دبلوماسي إسرائيلي: عادت مصر لأحضان واشنطن

0

قال “تسفي مزئيل” الدبلوماسي الإسرائيلي إن زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للقاهرة والخليج تأتي في إطار طمأنة تلك الدول بجدوى الاتفاق النووي مع إيران، إضافة إلى رأب الصدع بين واشنطن والقاهرة، بعد تدهور العلاقات في أعقاب إطاحة الرئيس السيسي بسابقه محمد مرسي في 2013.

واعتبر “مزئيل الذي شغل منصب سفير إسرائيل بالقاهرة بين عامي 1996 و2001، وعمل سفيرًا لإسرائيل في كل من رومانيا والسويد، أن الولايات المتحدة بحاجة إلى مصر، فعلى سبيل المثال لم تكن حرب الخليج الثانية لتندلع إذا رفضت الحكومة المصرية فتح المجال الجوي للمقاتلات الأمريكية .

وأضاف في مقال نشره الاثنين 3 أغسطس موقع”مركز القدس للشئون العامة والسياسية” أن مصرأيضا بحاجة للمساعدة العسكرية والاقتصادية التي بإمكان الولايات المتحدة فقط تقديمها مثل تدريب قواتها على حروب العصابات ومدها بالمعدات المناسبة للحرب على الإرهاب بسيناء.

إلى نص المقال..

خرج وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مطلع الأسبوع الحالي في رحلة معقدة للشرق الأوسط. هدفه الرئيس هو تهدئة حلفاء واشنطن العرب بالقول إن الاتفاق الذي تم توقيعه مع إيران جيد، وسوف يحول دون تصنيع طهران قنبلة ذرية في السنوات المقبلة وأن الولايات المتحدة سوف تقف إلى جوار أصدقائها في النضال ضد الإرهاب.

كذلك يدور الحديث عن زيارة هدفها رأب الصدع الحاصل بين الولايات المتحدة من جهة ومصر والسعودية ودول الخليج بين الأعوام 2013-2015 التي أجرت الولايات المتحدة خلالها المفاوضات مع إيران. خلال هذه الفترة تنكرت الولايات المتحدة لحلفائها التقليديين بالشرق الأوسط، وزادت من قوة عدوها الرئيس إيران الشيعية، الطامحة بكل صراحة إلى تدمير تلك الدول وبناء نظام شيعي متطرف بالمنطقة.

عزم الولايات المتحدة على الوصول لاتفاق مع إيران بكل ثمن اتضح نهائيا عندما أعلن في 2013 أنها أجرت مفاوضات سرية مباشرة معها في عمان بعيدا عن أعين السعودية التي هي الهدف الرئيس للسيطرة الإيرانية على الخليج وحليف الولايات المتحدة منذ الثلاثينيات من القرن الماضي. من وجهة نظر السعودية كان ما حدث خيانة، بالضبط كنفس الشعور في إسرائيل التي لا تكف إيران عن التصريح بنواياها لتدميرها.

العلاقات المضطربة بين مصر والولايات المتحدة

لم تكن مصر فعليا نشطة بشكل مباشر أمام إيران، على خلفية مشكلاتها الكثيرة، لكن السيسي قد اهتم بالإعلان بين الفينة والأخرى أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن المصري. لكن فيما يتعلق بمصر يمكن إضافة العداء الخاص الذي يكنه أوباما للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي المتهم بالإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي من الحكم بعد أن “تم انتخابه بشكل ديمقراطي”- وفقا للبيت الأبيض.

علاوة على ذلك عززت الولايات المتحدة علاقاتها بتركيا وقطر أكبر الداعمين لجماعة الإخوان المسلمين ومنحتهم في المقابل دعما معنويا في حربهما لإسقاط نظام السيسي وزعزعة استقرار مصر. وصلت الأمور إلى حد سخيف للغاية خلال عملية “الجرف الصامد” حيث أيدت الولايات المتحدة الوساطة القطرية- التركية بين إسرائيل وحماس وأضرت بجهود الوساطة المصرية التي كانت مقبولة لدى إسرائيل.

في أكتوبر 2013 وبعد ثلاثة أشهر من الإطاحة بمرسي “عاقبت” الولايات المتحدة مصر وعلقت معظم المساعدات العسكرية المخصصة لها بما في ذلك التدريبات المشتركة لجيشي البلدين التي بدأت منذ عام 1980. فعلت واشنطن ذلك فيما كان الاقتصاد المصري على حافة الانهيار وكثف التنظيم الإرهابي أنصار بيت المقدس هجماته بسيناء وداخل مصر.

وحدها المساعدات الضخمة التي قدمتها السعودية، والبحرين، والإمارات هي ما أنقذت مصر من كارثة اقتصادية. لم يغير كل هذا من سياسات أوباما الذي تجاهل التعاون الاستراتيجي الذي انطلق بين الولايات المتحدة ومصر في أعقاب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، كما تجاهل دعوات السيسي اليائسة للمساعدة في حديثه الشهير لواشنطن بوست في 3-8-2013 الذي خلف أصداء في تلك الأيام. علاوة على ذلك فقد هاجم السيسي عدة مرات ،على خلفية مساسه بحقوق الإنسان وأضعفه في الصراعات المريرة التي كان لزاما عليه خوضها في مجالي الاقتصاد والأمن.

الأهمية الاستراتيجية لمصر

مصر هي الدولة العربي الوحيدة الموجودة منذ فجر التاريخ بحدودها الحالية، وهي أكبر دولة عربية من الناحية الديموغرافية بتعداد 90 مليون نسمة. وكذلك فإنها ذات أهمية جيو-استراتيجية من الدرجة الأولى وتحتاجها الولايات المتحدة للحفاظ على مرور حر لسفنها الحربية بقناة السويس وطائراتها المقاتلة في المجال الجوي المصري.

لم تكن حرب الخليج الثانية لتندلع إذا رفضت الحكومة المصرية فتح المجال الجوي للطائرات الأمريكية ، بخلاف تركيا التي منعتها من العمل انطلاقا من قاعدة إنجرليك الجوية. مصر في عهد السيسي اختارت بوعي اتباع سياسات السادات بالانتماء للمعسكر الغربي والاعتماد على الولايات المتحدة. لكن هذه المعطيات لم تجد نفعا، إذ جرت مقاطعتها من قبل الولايات المتحدة. وفي ظل يأسها توجهت إلى روسيا ووقعت معها على صفقة أسلحة وتعاون اقتصادي.

كذلك درس السيسي إمكانية التعاون الاقتصادي مع الصين، ونجح في دفع فرنسا لتزويده بـ24 طائرة مقاتلة من نوع رفال وفرقاطة بشروط تمويل جيدة. مع ذلك فإن مصر بحاجة للمساعدة العسكرية والاقتصادية التي بإمكان الولايات المتحدة فقط تقديمها مثل تدريب قواتها على حروب العصابات ومدها بالمعدات المناسبة للحرب على الإرهاب بسيناء.

مخاوف مصر والسعودية ودول الخليج

حفرت الولايات المتحدة بئرا عميقا بينها وبين مصر والسعودية ودول الخليج المتخوفة من المؤامرات الإيرانية التي لا تنتهي. أثار أوباما ضده ودون أن يشعر العالم السني الذي يشكل 85% من المسلمين، وحاول فرض إيران الشيعية عليها، تلك الطامحة لفرض سيطرتها عليهم وتحقيق الهيمنة بالمنطقة.

صحيح أن السنة مقسمون وهم في حالة ضعف- الإخوان المسلمين يحاربون مصر، داعش تحارب السنة والشيعة في العراق وسوريا وفي سيناء أيضا ضد مصر، وما إلى ذلك. مع ذلك فليس هناك احتمال أن يوافق السنة وهم الغالبية الساحقة بالإسلام على التسليم بإيران كأقوى دولة إقليمية.

في تلك الدول يقدرون، وكذلك في إسرائيل، بأن الاتفاق مع إيران سيء، نظرا لأنه يمنحها اعترافا كدولة عتبة نووية قادرة على تخصيب اليورانيوم الذي يعد العنصر الرئيس في بناء القنبلة الذرية، وكذلك الاستمرار في تطوير صواريخ طويلة المدى. يبدو أن الرد الوحيد على هذا الوضع هو حصول السعودية ومصر وربما دول سنية أخرى على السلاح النووي.

بكلمات أخرى بدأ على ما يبدو الماراثون النووي بالشرق الأوسط الذي يعد من أكثر المناطق غير المستقرة والأخطر في العالم، والسلاح النووي يمكن أن يسقط بأيدي أحد التنظيمات الإسلامية المتشددة الموجودة داخله. إضافة إلى ذلك أصبحت إيران مجددا دولة شرعية يمكن أن تتاجر مع العالم كله وفي نفس الوقت أن تستمر في مؤامراتها الإرهابية لدفع هدفها بالسيطرة على المنطقة والعالم بما يتسق مع عقيدتها وإرث الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية.

السؤال بالطبع هل يمكن أن تسفر جولة كيري عن نتائج ملموسة، أي إعادة الثقة بين الجانبين. يبدو أن الإجابة ستكون بالنفي بالنسبة للسعودية ودول الخليج وستكون جزئية من ناحية مصر.

التقى كيري خلال زيارته للقاهرة يومي 1-2 أغسطس الرئيس السيسي ووزير الخارجية سامح شكري وأعلن عن استئناف الحوار الاستراتيجي بين الدولتين. يأتي ذلك بعد أن أعلنت الولايات المتحدة في مارس استئناف المساعدات العسكرية وأرسلت هذا الأسبوع 8 طائرات F-16 إلى مصر بناء على اتفاق سابق بين الدولتين.

كذلك أوضح كيري مزايا الاتفاق مع إيران، وامتدح السيسي لجهوده لدفع الاقتصاد المصري، وتعهد بتحقيق التعاون في مجالات مختلفة ودعم الحرب على الإرهاب الإسلامي. بل قال وفقا لمصدر مصري إن لديه دلائل على قيام الإخوان المسلمين بنشاطات إرهابية، وهو ما تاقت مصر إلى سماعه منه منذ وقت طويل. هذا الكلام قوبل طبعا بالترحيب من قبل القاهرة التي تعاني من أوضاعا صعبة.

في محطته التالية بقطر، التقى كيري في 3 أغسطس وزراء خارجية دول الخليج، ويتوقع أن يلتقي وزير الخارجية الروسي لافروف، والملك السعودي. سمعنا مجددا أن الاتفاق مع إيران يمنعها من تصنيع سلاح نووي في الوقت الراهن وأن العالم الآن أصبح أكثر أمنا. علاة على ذلك بدا أن كيري بدأ في تبني كلام الرئيس الإيراني روحاني أنه بالإمكان حل أزمات المنطقة بالشكل الدبلوماسي الذي يعني بالنسبة لإيران تثبيت التأثير الحالي لإيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن.

التهديد الوجودي للسعودية ودول الخليج

لكن الواقع مختلف. حصلت إيران على شرعية من الدول الغربية لتصبح دولة نووية، إذا لم يكن الآن، فبعد سنوات معدودة، بينما تواصل اليوم معركة إرهابية لا هوادة فيها ضد الدول السنية بالمنطقة بهدف إسقاط أنظمتها. وذلك بعد أن تمكنت من تطويق السعودية من خلال عملائها بحزب الله في لبنان وسوريا، والحوثيين في اليمن والمليشيات الشيعية في العراق، كما تعمل على تشجيع الشيعة في البحرين والسعودية والكويت.

في هذه المرحلة فإن كل ما يمكن أن يقوله كيري هو أنه سيساعد (الدول السنية) في نضالها. ونظرا لأن السعودية ودول الخليج بحاجة للدعم الأمريكي، فإنها سوف ترد بشكل إيجابي، لكن ذلك لن يغير الوضع الاستراتيجي الخطير الذي فرضته الولايات المتحدة على المنطقة ويعرض وجودها للخطر.

من الواضح أن الثقة بين دول الخليج والولايات المتحدة قد انكسرت لفترة طويلة، وسوف تضطر دول الخليج للقتال من أجل وجودها في شرق أوسط متفكك، وفي وقت يتزايد فيه تراجع قوة وتأثير الولايات المتحدة بالمنطقة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More