاج لمساهمتها في هذه الثورة ، وكانت النتيجة أن أضحت القوى الإسلامية أهم فواعل ومحركات ومحفزات الثورة المصرية .
وكان من أهم نتائج الثورة المصرية تحصل القوى الإسلامية على المشروعية والاعتراف الرسمي سياسياً واجتماعياً ، وتحولها إلى أحزاب سياسية تنافس من أجل الوصول إلى سدة الحكم وقيادة المجتمع المصري .
لقد تكونت القوى الإسلامية ونشأت في مصر ، ثم انطلاقت في شكل تنظيمات سرية ، وتغلغلت في ثنايا وتضاعيف عقول وديناميات المجتمع المصري ، من خلال قدرتها على استثمار المرجعية الدينية المتمثلة في القرآن والسنة في الاستحواذ على اهتمام أبناء تلك المجتمعات وترسيخ قناعاتهم بصدقيتها ومنهجها .
ومع انبلاج الثورة المصرية تأصلت الأيديولوجيا الافتراضية أو النظرية ذات المرجعية الإسلامية للقوى الإسلامية التي دعت إليها بآلياتها ذات الخصوصية داخل المجتمع المصري ، وذلك في مواجهة أيديولوجيات مشوهة ومشوشة ذات مصادر غربية .
وظلت القوى الإسلامية متفوقة في التنظيم الذي صممته ليتواءم مع وضعها كجماعات محظورة ، في مواجهة نظم سياسية ديكتاتورية ، في الوقت الذي أعدت القوى الإسلامية لبناء نظام سياسي جديد ، كما أعدت طروحاتها لتحقيق تنمية شاملة مستدامة تشمل كل المجتمع وتبقى إرثاً للأجيال .
لفد جاهدت النظم السياسية الديكتاتورية الإساءة إلى الرصيد النضالي للقوى الإسلامية وتشويهه ، واستخدامه كفزاعة لتخويف المجتمعات ، وحصد الدعم من الغرب للتصدي لتلك القوى إلى أن كشفت الثورة المصرية زيف هذا المنطق الذي سرعان ما تهاوى .
ولعل تحليل التاريخ النضالي للقوى الإسلامية في المجتمع المصري يضع هدف الدعوة إلى الإسلام وقويم الدين على رأس سلم أفضليات تلك القوى ، فلقد بدأت وجودها بوصفها جماعات دعوية ، وليس بوصفها تنظيمات سياسية .
كذلك ومنذ نشأتها تجلت النزعة العدائية للقوى الإسلامية تجاه القوى الخارجية والسيطرة الأجنبية على مصر ، ومع الوقت تحولت تلك النزعة إلى هدف مهم من أهداف تلك القوى ، بل ومبرر من مبررات وجودها وشرعيتها ، ولم يقتصر العداء والصدام الدائم بين القوى الإسلامية في المجتمع المصري وبين الأجنبي أو الدخيل على الوجود المادي في شكل سيطرة واحتلال ، بل تجاوز هذه الصورة إلى صورة الصراع الفكري والثقافي والحضاري ، وتبلور في النهاية في رفض الآخر شكلاً وموضوعاً قلباً وقالباً .
إلا أنه بعد انحسار السيطرة الأجنبية في شكل استعمار تقليدي وتخفيها في صور وأشكال جديدة عرفت بالاستعمار الجديد ، احتدم الصراع بين القوى الإسلامية والنظم الحاكمة تحت دعاوى كثيرة تبناها كل طرف ، عندئذ بان الهدف السياسي لتلك القوى ، وتجلت الهوية السياسية لها ، وشرعت تطالب بالحكم وبأحقيتها وجدارتها به ، تأسيساً على قوامة منهجها الذي هو منهج الله ، وأصبح النضال ضد استبداد النظم الحاكمة هو الهدف الأول لهذه القوى ، حيث احتل موقع الصدارة في أولوياتها ناقلاً هدف الدعوة إلى موقع لاحق ، وهذا أوضح دليل وأقوى مبرر على الوجود البارز للقوى الإسلامية في مقدمة القوى الثورية في الثورة المصرية .
ومن العلامات البارزة كذلك في تاريخ القوى الإسلامية في مصر نضالها من أجل المشروعية وتطبيق الشريعة ، والمشروعية التي كافحت من أجلها القوى الإسلامية تعينت في اعتراف السلطة والنظم الحاكمة بها ، أما الواقع الإجتماعي فكان يعرفها حق المعرفة بل كان على صلة وثيقة بها ولم يرفضها أبداً ، وبالنسبة لتطبيق الشريعة فهو مطلب مهم لهذه القوى أرادت أن تفرضه على المجتمع وعلى أنظمة الحكم ، وكانت على يقين من أنها الوحيدة المؤهلة والجديرة بتطبيق الشريعة من خلال وجودها في سدة الحكم .
وعلى مدى تاريخها والقوي الإسلامية تحاول تفجير الثورة في المجتمع المصري ، ولكنها لم تفلح في تثوير ذلك المجتمع لأسباب كثيرة ، وعندما تفجرت الثورة في المجتمع المصري لأسباب وديناميات لم يكن إسهام القوى الإسلامية فيها مباشراً أو رئيساً سرعان ما تقدمت الصفوف ، وطفت على السطح كإحدى أهم الفصائل الثورية ، واستثمرت خبرتها الطويلة في التنظيم ، وجمعت حولها أنصاراً جدداً كانت بمثابة قوة الدفع نحو سدة الحكم .
لقد كانت الثورة المصرية الفرصة السانحة أمام القوى الإسلامية للظهور إلى النور والإعتراف بها وبدورها كمكون من مكونات المجتمع المصري ، بل كمكون نشط وفعال لم يخف طموحه الذي أصبح مشروعاً للوصول إلى الحكم ، وذلك بالرغم من الجدل الذي ثار على كافة المستويات حول دور القوى الإسلامية في الثورة المصرية ، وحول ما تردد من سرقتها للثورة وافتئاتها على القوى الأخرى التي ساهمت في الثورة ، بل ربما كانت هي مفجرها الأساس ، والحق الذي لامراء فيه هو أن القوى الإسلامية كانت أول من استفاد من تلك الثورة .
لقد تصدرت القوى الإسلامية كافة القوى السياسية في المجتمع المصري ، ليس هذا فقط بل أفلحت بجدارة في الاستحواذ على التأييد الشعبي ، وبدت وكأنها أهم وأقوى فصيل ثوري .
ثم واصلت القوى الإسلامية نشاطها وفعاليتها في الثورة المصرية ، وذلك من خلال تأسيس النظام الجديد ، وشرعت تلك القوى تخوض في مرحلة جديدة وشديدة الحساسية في تاريخ المجتمع المصري ، ولعل أول الإشكالات التي اعترضت طريق القوى الإسلامية وهي بصدد إرساء النظام الجديدة تجسد في تمثيل القوى الوطنية في النظام الجديد ، ففي الوقت الذي جاهدت القوى الإسلامية من أجل الاستحواذ على التأييد الشعبي الذي يوصلها للحكم ، كان عليها في ذات الوقت أن تستجيب للقناعات الثورية ، وهي تجسيد كافة ألوان الطيف السياسي والإجتماعي في المجتمع المصري .
كذلك كان من الإشكالات التي واجهت القوى الإسلامية وهي بصدد تأسيس النظام الجديد في مصر قدرة وجاهزية تلك القوى على مواءمة الأيديولوجيا الإسلامية مع الواقع المعاصر ، وذلك من خلال شرح تلك الأيديولوجيا للرأي العام وإقناعه بها ، ثم القدرة على تحويلها إلى واقع معاش ، وقدرتها كذلك على تحقيق التنمية في المجتمع المصري .
ثم كان على القوى الإسلامية أن تعمل على تكييف رؤيتها للدستور والمؤسسات الرسمية للنظام السياسي مع الواقع الذي يغص بالقوى السياسية متباينة التوجهات ، وذلك بتحقيق التوافق حول تلك المكونات ، ثم بإشراك جميع القوى السياسية والإجتماعية في تلك المؤسسات ، ونفس الفعل يجب أن يتم فيما يتعلق بالمؤسسات غير الرسمية للنظام السياسي ، والمجتمع المدني .
وكان من شأن ما تميزت به القوى الإسلامية من احتفاظها برصيد وافر من التاريخ النضالي ضد أنظمة الحكم الدكتاتورية في مصر ، أن يؤسس لها أرضية إجتماعية صلبة تحرك عليها زخم مساند لتلك القوى ، دعمها بقوة في حصد تأييد الرأي العام ، ثقة فيها ، وفي تاريخها الحافل بمناهضة نظم الحكم الفاسدة ، وذلك في مواجهة قوى مهترئة لا تملك أية مقومات ذات شأن ، ما جردها من التأييد الشعبي اللازم لدعمها في مواجهة القوى الإسلامية .
وقد كان من أهم نتائج الثورة المصرية تحصل القوى الإسلامية على المشروعية والاعتراف الرسمي سياسياً واجتماعياً ، وتحولها إلى أحزاب سياسية تنافس من أجل الوصول إلى سدة الحكم وقيادة المجتمع .
وبالفعل صعدت الأحزاب الإسلامية إلى سدة الحكم في مصر بعد الثورة ، وذلك عبر نجاحها في فعلين متتاليين ومترابطين :
الفعل الأول تجسد في حصول الأحزاب الإسلامية على المشروعية بعد الثورة المصرية، وحيث انطلقت لكي تنهي واقعاً وتشرع في خلق واقع جديد ، لا يرفض ولا يحظر وجود وعمل الأحزاب الإسلامية .
كذلك تخلق الشرعية الثورية المشروعية ، أي الدستور وهو الوثيقة الوفاقية التي تراقب القوانين وتعتبر معياراً لها ، وتحدد السلطات الرسمية والعلاقة بينها ، وعلاقة المواطن بسلطات الدولة .
ثم تتحول الشرعية الثورية إلى شرعية منتظمة تُستدعى عند إقرار القرارات المصيرية مثل انتخاب الرئيس والبرلمان .. إلخ .
أما الفعل الثاني فقد برز في إستحواذ الأحزاب الإسلامية على التأييد الشعبي والوصول إلى الحكم ، وقد جاء النجاح في هذا الفعل نتاج عوامل متعددة : أولها الرصيد النضالي لتلك الأحزاب في مواجهة النظم السياسية الدكتاتورية ، وثانيها القدرة التنظيمية لتلك الأحزاب عقب أن ظلت تعمل لفترة طويلة بشكل غير رسمي وغير معترف به ، وثالثها دورها في الثورة المصرية وتقدمها القوى الثورية ، ورابعها ضعف الأحزاب الأخرى المنافسة في مصر وعدم قدرتها على اجتذاب الرأي العام ، وخامسها تعاطف قوى إقليمية وعالمية وربما دعمها للأحزاب الإسلامية بما يعود عليها بالنفع .
لقد برزت الأحزاب الإسلامية متدرجة من أقصى التطرف إلى أقصى الاعتدال ، ووصلت إلى سدة الحكم من خلال السيطرة على السلطتين : التشريعية بمجلسيها النواب والشورى ، والتنفيذية بقمّتيها الرئاسة والحكومة ، حتى مؤسسات المجتمع المدني ، ظهر منها العديد الذي ينطلق من المرجعيات الإسلامية ويستهدف غايات إسلامية .
لقد طرحت الثورة المصرية نموذجاً مبتكراً من التجارب في بناء الدولة الحديثة وتحقيق التنمية الشاملة ، ينطلق من المرجعيات الإسلامية ويستلهم منها آليات حركته .
ت : غير المؤدلجين :
بين القوتين السالف الإشارة إليهما تشكلت قوة أخرى اختُلف في تقدير حجمها وقوة تأثيرها في المشهد السياسي في مصر ، وتكونت هذه القوة من الإئتلافات الثورية الشبابية التي تأسست أثناء وعقب الثورة ، ومن بعض الحركات التي تأسست قبل الثورة ، وناضلت هي الأخرى من أجل تثوير المجتمع المصري مثل بقايا من حركة كفاية وحركة السادس من أبريل والجبهة الثورية من أجل التغيير ، وحركات شبيهة أخرى .
وقد كافح هذا الشباب من أجل فرض نفسه على الساحة السياسية بعيداً عن القوتين السابقتين في شكل تيار مستقل ، لا يملك أيديولوجيا محددة واضحة المعالم ، ولكنه اتخذ شعارات وطنية مثل [عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية ـ كرامة إنسانية] وتعويلاً على استقلالية هذه القوة نجحت القوة الأولى بما لديها من عناصر جذب وإغراءات من اجتذاب الكثير من فصائل وتيارات هذه القوة والتغرير بها من أجل ترجيح قوتها وإضفاء الشرعية على أفكارها وسلوكاتها وهي بصدد خوض الصراع مع القوة الإسلامية ، ولا شك أن ذلك كان بمثابة علامة فارقة في حسم ذلك الصراع لمصلحة غير الإسلاميين ، وحتى لو استُخدم الدهاء والخداع السياسي ، فهو وفق منطق هذه القوة مباح بل واستخدامه من قبيل التمرس على السياسة .
إلا أن انخراط القوة غير المؤدلجة في الصراع السياسي في مصر ، لم يكن واضحاً ، وأثار علامات استفهام ، حيث أن هذه القوة لم تدخل إلى حلبة الصراع بشكل مستقل ، لعدم تملكها أدوات الصراع المتاحة للقوتين الأخريين ، ومن ثم كانت دوماً أداة ووسيلة يراهن عليها هاتان القوتان ، وعليه فقد كانت وربما ستظل قوة مرجِّحة يتصارع القوتان من أجل السيطرة عليها ، في الوقت الذي يمكننا القول أن تلك القوة تسعى لتملك عناصر الصراع ، وينتظرها مستقبل واعد في المشهد السياسي في مصر .
ثانياً : القضايا محل الصراع :
في إطار الصراع من أجل السلطة تحددت معالم القضايا محل الصراع بين القوى الثلاث المتصارعة في مصر ، ومن ثم تبلورت في القضايا التالية:
أ : النظام السياسي ومكوناته :
لم تكن الصورة واضحة لدى القوى الثلاث حول النظام السياسي المناسب والمرغوب في مصر ، وشكل ذلك النظام ، ومن ذلك كان الخلاف حول الدستور أولاً أم تشكيل المؤسسات السياسية أولاً ، وهل ما يناسب مصر هو النظام البرلماني أم النظام الرئاسي ، كذلك تم الخلط بين مؤسسات وعناصر الدولة ومؤسسات النظام السياسي ، وأيضاً حدث الخلاف الحاد بين مؤسسات المجتمع المدني وطبيعة وكيفية عملها في المجتمع المصري والحرية والاستقلالية التي ينبغي أن تتمتع بهما في مواجهة السلطة السياسية .
ب : الشرعية والمشروعية :
كذلك حدث خلاف حاد ومدمر بين مفاهيم الشرعية الثورية والشرعية الرتيبة المنتظمة والمشروعية :
فالشرعية الثورية هي ثورة شعبية تنتاب عموم المجتمع أو قطاعاً عريضاً منه ، وتمثل سنداً لآراء ومواقف وأفعال تعمد إلى تغيير الواقع وتشكيل واقع جديد ، وبتشكيل ذلك الواقع تتحول تلك الشرعية الثورية إلى شكلين آخرين من الشرعية كما هو تالي .
الشرعية الرتيبة المنتظمة : تتحول الشرعية الثورية إلى شرعية رتيبة منتظمة تُستدعى عند الرغبة في إقرار القرارات المصيرية مثل انتخاب الرئيس والبرلمان ، حيث تصبح هذه الشرعية هي السند أو الإرادة الشعبية التي تمثل المرجعية النهائية .
المشروعية : كذلك تخلق الشرعية الثورية المشروعية ، أي الدستور وهو الوثيقة الوفاقية التي تراقب القوانين وتعتبر معياراً لها ، وتحدد السلطات الرسمية والعلاقة بينها ، وعلاقة المواطن بسلطات الدولة .
ت : التطبيق الفعلي لمبدأ الديمقراطية :
حتى تطبيق مبدأ الديمقراطية لم يكن عليه اتفاق بين القوى السياسية في مصر بعد الثورة ، بل كان محل خلافات عميقة تدل على عدم صدق النوايا والعبث بمبدأ الديمقراطية واستثماره في تحقيق مآرب سياسية ، فمثلاً الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة وفق مبدأ الديمقراطية من أجل تداول السلطة ، وحسب القوى السياسية في مصر ، فإن الانتخابات هي كذلك إذا حققت المقاصد والمآرب الخاصة ، أما إذا حققت مكاسب للخصم ، فلا يعتد بها ، ويجوز بل ينبغي اللجؤ إلى الشرعية الثورية مرة أخرى ، ومن ثم نشأت أحجية هل تداول السلطة يتم عن طريق الصناديق أم الميادين ! وهذا مترتب على تلاعب القوى السياسية بمفاهيم الشرعية والمشروعية التي سبق الحديث عنها ، وعلى فساد القوى السياسية بأحزابها التافهة ، التي لا تملك طرحاً فكرياً مقنعاً ، ولا تملك قواعد للحركة السياسية ، ولا أرضية شعبية تدعمها في التنافس السياسي من أجل الوصول إلى الحكم .
ث : الأيديولوجيا :
كذلك كانت الأيديولوجيا واجبة التطبيق والمحقِّقة لمطالب وطموحات الشعب المصري عقب ثورته المجيدة هي الأخرى محل خلاف حاد ، ويُفترض وفق فكرة التنوع والتعدد الثقافي والسياسي ، أن يتم التوافق على أيديولوجيا تجمع القواسم المشتركة لكافة الأيديولوجيات التي تتبناها القوى السياسية المتنافسة .
إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث ، حيث عمدت كل قوة إلى طرح أيديولوجيتها على أنها الخيار الاستراتيجي الوحيد واجب التطبيق ، ثم قاتلت من أجل ذلك ، ما قاد إلى احتدام الصراع السياسي من أجل تغليب الرؤية الواحدة وإقصاء كافة الرؤى الأخرى ، ولو إلى الهلاك .
ج : أدوار القوى غير السياسية :
كذلك نشب الخلاف حول الدور السياسي لمؤسسات غير سياسية وهي الجيش والأمن والقضاء والإعلام وهي مؤسسات يُفترض فيها الحياد والاستقلالية لأنها من مؤسسات الدولة ، وليست من مؤسسات النظام السياسي ، وكانت الرؤيا السائدة أن هذه القوى مُبّرأة من الفعل المخالف من وجهة نظر القوى التي تتدخل لمصلحتها ، فإذا تدخلت لمصلحة القوة غير الإسلامية فتدخلها مقبول ولا ضير ، وأصبح التدخل مجرَّماً وغير مقبول من وجهة نظر القوة الإسلامية والعكس صحيح .
ومعنى ذلك أن ثمة عدم اتفاق على موقف واضح ومحدد وقاطع بين القوى السياسية في الساحة السياسية للمجتمع المصري على رفض تدخل الجيش والأمن والقضاء والإعلام في الشأن السياسي ، وذلك لغياب الفهم لدى هذه القوى للفارق بين مؤسسات الدولة التي يُفترض فيها الحياد ومؤسسات النظام السياسي .
ثالثاً : تدخل فواعل من خارج العملية السياسية في التفاعل السياسي [الجيش والشرطة والقضاء والإعلام] :
بالإضافة إلى عدم التوافق على قواعد الحكم وإدارة شئون الدولة تجلت كذلك مفردات عدم الاستقرار السياسي في المجتمع المصري في تدخل فواعل من خارج العملية السياسية في التفاعل السياسي ، وهي [الجيش والشرطة والقضاء والإعلام] ، ولعله من نافلة القول أن هذه المؤسسات هي مؤسسات للدولة ، ولا ينبغي أن تتدخل بأي شكل في العملية السياسية ، ولا تنحاز إلى أي طرف من الأطراف .
ولكن ما حدث في مصر كان عكس ذلك ، فقد تدخلت تلك الفواعل لمصلحة إحدى القوى السياسية بشكل أفشل تلك العملية وعصف بمبدأ الديمقراطية ، وبصدد تدخل الفواعل من خارج العملية السياسية يعن تساؤلان على النحو التالي :
أ : التساؤل الأول : هل التدخل هو مبادرة لتحقيق مطالب والدفاع عن مصالح لتلك الفواعل ؟
الثابت أن تلك الفواعل كانت تبحث عن القوة السياسية التي يمكن أن تحقق لها مطالبها وتحافظ لها على مصالحها ، فالجيش في مصر على سبيل المثال ، كان لا بد من أن ينحاز إلى الطرف الذي يضمن لقياداته الممثلة في المجلس العسكري ميزاتها التي تدّعي أنها للجيش كله ، وأنها مطلب استراتيجي وطني للجيش الوطني الذي يمثّل كل المصريين .
والشرطة المصرية كانت تتوق إلى أن تعود مرة أخرى بعد انكسارها في ثورة يناير لتمارس دورها كسالف عهدها في القمع والكبت والتسلط وإذلال الشعب ، والقضاء بادر بالتدخل في العملية السياسية ، لكي يحافظ هو الآخر عما له من امتيازات ويخفي ما فيه من مثالب ، والإعلام هو الآخر حدد مساره خلف من ييقن بأنه سوف يحقق له المكاسب المادية .
ب : التساؤل الثاني : هل التدخل هو استدعاء وتوظيف لتلك الفواعل من قوى سياسية أخرى:
اليقين الذي لا ريب فيه أن هذه الفواعل قد تم استدعاؤها من قِبَل قيادات الجيش لتغطية وتغليف ودعم ومساندة تدخلها في الحياة السياسية ، وتحقيق مصالح قد تعم على الجميع ، وهي السيطرة على الحكم في مصر وتوزيع المكاسب ، وأن الجيش كان يتوق إلى الحكم ليُبقي على الحكم العسكري الذي قوّضته الثورة ، ويعيد سيطرته على السلطة بشكل وأسلوب جديدين ، وكان استدعاء تلك الفواعل ومعهم قوة المؤدلجين فكرياً لكي تضفي غطاءً سياسياً على التدخل .
والحقيقة أن تدخل الجيش والشرطة والقضاء والإعلام في الحياة السياسية عقب الثورة المصرية ، قد تم بدعوة من إحدى القوى السياسية التي فشلت في الحصول على مكاسب مُرضية تحقق مصالحها وترضي طموحاتها وتحالف الجيش مع تلك القوة ، قابل تلك الدعوة قبول وترحيب من تلك الفواعل .
وفي الوقت الذي وافقت إحدى القوى السياسية على تدخل الفواعل غير السياسية في الحياة السياسية بل واستدعتها للتدخل ، عارضت ذلك قوة أخرى تحت دعوى عدم جواز هذا التدخل ، لأنه يخرب الحياة السياسية في مصر .
رابعاً : تحول التنافس والتنوع والتعدد السياسي والثقافي إلى صراع مدمر يستهدف وجود الفواعل السياسية :
التنافس عموماً وفي الحياة السياسية خصوصاً يعني الدخول في مبارة وفق قواعد متفق عليها ويلتزم بها المتبارون ، هدفها إبراز المقدرات والمكنات واستخدامها في تحقيق التفوق والفوز ، وفي الشأن السياسي الهدف هو النجاح في إدارة الدولة بكفاءة وتحقيق مطالب وطموحات أبناء المجتمع .
ومن ثم فللتنافس قواعد وقوانين يجب على المتبارين الالتزام بها ، مثل احترام كل منهم للآخر ، والحفاظ عليه ، والالتزام بقيم ومبادئ المجتمع ، وللتنافس كذلك حدود لا ينبغي أن يتخطاها وهي ألا يتحول إلى صراع مدمر ، يسعى من خلاله أي طرف لتدمير الطرف أو الأطراف الأخرى وإنهاء وجودها .
إلا أنه بعد الثورة المصرية بدأ التنافس بين القوى السياسية الموجودة في الساحة السياسية ، يتحول إلى صراع مدمر ، عمدت من خلاله القوة الفاشلة التي لم يُقدّر لها تحقيق مآربها والحصول على ما تطمح إليه من السلطة إلى العمل من أجل إفناء القوة المقابلة وإنهاء وجودها ، مستعينة من أجل تحقيق هذا الهدف بما أُتيح لها من القوة ، وكانت قوة الجيش والشرطة هي المتاحة ، فشرع هذا الفريق المتكتل في تدمير قوة الإسلاميين والتطويح بميزة التعدد والتنوع الثقافي والسياسي في المجتمع المصري التي توسمناها بعد الثورة .
وبذا تكون قد سادت نقائص الأثرة والإقصاء والإبعاد وسيادة الرؤية الواحدة ، وساءت الأحوال بعد الثورة مقارنة بما سبقها ، وكأن الثورة لم تأت بما قامت من أجله وهو التعدد والتنوع الثقافي والسياسي في المجتمع والحياة السياسية المصرية ، الذي يعتبر إحدى أهم لزوميات مبدأ الديمقراطية والقيم السياسية .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.