النظم الاستبدادية الفاسدة تمثل قوى الجمود والتخلف

0

تعقبنا في مقال خلا جذور الصراع الثقافي والحضاري في المنطقة العربية ، ثم أردفنا ذلك بالتحليل المنهجي متعدد الأبعاد للثورات العربية بوصفها تمثل قوى التغيير التقدمي ، ثم عرّجنا على الخصائص الثقافية والحضارية للثورات العربية ، وها نحن نعكف في هذا المقال على تحليل واقع التعاطي القمعي الاستبدادي للنظم السياسية العربية بوصفها قوى الجمود والتخلف مع الثورات العربية ، ونبسط تحليلنا على الوجه التالي :

أولاً : ممارسات النظم السياسية اضطرت بعض الثورات العربية إلى التسلح والعنف :

لقد فوجئت النظم السياسية العربية بقوة وصلابة الثورات العربية ، ما أفقدها صوابها ، ووسم كافة أفعالها وسلوكاتها بالطيش والتهور ، وتجسدت أهم السلوكات غير المنضبطة التي صدرت من النظم السياسية العربية تجاه الثورات العربية في إطلاق العنان للمؤسسات الأمنية لمواجهة الثورة بالعنف والقوة القاتلة ، وفي استدعاء المؤسسات العسكرية التي لم تتردد في الدخول في قتال حقيقي مع الشعوب العربية الثائرة ، وترتيباً على رد فعل المؤسستين الأمنية والعسكرية ، كان مسار الثورات العربية ، فمنها من استمر على سلميته حتى سقوط الأنظمة ، ومنها من انحرف عنها قليلاً ، ومنها من اضطُر إلى الاستعانة بالسلاح للدفاع عن نفسه وعن أبناء المجتمع العزل المسالمين ، ويمكن إيضاح ذلك من خلال ما يلي :

أ : تلاشي المؤسسات الأمنية بطريقة ثأرية تآمرية :

لقد كان من أنكى ملامح الفوضى وأشدها وقعاً على النفس ، تبدد واختفاء المؤسسات الأمنية بطريقة تثير الشك والريبة ، فالطريقة التي هربت بها المؤسسات الأمنية في دول ثورة الكرامة العربية ، تنم عن النهج الثأري الانتقامي من الشعوب التي رفضت الأسلوب القمعي الدموي لتلك المؤسسات ، وتشي تلك الطريقة في ذات الوقت بالعقلية التآمرية ، التي تفكر بها تلك المؤسسات على الثورات العربية ، وهذا التآمر هو فعل من أفعال العصيان والخيانة للمجتمع ، الذي يملك شرعية الحكم على هذه المؤسسات ومحاسبتها وعقابها.

إن التحليل المنهجي لنشأة وتكوين وتطوير المؤسسات الأمنية في كافة الأنظمة العربية ، منذ الاستقلال عن السيطرة الأوربية ، يؤكد على جملة من الحقائق:

(1) أن الأجهزة الأمنية هي أجهزة أعلى من الشعوب ، وأسمى من المحاسبة ، وفوق مستوى النقد ، ويتعلم ويتدرب ويتطور عناصر تلك الأجهزة على هذه الأفكار ، وتعيش تلك العناصر وتتعاطى مع المجتمع بنظرة استعلائية ، تستحقر وتزدري من دونها ، وتعامل الشعوب على أنها مخلوقات لا قيمة لها وارتكبت أشنع أساليب التعذيب والقتل ما يعد جرائم ضد الإنسانية .

(2) أن عناصر الأجهزة الأمنية في الدول العربية تعاني من أمية سياسية في منتهى الخطورة ، وتعيش في حبائل الأفكار السياسية الخاصة بالنظام السياسي فقط ، فمن أدنى رتب هذه الأجهزة إلى أعلاها ، لا يوجد من يعرف شيئاً عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو المجتمع المدني ، فهم يمقتون هذه المفاهيم ، ويعتبرونها سبب مشاكلهم وشقائهم ، وهم موجودون من أجل محاربتها ، وقمع القائلين بها المفعّلين لها .

(3) إن عناصر الجهزة الأمنية وانطلاقاً من الأفكاروالعقائد التي تعمل وفقاً لها وقوامها الجهل والتخلف والحقد والتعالي تجهل تماماً أنها إحدى مؤسسات الدولة ولا ينبغي أن تعتبر نفسها إحدى مؤسسات النظام السياسي ، فهي ملك للناس ، ووجدت من أجلهم ومن أجل مساعدتهم وتسهيل حياتهم وتأمينهم ، وليس من أجل القضاء عليهم وتدميرهم من أجل أهداف وأغراض النظام السياسي .

(4) إن العمل في الأجهزة الأمنية في الدول العربية هو ميزة مطلقة ، فالعاملون في هذه الأجهزة من الرتب الرفيعة لا يحالون للتقاعد أبداً ، فعندما تنتهي خدمة تلك الرتب في الأجهزة الأمنية ، يتحولون إلى الخدمة المدنية ، كرؤساء للمؤسسات والأجهزة ، ومحافظين للمحافظات ، ورؤساء للمدن ، وحتى وزراء ، فهم على أنفاس المواطن العربي حتى آخرها ، وليس لهؤلاء أية خبرة بهذه المراكز المدنية المهمة ، إنه الجهل في دول وأنظمة التخلف والجهل ، ناهيك عن ميزات النهب والسلب ، والسطو على مقدرات أفراد المجتمع .

(5) إن هذه الأجهزة الأمنية كانت موجهة أساساً نحو الشعوب ، من أجل إذلالها وإخضاعها وكبتها وقمعها لمصلحة النظم السياسية ، وهي من أجل ذلك كانت تستعدي الشعوب ، وتحيك ضدها المؤامرات ، وتختلق وتخترق فزاعات الإرهاب ، فهي إنما أُسست من أجل تلك الشعوب ، لتصبح عدوها الأول والأخير .

(6) أن هذه المؤسسات والأجهزة الأمنية التابعة لها ، كانت مؤسسة ومكلّفة بحماية الأنظمة السياسية ، ومن ثم فهي ومعها تلك الأنظمة ، في حالة مواجهة دائمة مع الشعوب العربية ، تلك التي تعتبر العدو اللدود للمستعمر الجديد ، الذي هو النظام السياسي العربي والحاكم العربي ، الذي فرض نفسه عليها ، ثم تحول إلى وحش كاسر غريزته نهش لحومها ، والاستمتاع بسفك دمائها ، وعليه فهذه المؤسسات شريك عضوي مع الأنظمة السياسية ، في كل ما اقترفته من جرائم ومؤامرات في حق الشعوب العربية .

(7) إن المؤسسات الأمنية في الدول العربية دأبت على عقاب الشعوب العربية ، واستمرأت ذلك ، فهي إما أن تظل تسوم هذه الشعوب سوء العذاب والقمع والهوان ، وهذا عقاب من خلال قيام هذه الأجهزة بعملها ! وإما أن تهرب وتترك الشعوب العربية نهباً للفوضى ، وهذا عقاب من خلال امتناع هذه الأجهزة عن القيام بعملها ، وعليه فوجود تلك الأجهزة عقاب وعدم وجودها أزمة ، فالأجدى والأجدر هو تأسيس أجهزة أمنية من أجل الناس .

لقد شكّل اختفاء المؤسسة الأمنية بعد انتصار الثورات العربية ، مع غياب البدائل المتاحة ملمحاً قاتماً من ملامح الفوضى ، ولكن لماذا لم يظهر الشرفاء البرآء في هذه المؤسسات في أسلوب حضاري مشرّف ، ويغيّرون سلوك هذه المؤسسات المشين المهين ، ويعملون في صف الثورة والثوار .

لماذا هربت تلك المؤسسات برموزها الفعّالة !! يقيناً لجرائمها المخزية المشينة ، التي خشيت من أن تُعاقب عليها ، إنها ينبغي أن تُعاقب دون رحمة على جرائمها في حق الشعوب العربية ، قبل الثورة وأثناء الثورة ، ثم تحاسب على هروبها بعد الثورة بتهمة العصيان والخيانة ، وهي كلها جرائم في حق المجتمعات بالكامل .

وهنا لا بد من أن نتعامل مع الإشكال الأمني في دول الثورات العربية بطريقة علمية منهجية ، لكي نصحح ما يُتداول إعلامياً من مدرك ” الانفلات الأمني ” فالأمن في أي تكوين بشري ، هو علاقة بين الإنسان والمحيط الذي يعيش فيه ، حيث يعمد هذا الإنسان نحو بذل الجهود من أجل التحرز والتحوط ضد المخاطر التي يُتوقع أن تلحق به من هذا المحيط ، وله في ذلك تدبيران : التدبير الأول : وقائي بمنع الأخطار المتوقعة من مصادرها ، والتدبير الثاني : علاجي بإصلاح ما ينجم عن الأخطار من أضرار .

ومن أجل القيام بالتدبيرين المذكورين يؤسس الإنسان في المجتمعات المدنية مؤسسات متخصصة ، توجه إحداها للخارج ، وتعرف بالجيش ، ومهمتها درء الأخطار القادمة من المجتمعات الأخرى ، وتوجه الأخرى للداخل ، وتعرف بالجهاز الأمني ، وهذا الجهاز هي موضع التحليل ، ومشكل البحث في مسألة الفوضى التي عمت دول ثورة الكرامة العربية ، والتي أسماها الإعلام السطحي المتعجل بالإنفلات الأمني.

مما تقدم نحن إزاء مواطن وجهاز أمني نظمي مؤسسي ، يحمي ذلك المواطن ، بمنع الأخطار من مصدرها ، أو بعلاج الأضرار الناجمة عنها ، والحاصل في حالةثورة الكرامة العربية أن هذا الجهاز قد تعطل أو اختفى لأسباب ذكرناها سلفاً ، وهذا يسمى “قصوراً أو إخفاقاً أمنياً” لحق بالمؤسسة أو الجهاز الأمني ، وعليه فقد أصبح المواطن مجرداً من الحماية وعرضة للأخطار.

ولكن ما هي مصادر الأخطار التي تنطلق منها الأضرار لتلحق بالمواطنين في مجتمعات ثورة الكرامة العربية ، إن المصدر المحقق للخطر على المواطن العربي في هذه الحالة هو “مضادات الثورة”.

إنه في هذه الظروف الإستثنائية التي انتصرت فيها الثورات العربية على الأنظمة الفاسدة ، ينتاب هذه المضادات شعور بالإحباط الشديد ، نتيجة لفقدانها كل شيئ ، وانتقالها لواقع جديد ليس لها مكان فيه ، وتوقع العقاب على جرائمها ، فيصدر عنها سلوك يعرف “بالسلوك العدواني الكيدي الانتقامي” ويصبح ذلك السلوك فعلاً تلقائياً تندفع إليه بدافع الانتقام والثأر ، حتى ولو أدى إلى فقدانها الحياة ، فهو أشبه بالعمل الإنتحاري ، وعندما يلتقي قصور المؤسسات الأمنية مع السلوك العدواني الكيدي الانتقامي لمضادات الثورة ، تحدث حالة تعرف “بالفوضى الأمنية” أو “الفراغ الأمني” ، وهي تجسد الواقع المعاش في العالم العربي ، خلال فترة الثورة وبعيْدها.

لقد قام الثوار بدور مهم في توفير بديل سريع لهذه المؤسسات المعطلة أو المنهارة ، يبرز إلى أي مدى يتمتع شباب الثورات العربية بالعقلية المتفتحة والحس الوطني ، ويؤكد على أنه ليس من الصعب تأسيس مؤسسات أمنية من الناس ومن أجل الناس ، وليست مؤسسات أمنية من أناس فوق الناس .

ولكن على هذا الشباب أن يعرف كيف يتعاطي مع مضادات الثورة بمنهج رشيد ، يوازن بين غاية الحفاظ على الثورات العربية نقية طاهرة ، وبين احترام حقوق الإنسان ، وبالرغم من صعوبة هذه المعادلة إلا أنها إحدى حتميات المرحلة الراهنة وأساس الدولة المدنية الرشيدة.

ب : استدعاء الجيوش لمواجهة الثورات العربية:

كل النظم السياسية في دول ثورة الكرامة العربية استدعت الجيش ، وأمرته بأوامر متباينة في أهدافها ووسائلها :

(1)النموذج التونسي ، في هذا النموذج ، صدرت الأوامر من النظام السياسي للجيش بمواجهة الثورة بشكل مباشر ، عبر صراع مسلح ، وكان رد الجيش هو الرفض ، والانحياز للثورة ، والتضامن معها ، وإزاء هذا النموذج يمكن القول بأن الجيش التونسي دعم الثورة وشارك فيها بشكل فعّال ساعد على نجاحها في تقويض النظام.

(2)النموذج المصري ، في هذا النموذج ، استدعىالنظام السياسي الجيش الذي يعد جزءً أصيلاً منه ، وذلك لمواجهة الثورة بشكل مباشر ، عبر صراع مسلح ، وكان رد الجيش هو النزول إلى الشارع ، ليراقب عن كثب ، ولكنه رفض الاشتباك المباشر والكثيف مع الثوار ، مؤجلاً ذلك لمرحلة لاحقة تتضح فيها الأمور ، وتتكشف الرؤى، وأكد أنه لن يتدخل لإنقاذ النظام ، ليس تبرؤً من النظام وأفعاله ، ولكن لأن عمره الإفتراضي قد انتهى ، وانتهى معه تحالف المصالح المتبادلة ، وأن قيادات ذلك الجيش التي عُرفت بالمجلس العسكري ، لم تنحز إلى الشعب في ثورته ، ولكنها تبحث عن تحالف جديد يحافظ على ميزات القيادات العسكرية السياسية والمادية الخطيرة وغير المقبولة في دولة مدنية أي ميزات ما فوق الدولة .

وعليه فقد قرر الجيش المصري الوقوف على الحيادالإيجابي ، حياد المراقبة والترصد ، وحدد لموقفه خيارين مشروطين :

الخيار الأول : إذا ولدت الثورة نظاماً سياسياً ، يمثل إنتاجاً للنظام القديم في نسخة مكررة ، يحفظ للجيش مميزاته ، ودولته المرفهة الثرية المنفصلة عن الواقع الاجتماعي بتناقضاته ونقائصه ، فالجيش على موقفه المراقب للأحداث ولا دخل له في السياسة لأن السياسة تسير كما يريد !!

الخيار الثاني : إذا طرحت الثورة نظاماً سياسياً شكلته وفق شروطها ومتطلباتها وطموحاتها ، وانتوى أو شرع في الاقتراب من الجيش ، والتنقيب في أموره وشئونه الخاصة ، وانتهك حرمة وحمى الجيش المصري العظيم صاحب الانتصارات والأمجاد .

عند هذه اللحظة يتحول الجيش من الحياد الإيجابي إلى الانحياز الصريح والعنيف والمباشر ضد ذلك النظام ، الذي حاول اللعب مع الكبار ، مهما كان ذلك النظام نتاجاً للثورة ومحققاً لطموحاتها ، وذلك ليثنيه عن أهدافه الفادحة ، ويهذب ويشذب سلوكاته وفق متطلباته ، أو يجتثه من جذوره ، ويطوح به ويتولى هو الأمر ، ولتذهب الثورة ونظامها إلى الجحيم !

(3)النموذج اليمني ، في هذا النموذج ، صدرت الأوامر للجيش بمواجهة الثورة بشكل مباشر ، عبر صراع مسلح ، ولكن الجيش انقسم على نفسه بين مؤيد للثورة ومعارض لها ، وكاد الجيش أن يقاتل بعضه البعض ولكن العقلاء تمكنوا من ضبط الأوضاع قبل انفلاتها ، وتمكنوا من إخراج الجيش من الحياة السياسية.

(4)النموذج الليبي البحريني السوري ، استدعيت الجيوش في الدول الثلاث لمواجهة الثورة بشكل مباشر ، عبر صراع مسلح ، واستجاب الجيش وأئتمر بأمر النظام ودخل مع الثورة في صراع مسلح ، ففي الحالة الليبية قاتلت قوات التحالف الدولي إلى جانب الثوار الليبيين ، حتى تمكنت من هزيمة كتائب القذافي ، وفي البحرين قاتلت قوات درع الجزيرة الخليجية إلى جانب النظام في البحرين ، وتمكنت قوات النظام وقوات درع الجزيرة من إحباط الثورة في البحرين ، وفي سوريا سرعان ما امتثل الجيش لأمر النظام واستخدم قوته بكافة أشكالها في مواجهة الثورة .

ثانياً : تدويل الثورات العربية :

فيما عدا الثورة التونسية انتهى المطاف بالثورات العربية إلى أجهزة المنظمة الدولية العالمية (الأمم المتحدة) للنظر وتقرير آليات التعامل معها ، من هذه الثورات ما سلكت هذا السبيل منذ تفجرها ، مثل الثورتين الليبية والسورية ، ومنها ما وصل متأخراً بعض الشيئ مثل الثورة اليمنية والثورة البحرينية ، ومنها ما وصل متأخراً أكثر مثل الثورة المصرية بعد الإنقلاب العسكري في 3/7/2013م .

ولعل الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تدويل ثورة الكرامة العربية تكمن في النظم السياسية التي استخدمت العنف لمواجهة الثورة بما استوجب تدخل المجتمع الدولي ، وتكمن كذلك في فقدان النظم السياسية للشرعية وتشبثها بالسلطة عبر وسائل القوة ، انطلاقاً من طبيعتها الاستبدادية ، ووسائلها البوليسية في التعامل مع شعوبها .

أ : استخدام العنف من قبل النظم السياسية لمواجهة الثورات العربية بما يستوجب تدخل المجتمع الدولي :

إن قراءة مشهد ثورات الكرامة العربية منذ بدايته تنفي شبهة المؤامرة والتخطيط الدولي العالمي ، فالشعوب العربية تحت وطأة التراكم التاريخي للضغوط الناتجة عن مثالب وتناقضات ونقائص النظم السياسية ، لم تجد أمامها بداً من تكسير قيود الحرية ، وتحطيم كوابح الكرامة الإنسانية ، التي كبلتها بها تلك النظم منذ استقلال تلك الشعوب عن السيطرة الأوروبية ، ولم يكن يدور في خلد هذه الشعوب أنها عندما تطالب بحريتها وكرامتها سوف تقابل بالعنف والقسوة والقوة القاتلة .

وإزاء هذه المواجهة الكارثية المأساوية لم يجد العالم مهيكلاً فيما يعرف بـ”المجتمع الدولي” الذي يرى ويسمع ويقرر أن يتحرك عندما يروقه ذلك ، ولا ندري لذلك معايير ومقاييس إلا الموازنات والمواءمات بين الكبار ،لم يجد ذلك العالم بمنظماته السياسية والإنسانية مفراً من أن يتحمل بعضاً من مسئولياته ، ويتدخل للدفاع عن هذه الشعوب ، ونصرة ثورتها العادلة ، من أجل رفع الظلم والجور والغبن الذي وقع عليها.

لقد اتضح أن هذا العالم يغض الطرف عن الكثير من الفظائع ، التي لا يريد أن يراها لأنها تزعجه ، وقد تقض مضجعه ، وهو يريد أن يهنأ بسباته ، لأن هذه الشعوب لا تستحق عناء الفواق من السبات لعالم يحلم دوماً بالسيادة والريادة للكبار المتقدمين المتحضرين .

ب : فقدان النظم للشرعية وتشبثها بالسلطة عبر وسائل القوة :

يضاف إلى ما تقدم أن النظم السياسية التي قامت ضدها الثورات العربية استشعرت تآكل شرعيتها بشكل نهائي ، ولن يكون في مقدورها التشبث بالسلطة إلا من خلال الخيارات الأمنية والاستخدام القاتل للقوة ، وعندما أيقنت القوى الدولية على المستويين الإقليمي والعالمي بإنتهاء شرعية تلك النظم واستيئست من بث الروح في أجسادها المتعفنة ، قررت التخلي عنها ومساندة الثورات على مضض لحين تدبر أمرها والتفرغ لها لإفراغها من محتواها ، وصاحب عملية المساندة تدخل دولي في الشئون الداخلية لدول الثورات العربية ، سواء أكان مبَرًّراً ومقبولاً أو غير ذلك، وكانت آثاره وإفرازاته في كل الأحوال وخيمة العواقب !!

ت : أشكال تدويل الثورات العربية :

تدوبل ثورات الكرامة العربية يعني نقل تلك الثورات إلى بؤرة اهتمام الدول والمنظمات الدولية على المستويين الإقليمي والعالمي ، ولقد أخذ تدويل ثورات الكرامة العربية عدة أشكال ، على النحو التالي :

(1)التدخل السياسي للضغط على النظم السياسية بالرحيل ، وصاحب ذلك ضغطاً دبلوماسياً عبر وسائل تقليدية وأخرى غير تقليدية ، حدث ذلك التدخل في كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا .

(2) التدخل الاقتصادي عبر التلويح بقطع المساعدات أو العكس ، حدث ذلك في مصر واليمن وسوريا .

(3) التدخل الإعلامي لمساندة أو التصدي للثورات ، بدأ بشكل متواضع في الثورة التونسية ، وازدادت وتيرته في الثورات المصرية واليمنية والبحرينية ، وبلغ مداه في الثورتين الليبية والسورية ، وكان لذلك التدخل الإعلامي آثاره في واقع الثورات إما بالإيجاب أم بالسلب .

(4) : التدخل المسلح عبر الإمداد بالسلاح أو القتال المباشر إلى جانب الثوار ، حدث ذلك في ليبيا وسوريا ، وحدث التدخل ضد الثوار في مصر والبحرين واليمن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More