النظام الدولي المبتسر يواجه الصراع الثقافي الحضاري في المنطقة العربية والشرق الأوسط

0

*توطئة :
ما هي حقيقة موقف القوى الكبرى العالمية التي تنضوي تحت هيكلية النظام الدولي المبنسر في الشرق وفي الغرب من الثورات العربية ؟! ومن الصراع الثقافي الحضاري التي تخوضه تلك الثورات بوصفها قوي التغيير التقدمي في مواجهة الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي تمثل قوى الجمود والتخلف ، وبصف خاصة أن العالم لم يعد يعاني من الانقسام الأيديولوجي الحاد ؟!
أن موقف تلك القوى مثير للجدل ، ويعز على الفهم في الكثير من الأحيان ، ويتسم بالغموض والتناقض في أحيان أخرى ، ومن ثم فهو يحتاج إلى وقفة تأملية نستغرق خلالها في التفكير ونستنبط الأفكار التالية :
أولاً : سيادة الانقسام الثقافي والحضاري في أواخر القرن العشرين :
هنا يبرز سؤال مهم مفاده : لماذا يسود العالم في أواخر القرن العشرين الانقسام الثقافي والحضاري في الوقت الذي انسحب الانقسام الأيديولوجي من الساحة ؟ لقد كان هذا السؤال من المسائل المهمة في ترتيب أوضاع العالم والمجتمع الدولي في أواخر القرن العشرين ، وكان بمثابة مقدمة مهمة من مقدمات النظام العالمي الجديد ،
أ : أسباب سيادة الانقسام الثقافي والحضاري في أواخر القرن العشرين:
لعل البحث في دواعي السؤال السابق يوصل إلى طرح مجموعة من الأسباب ، يمكن تناولها على النحو التالي :
(1) إخفاق الانقسام الأيديولوجي في تفعيل واستمرار الصراع بين الجماعات الإنسانية : إن ثمة تحولاً واضحاً لدى الأمم من الصراع الأيديولوجي بشكله الضيق المحدود ، إلى الصراع الثقافي والحضاري بشكله الواسع الشامل ، فالأيديولوجيا قد انسحبت من ساحة الصراع أو كادت ، وكيف للأمم أن تواصل صراعها ، وتستمر في استعراض ما لديها من مفاخر ثقافية ومناقب حضارية ، إن عليها والحال كذلك أن تتحول إلى التمايزات الثقافية والحضارية ، فتبرزها وتكثف الأضواء على الفروق وتضخمها ، وتجعل منها مدعاة ـ كما ذكرنا ـ للتفوق والسمو ومن ثم السيادة والسيطرة .
(2) رغبة الثقافات والحضارات في التعبير عن نفسها : إن ما تقدم يوصل إلى ما مفاده أن كل ثقافة وحضارة لديها مخزون كامن من الرغبة في التعبير عن منطقها الثقافي وذاتها الحضارية ، وقد يخرج ذلك في شكل تعبيرات أيديولوجية ، أو في أشكال أخرى ثقافية وحضارية ، وهذا من شأنه أن يعمق التمايزات والتباينات الثقافية والحضارية بين الجماعات الإنسانية ، ويحولها إلى تنافس وصراع .
(3) المتغيرات والمستجدات العالمية : إبتلي العالم في أواخر ألفيته الثانية بسلسلة متلاحقة من المتغيرات والمستجدات ، شرعت جميعها تتجه نحو إزكاء نيران الصراع ، والرغبة في التفوق والسيادة ، الصراع بوجهيه العضوي العنيف المسلح وغير العضوي النوعي الثقافي والحضاري ، وكان من شأن ما تقدم أن يبرز التمايزات والتباينات الثقافية والحضارية ويضخمها ، ويجعلها محوراً جوهرياً من محاور الصراع وأسبابه .
(4) شمولية وعمق الصراعات الثقافية والحضارية : لم تكتف الجماعات الإنسانية في صراعها بإبراز الجوانب المحدودة والمركزة في الصراع الإيديولوجي أو العسكري ، بل عمدت إلى جوانب أخرى أكثر شمولية وعمقاً ، وهي الصراعات الثقافية والحضارية ، ومن ثم باتت تلك الصراعات أكثر عمقاً وشمولية .
ب : آثار الانقسام الثقافي والحضاري :
لقد تركت الانقسامات الثقافية والحضارية أثرين مهمين ، على المجتمعات الإنسانية ، وعلى العلاقات فيما بينها ، ويمكن الإشارة إلى هذين الأثرين في الآتي :
(1) الصراع والصدام العميق بين الجماعات الإنسانية : لا شك أن الصراعات والصدامات المترتبة على الانقسامات الثقافية والحضارية بين الجماعات الإنسانية ، هي أكثر عمقاً وأشد ضراوة من أية صراعات أخرى ، لأنها تمس صميم وجوهر وهوية تلك الجماعات الإنسانية كذلك لا يؤمّل أن تنتهي هذه الصراعات بسهولة أو بسرعة ، وذلك نظراً لتشبث كل جماعة إنسانية بثقافتها ونمطها الحضاري .
(2) الصراع أصبح صراع مجتمعات وليس صراع نظم سياسية أو دول : الصراع الثقافي والحضاري لم يعد صراع مذاهب سياسية تتبناها نظم سياسية أو دول ، بل أصبح صراع مجتمعات بما تملك من مناطيق ثقافية وذوات حضارية ، وهذا سبب قولنا بأن الصراع الثقافي والحضاري هو أعمق وأشمل وأشد ضراوة ، ولعل ذلك أخطر أشكال الصراعات ، وأشدها فتكاً بالمجتمعات الإنسانية ، وتدميراً للعلاقات الدولية .
صفوة القول أن الصراع قد تحول في أواخر القرن العشرين من صراع بين الأيديولوجيات ، التي تمثل جزئيات من الثقافة والحضارة إلى صراع بين الثقافات ، وما يرتبط بها من حضارات في شمولها وعمومياتها ، ومن ثم فقد تحول الصراع من صراع جزئي متخصص إلى صراع كلي شامل وعام ، صراع بين الثقافات والحضارات ، ومن ثم اتسم الصراع بالشمولية والعمق .
وهكذا بدأ العقد الأخير من القرن العشرين بالاضمحلال الفكري والانهيار النظمي للأيديولوجيا الشمولية ، ثم أعقبه تفكك أوصال التكتل الاشتراكي ، ثم بدا فراغ أيديولوجي ، سلّم بدوره لانقسام ثقافي وحضاري عام وشامل ، سيسود العقود الأولى من القرن الواحد والعشرين .
ت : الرغبة في التلاقي عبر الانقسام الثقافي والحضاري :
بالرغم من الصراع الثقافي والحضاري الذي نشب في العقد الأخير من القرن العشرين ، إلا أن العالم لم يخل من الصيحات التي ارتفعت ، لكي تهدئ من حدة تلك الانقسامات ، وتخفف من آثارها ، وتجب الصراعات قبل إشتعالها ، وقد جاءت تلك الصيحات في شكلين :
(1) الشكل الأول :البحث عن جسور وعلاقات بين الثقافات والحضارات : أدبيات كثيرة من كافة الاتجاهات والتوجهات ، ودعوات عديدة ، كلها تحاول البحث عن جسور وعلاقات بين الثقافات والحضارات الإنسانية ، وهذه الصيحات والدعوات تحاول أن تعود بالثقافات والحضارات إلى سالف عهدها من التلقائية والطبيعية والعلاقات الإنسانية ، وتحاول في ذات الوقت أن تهذب وتشذب جموح وطموح الثقافات والحضارات الراغبة في التفوق والرامية إلى السيادة والسيطرة والتسلط ، وبالرغم من محدودية آثار هذه الصيحات والدعوات ، وبطء ذلك التأثير ، إلا أنها حركة في الاتجاه الصحيح ، وإقرار ما يجب أن يكون ، وستأتي أُكُلها في يوم ما .
(2) الشكل الثاني : البحث عن الثقافة الإنسانية العامة والحضارة الواحدة : تزامن وتوازى مع الصيحات والدعوات السابقة ، صيحات ودعوات أخرى ترى بضرورة البحث عن الثقافة الإنسانية العامة ، التي يمكن أن تصبح ثقافة كل البشر ، وتبحث كذلك عن الحضارة الواحدة التي يقبلها ويرتضيها كل الناس ، ولكن يبدو أن هذه الصيحات والدعوات صعبة ومغرضة ، فهي صعبة لأنها لا تلتقي مع منطق وطبيعة الأمور ، فالله قد خلق الناس وجعلهم شعوباً وقبائل ، ليتعارفوا ويأتلفوا ، وينسب كل إلى نسبه ، فلا تضيع الأنساب ، فكيف لهذه الصيحة أو الدعوة أن تقف في وجه هذه السنة ، وتتصدى لذلك الناموس الكوني ، كذلك فهي مغرضة لأنها ترغب في أن تغلّب ثقافة معينة على بقية الثقافات ، وحضارة بذاتها على غيرها من الحضارات ، وهي ثقافة وحضارة ما يعرف بالعولمة ، الثقافة المسيطرة والحضارة السائدة والسيدة !
ث : اختلاف معايير التمايز والتفاضل :
لقد ترتب على عملية استبدال الانقسامات الثقافية والحضارية بالانقسامات الأيديولوجية نتيجة هامة وجوهرية ، أردنا أن نفرد لها هذه الجزئية ، وتتبلور هذه النتيجة في ما حدث من اختلاف بيّن في معايير التمايز والتفاضل بين أبناء هذا العالم الذي نعيش فيه ، فلم تعد معايير التمايز والتفاضل ذات طبيعة أيديولوجية فردية أو اشتراكية أو غيرها ، بل أصبحت ذات طبيعة ثقافية حضارية ، تقدم أو تخلف ، فالتقدم هو ما يسير وفق ثقافة العولمة وحضارة العولمة ، والتخلف هو ما لا يسير وفق ثقافتها وحضارتها ، ويظل يعيش مستمتعاً بمنطقه الثقافي ، ومعتزاً بذاته الحضارية ، وكلاهما ينبع من انتمائه وهويته الإنسانية ، التي عاشها ماضياً ، ويعيشها واقعاً ، ويأمل أن تعيشها أجياله مستقبلاً .
لقد كان من ضمن مقدمات النظام العالمي الجديد تشكّل فراغ أيديولوجي نتيجة الاضمحلال الفكري والانهيار النظمي للأيديولوجيا الشمولية ، ولقد استبدل الصراع الثقافي والحضاري بالصراع الأيديولوجي ، وفي هذا الموضع ندرس كيف أصبح فرض الثقافة والحضارة الغربية لملء الفراغ الأيديولوجي أحد مقومات النظام العالمي الجديد .
(1) التخلي عن أساليب الصراع الأيديولوجي القديمة : لقد حدث تحول جوهري عميق في العلاقات الدولية والمجتمع الدولي ، فنمط نظام القطب الواحد قد ساهم بفعالية في ذلك التحول ، وتمحورت أهم ديناميات ذلك التحول حول التخلي عن أساليب الصراع الأيديولوجي القديمة ، ومعنى ذلك أن أساليب الصراع الأيديولوجي بشكله القديم قد توقفت ، وتوقف الأساليب يعني توقف الصراع الأيديولوجي ذاته ، وتوقف الصراع سببه أن الأقطاب المتصارعة قد طرأ عليها تغيير ، فبعض تلك الأقطاب قد تلاشى ، وتم تجريده من سمة القطبية الدولية ، ولم تعد تحظى بأي دور داخل النظام الدولي ، وقد أدى غيابها عن قيادة النظام الدولي إلى توقف وانتهاء الصراع الذي كانت طرفاً فيه ، ولكن ربما يكون الصراع قد تحول إلى شكل آخر وبآليات أخرى ومع أطراف أخرى .
إن أطراف الصراع لم يختفوا فقط ، ولكن الأيديولوجيات التي كانوا يصارعون من أجل فرضها وتحسين صورتها هي الأخرى قد اضمحلت فكرياً وانهارت نظمياً ، ومن ثم يكون الصراع قد فقد أحد طرفيه ، وفقد كذلك الأيديولوجيات التي كان يتبناها ذلك الطرف .
إن معنى ما تقدم أن نمط النظام العالمي الجديد قد جاء معه بشكل جديد من أشكال الصراع وبأساليب جديدة لإدارة ذلك الصراع ، وبأطراف جديدة لا يتبنون أيديولوجيات كما كان الحال في السابق ، ولكنهم يدافعون عن ثقافات وحضارات تعبر عن منطقهم في الحياة والوجود ، وتعكس ذاتهم وخصوصياتهم في التعامل والتعاطي والتفاعل مع تلك الحياة وذلك الوجود .
إن الصراع المحتمل الذي جاء به نمط القطب الواحد هو نوع جديد من الصراعات لم يألفه العالم من قبل ، ولم يقدّر له تصور نتائج وآثار ذلك الصراع ، كما أن أطرافه ليسوا بالضرورة أقطاباً دوليين ، وقد يمكن أن يصبح كل العالم في طرف والولايات المتحدة القطب الأوحد في الطرف الآخر ويدور بينهما الصراع الجديد ، فهو إذن صراع يخوضه العالم ضد الولايات المتحدة بثقافتها وحضارتها ، وهو يحاول الدفاع عن ثقافات دوله وحضاراتها .
(2) الاتجاه نحو الشمولية في التعامل الفكري على مستوى العالم : إن القطب الأوحد قد طرح فكرة صراع الأفكار ، ولكن بشكل وهيئة جديدتين ، صراع الثقافات والحضارات في شمولها وعموميتها ، ليحل محل الصراع الأيديولوجي ، والهدف هو أن تحل الثقافة والحضارة محل الأيديولوجيا ، إذن هو صراع أوسع وأعمق يطرحه القطب الأوحد .
لم يعد القطب الأوحد يدير الصراع الأيديولوجي اعتماداً على الأيديولوجيا الفردية ، ولكنه تحول نحو إدارة صراع من نوع آخر ، صراع يعتمد فيه على الثقافة والحضارة الغربية في شمولها وعموميتها ، وهذا الصراع موجه نحو كل الثقافات والحضارات في العالم ، وثمة رغبة لدى الولايات المتحدة في فرض الثقافة والحضارة الغربية على كل تلك الثقافات والحضارات ، ومن ثم فلم يعد الصراع بين أقطاب النظام الدولي ، وإنما أصبح بين قطب النظام الدولي الوحيد ، وكل دول العالم بما تملك من مناطيق ثقافية وذوات حضارية ، ولم تعد الأيديولوجيا محل صراع بل أصبحت الثقافة والحضارة هي محل الصراع .
استبدلت إذن الولايات المتحدة الثقافة والحضارة بالأيديولوجيا ، وبدلاً من أن كانت تصارع من أجل فرض الفردية ، أصبحت تصارع من أجل فرض ثقافة وحضارة الغرب ، وكما كانت لها الزعامة الأيديولوجية على الغرب أصبح لها الزعامة الثقافية والحضارية كذلك ، ولكن الثقافة والحضارة الغربية لم تسلم من الإضافات الأميركية ، التي رأت فيها ما يعد ضرورياً لإضفاء مسحتها وصبغتها على تلك الثقافة والحضارة ، وباتت الدول الأوربية تخشى على الثقافة والحضارة الغربية من الإضافات الأمريكية .
(3) فرض ما يعرف بثقافة وحضارة العولمة : تمكنت الولايات المتحدة باقتدار من تغليف الثقافة والحضارة الغربية بالنكهة الأميركية ، ولكنها لم تتوقف عند هذا الحد بل كافحت من أجل نشر تلك الثقافة والحضارة المغلّفة في كل أنحاء العالم وفرضها على كافة المجتمعات الإنسانية ، والواقع يشهد بأن كثيراً من تلك المجتمعات قد استقبلت الثقافة والحضارة المؤمركة وراقت لها ، بالرغم مما تركته من آثار سلبية على ثقافاتها وحضاراتها .
لقد غدت الثقافة والحضارة المؤمركة تحل محل الأيديولوجيا ، وذلك لأن الولايات المتحدة قد زودتها بديناميات ذات صبغة أيديولوجية ، وكأنها قد دمجت الأيديولوجيا بالثقافة والحضارة الغربية ، فتغلغلت في ثناياها وانتشرت معها في كل أنحاء العالم .
ثانياً : مبدأ الكبار في التعاطي مع الثورات العربية :
تتفق كل القوى الكبرى في العالم الخالي من الأيديولوجيا حول مبدأ واحد للعمل وفقاً له وتفعيله في العلاقات الدولية ، ألا وهو “إذا لم تصنع الفعل في هذا العالم ، فينبغي أن تكون قادراً ، إما على توجيهه ، أو احتواء آثاره وتطويعها” .
وقد استخدمت القوى الكبرى الفاعلة في العلاقات الدولية هذا المنهج في مواجهة الثورات العربية ، بغض الطرف عن منافساتها وصراعاتها الأيديولوجية والفكرية والثقافية والاستراتيجية والسياسية والاقتصادية ، فهو شعار الكبار دون هوية أو خصوصية .
والكبار لم يصنعوا الفعل في الثورات العربية ، ومن ثم فليس أمامهم إلا توجيهه الوجهة التي تحقق مصالحهم حتى ولو بإفشاله وتبديده ، وعندما لم يفلح السلوك الأخير ، كان البديل النهائي هو احتواء آثار ونتائج الثورات العربية حتى لا تضر بمصالح أؤلئك الكبار ، وأمسينا الأن أمام حقيقة يقينية ومحاولتين ، فالحقيقة هي أن الكبار لم يصنعوا الثورات العربية ، والمحاولة الأولى التي بذلها الكبار هي توجيه الثورة الوجهة التي تحقق مصالحهم ، والمحاولة الثانية هي احتواء آثار الثورة وتطويعها .
أ : الكبار لم يصنعوا الثورات العربية :
لأنها حقيقة ، فلم يستطع أي أحد في الأوساط الرسمية وغير الرسمية في الغرب نكرانها ، بل أقر بها الجميع واعترف ، وهي أن الولايات المتحدة وأوروبا لم يصنعوا الثورات العربية ، بل فوجئوا بنشوبها واشتعالها كالنار في الهشيم .
وسادت في الغرب حالة من الدهشة والتبرم ، أما الدهشة فقد سببتها فجائية الحدث الذي لم يشفع أو ينفع معه كافة أجهزة التخابر والتجسس في العالم ، وأما التبرم فلعجز الغرب وتضاؤل قدراته وإمكاناته أمام إرادة الشعب العربي الذي فعل ما يريد رغم أنف المتنفذين في العالم والمسيطرين على متغيراته ومستجداته .
منذ الحرب العالمية الثانية والقطب الأعظم المتجسد فى الولايات المتحدة ورديفه غرب أوروبا ثم الاتحاد الأوروبي يصنعون الفعل في العالم بكافة أشكاله السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والتقنية والثقافية والحضارية ، وبمرحلتيه التخطيط والصياغة ، ثم التنفيذ ومتابعة النتائج ، وإن كان الاتحاد السوفياتي في بعض الحالات يتولّى القيام بصياغة الفعل بالوصف الذي قدمنا .
والراجح أن الغرب لم يتسن له صناعة فعل الثورات العربية لأسباب عديدة : منها أنه لم يكن يفكر أبداً في صناعة هذه الثورة أو في تثوير المجتمعات العربية ، حتى تظل ترزح تحت نير استبداد وجور وعسف النظم الفاسدة ، ويتضح من ذلك أن الغرب كان يمقت الشعوب العربية ، ولا يريد لها التحرر والكرامة ، لأنها لا تستحق ذلك ، ولا يجدر بها أن تعيش في أوطانها كريمة عزيزة !
ومن الأسباب كذلك في إحجام الغرب عن صنع الثورات العربية تلك العلاقات الحميمية ، الغريبة والمتناقضة بين من يعتبرون أنفسهم قمة الديمقراطية في العالم ، وبين أسوأ النظم الديكتاتورية في العالم ، فالغرب بوصفه السابق يحافظ على النظم العربية بوصفها السابق ، ويضمن وجودها من أجل كبت وقمع شعوبها ، ومن أجل تحقيق مصالحه المتفق عليها بين الطرفين .
أيضاً عزف الغرب عن صنع الثورات العربية لانشغاله بنفسه ، وبأوضاعه الاقتصادية والمالية المتدهورة والمؤرقة ، التي لم تمكنه من التفرغ لصناعة أحداث ليست نتائجها في صالحه .
كذلك لم يعكف الغرب على دراسة أوضاع وتفاعلات المجتمعات العربية بمتغيراتها ومستجداتها بأسلوب منهجي ، ولم يفهم بشكل دقيق طبيعة دواخل وكوامن الشباب العربي ، وأنه يعد لثورة الكرامة العربية والحياة الإنسانية .
ب : محاولات الكبار توجيه الثورات العربية :
عندما وقف الغرب وجهاً لوجه أمام الثورات العربية ، التي ذكّرته بعجزه ، وأثارت لديه عقدة الذنب ، لم يجد بداً من أن يسلك مسلكين متزامنين ومترابطين ، المسلك الأول هو الاعتراف بالتقصير والاعتذار ولو على مضض للشباب العربي ، والمسلك الثاني المسارعة بمحاولة توجيه الثورات العربية الوجهة التي بموجبها يحقق المصالح ويتلافى الآثار ، وبدا أن لدى الغرب إصراراً على المشاركة في صناعة حدث الثورة ولو جزئياً ، ثم يبدأ في توجيه التفاعلات في دول الثورات العربية .
لقد سارعت القوى الغربية بالتقاط الخيط فشاركت جزئياً في ثورة مصر واليمن وليبيا وسوريا ، في حين تصدت روسيا والصين لتلك الثورات صراحة ، ثم شارك الجميع في المراحل الانتقالية ، وبدا التدخل في التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مجتمعات الثورات العربية بشكل ملموس .
لقد كان هدف القوى العالمية من التدخل في مجتمعات الثورات العربية في الفترات الانتقالية هو التحكم في القوى الثورية وتوجيهها الوجهة التي لا تخرج بها عن المسار الذي رسمته تلك القوى الكبرى ، ومن ثم توطدت العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبين الفواعل والقوى السياسية والقوى الثورية وحتى بقايا الأنظمة الهالكة ومضادت الثورة ، وبدأت في تحريك كل تلك العناصر وفق ما ترى ، حدث ذلك في تونس بشكل جزئي وحذر ، وحدث في مصر بشكل كلي وثقل ملحوظ ، وحدث في ليبيا بشكل متحسس ، وحدث في اليمن بشكل واضح .
ت : محاولات الكبار احتواء آثار الثورات وتطويعها :
وكانت المحاولة الثانية الأكثر تطوراً ، حيث شرعت القوى العالمية بشكل عام والغربية بشكل خاص ، في احتواء آثار الثورة وتطويعها ، من خلال التحكم الصريح والمباشر في ما أنشأته وأسسته من نظم سياسية واقتصادية ، وتنظيمات مثل الإعلانات الدستورية وقوانين المجالس النيابية ، والسلوكات السياسية مثل الانتحابات والاستفتاءات ، حتى انتخابات مجالس النقابات والغرف التجارية .
وأخيراً لم تتورع القوى الغربية من تدمير التجارب التي أفرزتها الثورات العربية ، وكانت مصر أوضح مثال على ذلك ، حيث شاركت تلك القوى بقوة وفعالية في التخطيط والتنفيذ لوأد النظام الديمقراطي الذي أفرزته ثورة 25 يناير ، وتسليم البلاد لحكم عسكري أعاد مصر لمنتصف خمسينيات القرن العشرين ، وبدد ثورة الشباب !!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.