بانوراما الواقع المصري منذ 25 يناير 2011م (1)

0

*مدخل :
لم يكن من المنطقي الاعتقاد بأنه يمكن للثورة المصرية أن تنتصر على النظام الأخطبوطي اللعين ، ويمضي الأخير دون أن يخلّف وراءه ، إرساباته المنتنة ، وشوائبه العفنة ، وإفرازاته المريرة ، فتعكر صفو الربيع ، وتعرقل عملية البناء ، وتكيل التهم والفِرى للثورة ، وتحيطها بالشبهات ، وينشط المرجفون ، وتعلو الجلبة ، ويكثر اللغط ، ويختلط الحابل بالنابل ، ويتجسد مشهد الفوضى في بيئة خصبة ومرتع وخيم مشجع على التآمر والخيانة للثورة .
ومن الخطأ أن نقلل من شأن حثالات النظام المباد ، ومن السطحية أن نيقن أن ذلك النظام لم يعشعش بأفكاره الرهيبة في عقول تلك الحثالات ، ومن الضحالة الاعتقاد بأن ذيل الحية لا يؤذي ، وفي ذات الوقت من الحصافة أن نفقه الواقع حق الفقه ، ونتفاعل معه بصدقية وشفافية ، لننقذ ثورتنا ، ونبرئ ساحتها مما يُلصق بها من تهم ، وبدون هذه الوقفة الصارمة الحازمة سيفلت العقال ، ونخسر كل شيئ ، وسيتبدد حلم الدولة المدنية ، ونفيق على واقع مرير نعاين من خلاله شبح الدولة الفاشلة !!
ألم نأمل في أن ننقذ البلاد والعباد من الظلم والعسف والقمع ، ألم نعشم في تنقية الأوطان من الفساد ، ألم نصبو نحو دولة وحكم ومجتمع رشيد ، لماذا لم يحدث ذلك فور نجاح الثورة المصرية في تقويض النظام الفاسد ؟! لماذا استُبدِلت الفوضى بالأمل والعشم والصب ، مَن مثير الفوضى ، ومَن مغذيها ، وهل للثورة المصرية صلة بالفوضى ، وهل هي مستجد تلقائي مرتبط بمرحلة ما بعد تقويض النظام المباد ، ومتغير ضمن متغيرات المرحلة الإنتقالية ، أم هي نتاج مؤامرة ، وكيف نَجُبُّ تلك المؤامرة ، ونبرئ ساحة ثورتنا ، ونُبقي عليها نقية طاهرة ، حتى تنطلق في عزم ومضاء نحو غايتها النهائية ، وهي إقامة دولتها ومجتمعها الرشيد ، المرتكز على ركائز ثابتة .
إن إشكال الفوضى الذي تلى نجاح الثورة المصرية في إزاحة النظام الفاسد ، لهو من أهم الملامح التي شكلت معالم البيئة التي ارتسمت بعيد نجاح الثورة المصرية ، ومن ثم أضحت من أصعب وأول المسائل التي ينبغي أن توجه إليها كافة الجهود والاهتمامات على المستويين : الفكري المنهجي ، والواقعي الإجرائي ، لدراستها وتحليلها والوقوف على فواعلها وتفاعلاتها وإفرازاتها ونتائجها على تلك الثورة .
وفي دجى النقع يلوح بريق أمل يقيننا أن يبدد ظلمة الفوضى الحالكة ، إنه الشباب عماد أي جيل ، والمجتمع ونظامه هما اللذان يوطدان تلك العماد أو يقوضانها ، وقد أماطت الثورة المصرية اللثام عن جيل من الشباب المبدع العبقري ، الذي تم تهميشه على مدى عقود طويلة ، والذي فجّر الثورة وقادها ، ويحتاج إلى الاعتذار والمواساة والاعتراف بالجميل ، ويحتاج في ذات الوقت للخبرة والتأهيل ، حتي يتمكن من بناء الدولة والمجتمع المصري الجديد.
والشباب ليسوا وحدهم في الساحة ، فهي مكتظة بشراذم محترفي السياسة ، ومضادات الثورة ، وحثالات النظام الهالك ، تستثمر بيئة التآمر وفوضى الضياع من أجل إجهاض الثورة ، وتسفيه الديمقراطية .
لقد أظهرت أحداث ما بعد نجاح الثورة أن محترفي السياسة الذين ظهروا على الساحة بعد الثورة يحتفظون للسياسة بمفاهيم المظهرية والتصرفات الدراماتيكية ، كما أن الأحزاب العتيقة البئيسة التي لم تفد الشعب المصري بقدر ممالئة الحاكم وغض الطرف عن الفساد ، بل وتشجيعه على إهدار كرامة الناس وإفساد الحياة الآدمية بكافة مفرداتها وتفاعلاتها .
المشهد الأول : بيئة التآمر وفوضى الضياع :
في هذا المقال نتولى توصيف مشهد الفوضى متعدد الفواعل والتفاعلات والإرسابات والنتائج ، الذي تلى ثورة 25 يناير 2011م ، وذلك من خلال ما يلي :
أولاً : الإخفاق السياسي لقيادات المرحلة الإنتقالية :
لقد تعاهدنا على الشفافية ، وتقاسمنا على الصدقية ، وتواثقنا على المناصحة ، واتخذنا من كل تلك الفضائل سمات المرحلة الجديدة التي بدأتها الثورة المصرية .
وانطلاقاً من ذلك نقول بأن كافة القيادات السياسية التي عايشت الثورة وخاضت المرحلة الإنتقالية ، كانت حلقة وصل بين النظام المباد وبين الثورة ، شاءت ذلك أم أبت ، وكانت تلك القيادات بمثابة إحدى المعطيات التي صنعتها التفاعلات التي قدمت للثورة ، ثم التحمت بها ، وربما انصهرت معها في بوتقة واحدة ، فأصبح من الصعب فصل عناصر المركب الذي شكل قوام المرحلة الإنتقالية ، وليس ذلك بعيب أو مأخذ يؤخذ على تلك القيادات ، كما لا يمكن الشك أو التشكيك في صدقيتها أو نواياها في كثير من الأحيان .
وهذه القيادات إما أنها انفصلت مبكراً عن جسد وبنية النظام المباد وتبرأت منها ، ودأبت على معارضته خارج البلاد ، مترقبة الفرصة للثورة عليه والتطويح به ، وإما أنها انفصلت مع مقدمات الثورة وظهور بواكيرها ، وتبرأت من ذلك النظام ، وتحيزت للثورة ، وإما أنها هي التي قامت بالثورة وأشعلت شرارتها ، وواصلت الدفع بها إلى أن انهار النظام الفاسد .
ولا يمكن الإدعاء بأن القيادات التي عكفت على تصريف شئون البلاد حال الثورة وبُعيْدها ، كانت خبيرة بالقيادة السياسية ومتضلعة بالحكم ، بل جاءت إلى السياسة والحكم في ظروف دقيقة وأحوال مضطربة ومستقبل غامض ، ففي فترة الثورة واجهت تلك القيادات النظام العاتي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، ويتصرف بوحشية لا توصف ، وتصدر عنه أفعال يائسة بائسة .
وبُعيْد الثورة كانت كافة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في وضعية يُرثى لها ، وخرجت القيادات السياسية من مواجهة النظام الدموي عبر ثورة لم تخل من العنف وإراقة الدماء ، لتدخل إلى مواجهة الأوضاع المتردية عبر مخاطر وتحديات ، استغلها المنافقون والمرجفون لإجهاض الثورة أو وأدها ، وكان ذلك هو حال القيادات السياسية التي قادت الثورة إبان الثورة وبُعيْدها ، ظروف إضطرارية للعمل السياسي ، مع خبرة مفتقدة أو معدومة ، في بيئة مشحونة بالرعب ، وانهيارات لبنية الدولة والمجتمع ، وتيارات فكرية وقوى سياسية متعارضة وربما متصارعة فكرياً وحركياً ، وهكذا ارتسمت ملامح ما يعرف بمرحلة التحول ، وهذه المرحلة وفق منطق الاجتماع السياسي لا بد من أن تعقب الثورات ، لكي تمهد لبناء الواقع الجديد الذي تأمل فيه الثورة وتتمناه .
وتتعدد نقاط الضعف التي منيت بها القيادات السياسية التي قادت مصر إبان الثورة والمرحلة الإنتقالية ، ويتمثل أهمها في الآتي :
أ : غياب الخبرة : سبق وأشرنا إلى انعدام الخبرة في تصريف الشأن السياسي ، وما صحبه من ارتباك ناتج عن الصراع مع النظام الذي بات يتسم في معظم الأحوال بالدموية ، ناهيك عن فقدان أو التباطؤ في التواصل مع أبناء الشعب المتعطشين إلى الوقوف على آخر التطورات السياسية .
ب :غياب التكتل : كذلك هناك غياب بشكل دائم أو في بعض الأوقات للتلاحم والتكتل خلف القيادات السياسية أثناء الثورة والمرحلة الانتقالية ، وربما تطور ذلك الجفاء إلى ما يشبه القطيعة ، بل وقد تحول إلى صدام مع المجلس العسكري .
ت :غياب القوة والحزم : ثمة مفارقة جديرة بالتأمل وهي افتقاد القيادات السياسية أثناء الثورة وبُعيْدها للقوة والحزم لفرض هيبة الدولة ، فإذا استُخدم الحزم ، تذمر الناس ، ووصفوا تلك القيادات بالاستبداد ، وأنها لا تفترق عن النظام المباد ، حيث أصبحت تتبنى منهجه في القمع ، وتلك القيادات في ذات الوقت تتحاشى الصدام مع أفراد الشعب فرادى أوجماعات ، بل تخطب ودهم وتسترضيهم فهم أصحاب الثورة ، وكان حلّ هذه المفارقة في الانضباط والالتزام الذاتي والحفاظ على النقاء الثوري ، والتمسك بقيم ومبادئ الثورة ، وهذا هو عهد وميثاق الثورة ، ومن يخرج على العهد والميثاق فهو ليس من الثوار ، وعلى هذا الأساس يتم الفرز بصراحة ووضوح وشفافية .
ث : مضادات الثورة : يضاف إلى ما تقدم قوة مضادات الثورة في مصر ، وقد استهدفت تلك المضادات إحباط أعمال القيادات السياسية ، أو تخريب علاقتها بأفراد الشعب ، ناهيك عن إثارة الفتنة بين أفراد الشعب ، والمثير للدهشة أن ثمة استجابة وقابلية للانقياد لدى القيادات السياسية من ناحية ، ولدى أفراد الشعب من ناحية أخرى ، لما تدبره وتحيكه تلك المضادات من أكاذيب ووقائع ، وما تثيره من فتن وقلاقل .
ثانياً : إنهيار أو تقاعس مؤسسات الدولة :
من ملامح مشهد الفوضى كذلك هو إنهيار مؤسسات الدولة أو تقاعسها عن القيام بمهامها ، وبالإضافة إلى كون هذا الملمح هو من ملامح الفوضى ، إلا أنه يحمل في طياته ماهو أخطر وأنكي ، حيث يمثل مقدمة لغياب كيان الدولة ، وانعدام وجودها كشخصية اعتبارية ، وانتهاء هيبتها ، ومن ثم توشك أن تدخل في وضعية اللادولة ، أو ما يُعرف اصطلاحاً بالدولة الفاشلة .
وللمرء أن يتخيل أنه يعيش في دولة يمكن أن يُعتدى عليه في أي وقت ومن أي أحد ، فمرفق الأمن لا وجود له ، وكذلك مرفق العدالة والصحة والخدمات الأخرى ، فكافة مؤسسات الدولة المختصة بهذه المهام والخدمات ، إما أنها قد انهارت ولم يعد لها وجود ، وإما أنها معطلة بفعل فاعل نكاية في الثورة ، أو لعدم توفر مقومات عملها .
ثالثاً : إنهيار الاقتصاد المصري :
من ملامح الفوضى أيضاً إنهيار الاقتصاد المصري أو توعكه بشكل قد يعيقه عن أداء مهامه في مرحلة التحول ذات الطموحات العريضة ، ولك أن تتخيل شعور الفرد عندما لا يجد قوت يومه ومن يعول ، سيصاب بالإحباط الذي يجعله يظن أن الثورة لم تفعل له شيئاً ، بل ربما كانت سبباً فيما آل إليه حاله ، ومن ثم يصبح أكثر قابلية للإنحراف ، والإقدام على نهب وسلب والتعدي على المال العام والخاص ، في وضعية غياب مؤسسات الدولة أو تقاعسها ، كما سبق الإيضاح .
وقد اندفع الاقتصاد المصري إلى هذا المنزلق ، لأنه اقتصاد هش ومتخلف ، ويعتبر الانهيار أو التوعك الاقتصادي من أخطر ملامح الفوضى وأشدها قتامة في حالة الثورة المصرية وما أعقبها من مرحلة تحول ، حيث أن تلك المرحلة تحتاج إلى مرتكزي الأمن والاقتصاد ، وإذا تبدد الأمن وتلاشى ، واعتل الاقتصاد أو انهار ، فستفشل الدولة وتذهب ريحها .
رابعاً : غياب القوى السياسية والاجتماعية :
غياب القوى السياسية والاجتماعية التي يثق فيها المجتمع ، وتشعره بالأمن والأمان ، وظهور الإنتهازية السياسية ، فذهاب واقع وترقب واقع جديد ، عملية تحتاج إلى ثوابت يطمئن إليها الناس ، في المرحلة الإنتقالية التي تتسم بعدم الاستقرار ، وانعدام الثقة ، وسيادة حالة من التوجس والريبة ، وهذا الوسط الموبوء هو نتاج مباشر وطبيعي للنظام المنهار ، الذي غيّب القيم ، وهمش المبادئ ، وأبرز الرذائل أمراً معتاداً ، وأظهر النقائص هي طبائع الأمور .
في هذه الحالة تصبح أفئدة الناس فارغة هواء ، تتهافت على من يمنحها الأمن والأمان ، ويعيد إليها الثقة في نفسها ، ويمنحها الأمل في الخروج من هذا الكابوس المخيف ، وهنا تبدو أهمية القوى السياسية والاجتماعية التي يثق فيها أبناء المجتمع ، ويشعرون في كنفها بالاطمئنان ، وأنها ستخرجهم من الضياع والهوان إلى الاستقرار ، ومن الطبيعي أن تتبارى القوى السياسية والاجتماعية في تقديم نفسها على أنها هي المنقذ المنتظر والبطل المخلّص ، وتشرع في تكييف وتوصيف الحالة ، ثم وصف العلاج ، من خلال عرض ما لديها من رؤى وطروحات وآليات ، وما حدث أن القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع المصري الحاضن للثورة ، لم تكن محل ثقة إجماع ذلك المجتمع ، حيث كان يُنظر إليها على أنها إفراز عهود الفساد ، ونتاج أزمنة السقم والاعتلال .
لقد اتسمت القوى السياسية والاجتماعية المشار إليها بالفعل بالركاكة والهشاشة وانعدام اللون والطعم والرائحة ، وبالرغم من ذلك سلكت سبيل التزلف والنفاق ، وعمدت نحو تغييب وعي الناس وتعمية إدراكهم ، ومن ثم نأت عن الموضوعية والواقعية ، فتحولت إلى أحد ملامح الفوضى في المجتمع المصري .
خامساً : غياب صنّاع الرأي من أهل الثقة والنزاهة :
يرتبط بما تقدم أن إخفاق القوى السياسية والاجتماعية في إثبات وجودها ، وانعدام قدرتها على القيام بالدور المتوقع لها ، قد صحبه غياب القيادات الفكرية وصناع الرأي من أهل الثقة والنزاهة ، لأن الجميع تحولوا إلى أصحاب برامج سياسية وتوجهات أيديولوجية ، فاستغلقت الأمور على الناس وغُمّ عليهم ، فعزت الحقيقة ، وندرت الصدقية ، وتشكك الناس في كل أمر ، وارتابوا في كل شيئ ، ولم يعد من ملجأ يلجئون إليه ، فكثرت الشائعات ، وانتشرت الأكاذيب ، وتشكل ملمح آخر من ملامح الفوضى .
سادساً : تخبط إعلامي وتغييب وتزييف للوعي :
من ضمن تركة الفساد التي خلّفها النظام المنهار ، الإعلام الساذج السفيه ، ووسائله المبتذلة المُسِفّة ، فلم يدر في خلد الكثير من الناس حتى المتعلمين أن ثمة فارقاً بين الإعلام ، الذي هو رسالة تحمل موقفاً فكرياً ، أو توجهاً ، أو رؤية ، أو قناعة ، أو حقيقة ، أو معتقداً ، موجهة نحو مخاطب مقصود بالضرورة ، من أجل إخباره ، واقناعه بمنطق الرسالة ، للحصول على تأييده ، أو تعاطفه ، أو إثارته واستفزازه ، وبين وسائل الإعلام ، التي هي الوسائط ، التي تتولى نقل الرسالة المشار إليها ، وهذه الوسائط قد تكون مقروءة ، أو مسموعة ، أو مسموعة مرئية .
وللأسف أنه ما كدنا نفتك من زمرة الدجالين الأفاكين المهرجين ممن يُسموْن بالإعلاميين في عهود الفساد ، حتى خرج علينا منذ انبلاج ثورة 25 يناير نوعان آخران : الأول من أصحاب الأقلام والأصوات والوجوه المستهلكة والمتهالكة ، والتي تصر على فرض نفسها على القارئ والمستمع والمشاهد رغم أنفه ، عادت في قناع جديد ، وكأنها الوحيدة التي تملك العطاء في ذلك المجال دون غيرها .
والثاني من الصبية والمراهقين الذين لم يكونوا أبداً على مستوى الحدث ، فكيف لصبي أو مراهق غير متخصص في أي شيئ ، ولا يحسن صياغة ولهج جملة بلغة الضاد ، أن توكل إليه مهمة توصيل رسالة غاية في الأهمية ، في مرحلة نهاية في الخطورة ، هدفها صياغة فكر ، وتشكيل عقل ، وبناء منطق .
أين الثقة من الكفاءات الشابة الرصينة التي تشمر عن ساعد الجد ، وتتقدم مسيرة العطاء ، وتطرح مفردات ثقافة الإبداع ، التي ينبغي أن تكون ثقافة الدولة المدنية الرشيدة في حقبة ما بعد الثورة ، أحقاً لم تكن توجد هذه الكوكبة ، أم ضُيّق عليها ، كما ضُيّق على المبدعين والمجتهدين والعباقرة في عهود الجهل والظلام ، من قبل دكتاتورية العقل المتخلف الجامد الجاهل !! ومرة أخرى وليست أخيرة ، افتقد الناس الخبر اليقين ، وافتقدوا كذلك الوسيلة المقنعة ، وبتنا في حيص بيص ، وأخذت الفوضى تضرب بأطنابها .
سابعاً : انفتاح الداخل على الخارج بشكل غير منضبط :
من غير المُحبّذ الانغلاق والإنكفاء على الذات ، فهو ردة إلى الخلف ، ومن غير المنطقي في ذات الوقت الانفتاح على الخارج ، بشكل يُمكّن ذلك الخارج من العبث في مفردات ومقدرات الداخل ، بما يجعله حمى مستباحاً ، فللداخل حرمته وقداسته ففيه الخصوصية والهوية والذاتية ، وللإطلال على الخارج ، واستقباله في الداخل ضوابطه ومحاذيره ، وهي ليست البوليسية بمعناها الآفل ، ولكنها قدرة المواطن المصري على الفرز عبر تحكيم نسق قيمي رفيع يفرق بين الغث والسمين .
لقد شهد المجتمع المصري خلال الثورة وبعيدها حالة من انفتاح الداخل على الخارج ، بشكل مكّن ذلك الخارج من العبث في مفردات ومكونات الداخل ، ما أجج الفوضى ، فليس كل ما يأتي من الخارج حميداً ، وليس كل نواياه حسنة .
ثامناً : تلاشي المؤسسات الأمنية بطريقة ثأرية تآمرية :
كذلك كان من أنكى ملامح الفوضى وأشدها وقعاً على النفس ، تبدد واختفاء المؤسسات الأمنية بطريقة تثير الشك والريبة ، فالطريقة التي هربت بها المؤسسات الأمنية في مصر أثناء الثورة ، تنم عن النهج الثأري الانتقامي من الشعب الذي رفض الأسلوب القمعي الدموي لتلك المؤسسات ، وتشي تلك الطريقة في ذات الوقت بالعقلية التآمرية ، التي تفكر بها تلك المؤسسات على الثورة المصرية ، وهذا التآمر هو فعل من أفعال العصيان والخيانة للمجتمع ، الذي يملك شرعية الحكم على هذه المؤسسات ومحاسبتها وعقابها .
تاسعاً : حرية حركة وفعالية مضادات الثورة :
لغياب التواصل العضوي الدائم بين الشعب والقيادات ، وغياب الشفافية والوضوح والدقة ، وغياب القانون ، وغياب تفعيل العدالة الناجزة ، نشطت مضادات الثورة في مصر ، وينبغي أن نعلم أنه لا يوجد منهجياً ما يسمى “بالثورة المضادة” فالثورة لا يمكن تحليلاً أن تنقلب أو ترتد على نفسها ، أو تحدث مرتين في اتجاهين متضادين ، وهذا إن حدث فله معنى آخر هو ما يعرف بالصراعات الداخلية ، التي يمكن أن تتطور إلى حروب أهلية .
ولكن ما حدث بالفعل هو أن ثمة شراذم : من بقايا وحثالات النظام الهالك ، وأخرى من الإنتهازيين الذين لم يروا في الثورة مغنماً ، وأخرى من الذين أيقنوا بأن الثورة ستضر بهم ، كأن تكشف فسادهم ، أو تجردهم من ميزات سطوا عليها ، وأخرى أفئدتها هواء تهيم على وجوهها في حاجة إلى من يقودها ويسيّرها ، كل هذه الشراذم انخرطت في مواجهة خبيثة مضمرة مع الثورة ، من خلال وسائل إشعال الفتنة ، ونشر الشائعات ، ونفث الدسائس ، وإحاكة المؤامرات ، والمشي بالوقيعة ، وإثارة حالات الإحباط واليأس ، وإذكاء الشرور والموبقات ، والخروج على الأنساق القيمية والأخلاقية والمبادئ ، وخرق القوانين وخدش الذوق العام وكسر النظام العام ، ومن شأن كل ذلك أن يحرج الثورة والثوار ، ويشيع الفوضى ، ويظهر السلطات الجديدة بمظهر العجز والقصور وانعدام الجدارة بالقيادة .
عاشراً : ضحايا مضادات الثورة :
يرتبط بما تقدم مباشرة إستسلام قطاعات متزايدة من المجتمع المصري للسموم التي تنفثها مضادات الثورة ، حيث يسقط البسطاء من عموم الشعب المصري ضحايا الأفكار الهدامة ، التي تشيعها تلك المضادات كما سبق الإيضاح .
ولهؤلاء البسطاء عذرهم ، فقد تُركوا لتنفرد بهم مضادات الثورة وتحولهم إلى معاول هدم ، من خلال السيطرة على عقولهم وتجنيدهم في صفوفها ، ووضعية هؤلاء البسطاء هي بالفعل وضعية بائسة ، فهم في زمن الفساد لم ينالوا خيراً ، وطموحاتهم العريضة كادت تتحطم على صخرة المتناقضات التي تعج بها المرحلة الانتقالية ، فلم يسأل أحد عن هؤلاء ، ولم يحتضنهم ويطمئنهم على مستقبلهم ، أو يفرّج عنهم من خلال ولو بعض المكتسبات المرحلية ، وهم تواقون إلى الحرية والتعبير عن بؤسهم وهوانهم ، وهذا يفسر كثرة وتعدد الإضرابات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية والمطالب الفئوية التي تم تراكمها وترحيلها عبر السنين في صدور هؤلاء البسطاء الذين كانوا بمثابة هوام عند الحكام السابقين .
فالنقائص التي تجمعت من إخفاق سياسي لقيادات المرحلة الإنتقالية ، إلى إنهيار أو تقاعس مؤسسات الدولة ، إلى إنهيار أو توعك الاقتصاد ، إلى غياب القوى السياسية والاجتماعية التي يثق فيها المجتمع ، وتشعره بالأمن والأمان ، إلى ظهور الإنتهازية السياسية ، إلى غياب صنّاع الرأي من أهل الثقة والنزاهة ، إلى تخبط إعلامي وتغييب وتزييف للوعي ، إلى انفتاح الداخل على الخارج بشكل غير منضبط ، إلى تلاشي المؤسسات الأمنية بطريقة ثأرية تآمرية ، إلى حرية حركة وفعالية مضادات الثورة ، إلى تسلل بعض خلايا مضادات الثورة واندساسها في جسد الثورة ، وانتهاءً بسوء فهم وتصرف قطاعات من الثوار ، كل ذلك له خطورته على واقع هؤلاء المذبذبين الذين تتنازعهم الثورة بوعودها من ناحية ، ومضاداتها بأسلحتها الفتاكة من ناحية أخرى .
إن هؤلاء البسطاء بدت خطورتهم بالفعل على واقع حال الثورة المصرية عندما قُدّر لمضادات الثورة أن تجندهم في صفوفها بأساليب جهنمية ، ثم تزج بهم في أعمال تخريبية ، فيصبحوا ملمحاً من ملامح الفوضى في مصر .
حادي عشر : تسلل خلايا من مضادات الثورة واندساسها في جسد الثورة :
لم تكتف مضادات الثورة بما أوضحنا من تصرفات بشعة في حق الثورة ومجتمعها ، بل أقدمت على ما هو أبشع ، إذ تسللت خلايا من تلك المضادات ، وتَزيّت بزي الثورة ورفعت شعاراتها ، بل وأمست أكثر ثورية من الثوار أنفسهم !! وبذلك باتت في مأمن من أي هجوم يفضح أمرها ، أو تحري يكشف سرها ، ولها عندئذ أن تنخر في عظام الثورة ، وتلوث دماءها ، وتسرطن جسدها ، بأقوال وأفعال وتصرفات وسلوكات مخجلة بل ومدمرة ، حاشى للثوار أن يقترفوها أو يقربوها ، ولكن هذه المكيدة ليست على الثوار بخافية ، فسوف يتم الفرز ، ويبين الخبيث من الطيب !! إلا أن هذه الأفعال الخسيسة الدنيئة من مضادات الثورة قد استحالت إلى بصقة نتنة في مستنقع الفوضى الآسن ، الذي زكم الأنوف الشم للثوار .
ثاني عشر : هينات وهفوات الثوار :
يُذيّل هذه المصفوفة من تقاطيع الوجه البشع للفوضى ، ملمح أخير ، لعله أقساها جميعاً ، وأشدها إيلاماً ، وإدماءً للقلب ، وهو ما انتاب بعض الثوار ، فرادى أو جماعات ، من عدم فهم أو سوء تصرف ، وبالرغم من أن هذه مسألة ليست بدعاً ، ومحتملة الحدوث ، إلا أن عواقبها الوخيمة تجسدت في أمرين : الأول ، أنها استُغلت استغلالاً سيئاً ومسيئاً للثورة من قبل مضاداتها ، والأمر الثاني ، أنها كادت أن تحدث الفرقة والوقيعة بين الثوار .
صفوة القول أنه في حالة غياب التحليل المنهجي ، وعدم وضوح الرؤية ، يتسلل المرجفون إلى عقول الناس ، فيدخلون في روعهم ، أن الثورة هي المسئولة عن الفوضى التي اكتملت صورتها من جملة الملامح التي فصّلناها بحيادية ودون مواربة ، فما دخل الثورة وما جريرتها في كل ما تقدم ؟ ولعل هذه من أهم الاختبارات التي محصت الثورة والثوار .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.