العرب في ذاكرة التاريخ ووعيه

0

(2) الانطلاقة الكبرى .. الخروج إلى عالم الآخر

لقد بدأت الحضارة الإسلامية عربية ، وفي هذه المرحلة الجنينية من عمر الحضارة الإسلامية برز الطابع العربي للحضارة الإسلامية ، أو بعبارة أكثر دقة الحضارة العربية الإسلامية ، وقد جسدت دولة المدينة المنورة التي أسسها الرسول الكريم مرحلة الحضارة العربية الإسلامية ، ومن ثم يمكن القول بأن الحضارة العربية الإسلامية بدأت بالفكر والسلوك والنموذج العربي الإسلامي قبل أن تتحول إلى إسلامي عام يجمع كافة المسلمين من كل عنصر وعرق ، وقد تجلى الطابع العربي في دولة المدينة وفي تشكيل مجتمعها الإسلامي .

أولاً : عود على بدء .. توطيد وتجلية :

علينا ونحن بصدد دراسة الانطلاقة الأولى للعقيدة المكافحة أن نفرق بين ثلاثة مدركات أساسية شكّل كل منها مرحلة من مراحل تطور الحضارة الإسلامية : 

المدرك الأول : وشكّل المرحلة الأولى ، وهو الحضارة العربية الإسلامية ، وقام على تشكيلها وصياغة مقوماتها وأشكالها العنصر العربي بقيادة الرسول الكريم في دولة المدينة .

المدرك الثاني : وشكّل المرحلة الثانية ، وهو الحضارة الإسلامية ، وقام على تشكيلها وصياغة مقوماتها وتعبيراتها  كل العناصر التي انضوت تحت لواء الإسلام ، وانصهرت في بوتقته من عرب وفرس وأتراك وبربر وكافة العناصر الأخرى ، وتعتبر الحضارة العربية الإسلامية نواتها الأولى.

المدرك الثالث : وشكّل المرحلة الثالثة ، وهو الخصوصية العرقية داخل الحضارة الإسلامية ، حيث قامت بعض الأعراق والعناصر بالسيطرة على الدولة الإسلامية ، وأبرزت هويتها العنصرية العرقية ، وحاولت أن تسحبها على الحضارة الإسلامية ، مثل الحضارة الإسلامية الفارسية أو الحضارة الإسلامية التركية .. إلخ ، وقد ظهر هذا المدرك ووردت هذه المرحلة إبان تفكك الدولة الإسلامية وانهيارها وضعف الحضارة الإسلامية ، وقد سمح ذلك بظهور تلك التشرذمات داخل الحضارة الإسلامية .

أ : خصائص الحضارة العربية الإسلامية : 

للحضارة العربية الإسلامية جملة من الخصائص ميزتها على الحضارة الإسلامية ، وميزتها كذلك عن الخصوصيات العرقية داخل الحضارة الإسلامية ، وتتمثل تلك الخصائص في الآتي :

(1)قام العنصر العربي ببناء مقوماتها : مما لا شك فيه أن عقيدة التوحيد قد جاءت إنسانية عالمية ، وقد اعتنقها منذ ظهورها في مكة ثم في المدينة رجال من الفرس والروم والأحباش ، وبالرغم من ذلك لا يمكن إنكار أنها نزلت في العرب وبلسانهم وعلى نبي منهم ، وعززت الكثير مـن قيمهم ، وسمت بالعديد منها وارتقت به إلى محيط العالمية . 

إذن كان العنصر أو العرق العربي منفرداً في فاعليته في وضع المقومات الأساسية والأولية للحضارة الإسلامية ، وقد تمثلت فاعلية ذلك العنصر وتفرده في : البشر وفي اللغة وفي الموطن الجغرافي وفي الرسول حامل الرسالة .

(2)تشبعت بالقيم العربية التي امتزجت بالقيم الإسلامية : نزلت عقيدة التوحيد على العرب بواقعهم الذي أوضحنا أبعاده من قبل ، وقد تلاقت العقيدة الجديدة بأنساقها القيمية المتعددة مع نسق القيم العربية الذي كان سائداً في بلاد العرب ، وبصفة خاصة في مجتمعي مكة والمدينة المنورة ، وكان نتيجة ذلك التلاقي كالآتي : انحسرت بعض القيم العربية ثم تلاشت لأنها اصطدمت بالقيم الإسلامية ولم تكن على مستوى الأخيرة في المثالية والنموذجية ، امتزجت بعض القيم العربية بالقيم الإسلامية وسمت بها الأخيرة ومنحتها صفات العالمية والإنسانية ، سادت القيم الإسلامية الخالصة التي جاءت مع العقيدة الجديدة إلى المجتمعات العربية وأصبحت من قيمها وترسخت فيها ، وهكذا حدث امتزاج بين القيم العربية والقيم الإسلامية ، ثم بدت الحضارة في هذه الفترة المبكرة مزيجاً من العروبة والإسلام .

(3)وضعت الأصول والقواعد للحضارة الإسلامية : مما لاشك فيه أن مرحلة الحضارة العربية الإسلامية التي نحن بصدد دراستها قد وضعت الأصول والقواعد للحضارة الإسلامية فيما بعد ، فقد مثلت المرجعية الأساسيـة لتلك الحضارة ، فدولة المدينة نواة الحضارة الإسلامية ، منها انطلقت وتوسعت لتشمل دولة الإسلام المترامية الأطراف ، وفيها وُضعت مقومات تلك الحضارة ، وصيغت أشكالها ونماذجها وتعبيراتها التي انطلقت فيما بعد بصحبة العقيدة لتتجاوز بلاد العرب ومن خلال قيمهم وثقافتهم ومجتمعاتهم التي امتزجت بالعقيدة وأصبحا كلاً واحداً .

(4)النطاق الجغرافي والمكاني العربي : من خصائص الحضارة العربية الإسلامية كذلك أن نطاقها الجغرافي المكاني كان قد تحدد ببلاد العرب ، فقد انطلقت تلك الحضارة بطابعها العربي الإسلامي من المدينة المنورة متوجهة نحو مكة المكرمة موطنها الأول ، ثم جابت بلاد العرب جنوباً وشمالاً وشرقاً ، وقد عزز هذا التحديد المكاني الجغرافي كافة الخصائص الأخرى التي أبرزت الطابع العربي الذي تبلور في العروبة عنصراً وشعباً وقيماً ومجتمعاً وانتماءً .

(5)النطاق الزماني : عصر النبوة وعهد أبي بكر الصديق : لقد كان عمر الإسهام العربي في الحضارة الإسلامية قصيراً ولكنه كان فعالاً ومؤثراً ، فقد امتد طيلة عصر النبوة الزاهر وعهد أبي بكر الصديق ، وبالرغم من قصر هذه المدة وضعت فيها أسس الحضارة الإسلامية ، ومن ثم كان أساس حضارة الإسلام عربياً خالصاً ، ولكنه ما لبث أن اتسع وامتد ليشمل إسهامات وإضافات عديدة لعناصر وأعراق شتى ، وخلال هذه الفترة الحاسمة من عمر الحضارة الإسلامية كان الاعتماد مطلقاً على الأحكام الشرعية دون تدخل بشري أو اجتهاد إنساني إلا في حدود الفراغ التشريعي المسموح به لإقرار قيمة الشورى وهيكلها التنظيمي .

(6)المثالية والنموذجية : يرتبط بما تقدم ويتممه أن هذه الفترة الذهبية من عمر الحضارة الإسلامية والتي برزت فيها التأثيرات العربية قد اتسمت بالمثالية والنموذجية ، وكان ذلك أمراً طبيعياً ، فجُل هذه الفترة كان نبوة ، وعولجت معظم قضاياها وإشكالياتها الحياتية عن طريق الوحي ، ومن ثم احتوت تلك الفترة ذات الطابع العربي على مصادر الشريعة ومرجعيات الطرح الإسلامي ، التي تمثلت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ونموذج دولة الرسول الكريم وخليفته أبي بكـر الصديق .

ب : مقومات الحضارة العربية الإسلامية : 

في إطار الحديث عن مقومات الحضارة العربية الإسلامية نتناول مسألتين لهما أهميتهما ، تتبلور المسألة الأولى في صياغة أصول وقواعد الحضارة الإسلامية ، وتتحدد المسألة الثانية في القواسم المشتركة بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الإسلامية ، وفيما يلي التفصيل :

صياغة أصول وقواعد الحضارة الإسلامية : في فترة الحضارة العربية الإسلامية تم صياغة أصول وقواعد الحضارة الإسلامية ، واشتملت تلك الأصول والقواعد على المقومات والخصائص التي يمكن الإشارة إليها في الآتي :

(1)المقومات : في فترة الحضارة العربية الإسلامية التي امتدت خلال عصر النبوة الزاهر وعهد أبي بكر الصديق تم صياغة الأسس الأولى لمقومات الحضارة الإسلامية ، وتعينت تلك المقومات في : نشر الدعوة ، التنظيم ، تشكيل النظام الاجتماعي ، الجيش ، العمران والمدنية ، العلــوم وتطبيقاتها ، لقد وضعت في دولة المدينة وفي حياة الرسول الكريم ثم في عهد خليفته أبي بكر الصديق القواعد والأسس والمنطلقات لتلك المقومات التي نمت بعد ذلك وتطاولت وساهم في تشييدها كافة عناصر الأمة الإسلامية وفي جميع الأماكن والجهات .

(2)الخصائص : أيضاً في فترة الحضارة العربية الإسلامية تحددت بشكل شبه قاطع خصائص الحضارة الإسلامية في : الخلود والأبدية والكفاحية وطغيان البعد الأخلاقي والإنسانية والعالمية والأصالة المعاصرة .

ت : القواسم المشتركة بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الإسلامية : 

لعل القاسم المشترك الأساسي بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الإسلامية هو العقيدة المكافحة ، أي عقيدة التوحيد ، وما ارتبط بها من قواسم وخصائص فرعية أخرى ، فالإسلام إذن هو الذي جمع بين العرب والعناصر الأخرى ، ولولاه لما أمكن لكل تلك العناصر والأعراق من البيئات المختلفة والثقافات والحضارات المتبـاينة أن تجتمع وتأتلف في كيان واحد .

وقد أنتجت العقيدة المكافحة بوصفها القاسم المشترك الأساسي بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الإسلامية قواسم أخرى فرعية تمثلت في : المنطلقات المرجعية وكانت ثابتة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ودولة الرسول الكريم كنموذج نظامي حركي ، ثم في سمة الكفاحية التي برزت في كل من الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الإسلامية والمكتسبة من عقيدة التوحيد ، ثم في الأهداف والمقاصد التي ترتبط عضوياً بخصائص الحضارة في المرحلتين .

ث : الرواد الأوائل .. العُدة والعتاد :

انتقلت العقيدة المكافحة بمعتنقيها إلى يثرب ، وتجسدت في نمط حضاري ذي طابع عربي مثّل نواة الحضارة الإسلامية فيما بعد ، وقد أرتكن ذلك النمط الحضاري على أركان ثابتة ، ثم شكل مجتمعاً كان نموذجاً للمجتمع الإسلامي بعد ذلك ، في هذا الإطار لابد من متابعة الرواد الأوائل الذين اعتنقوا عقيدة التوحيد والذين أسسوا هذا النمط الحضاري ، لأنهم هم الذين سينطلقون بالعقيدة المكافحة ليحملوها إلى أقطار الأرض ومعهم نموذجها الحضاري الذي أسسوه في مدينة الرسول الكريم ، فهم إذن القوة المحركة التي تنطلق بالعقيدة فتنشرها وترسخ نموذجها الحضاري في ربوع الأرض ، لقد أعيد بناء شخصية الرواد الأوائل في المجتمع الجديد ، وتم تهيئة تلك الشخصية للقيام بدورها الرائد .

ثانياً : الانطلاقة الكبرى .. الخروج إلى عالم الآخر :

هل طمح العرب بعد أن تقووا بالعقيدة المكافحة وتسلحوا بإصرارها ومضائها إلى قهر الآخر وسلب مقدراته تحت غوائل الحاجة والعوز والقحط والجدب التي عانوا منها دوماً ؟ وهل كان الآخر من الضعف والوهن والتفكك بما جعله لا يقدر على الصمود والتصدي لحملة العقيدة ويستسلم أمام أول كرة  لها ؟ وهل كان العنصر العربي يطمح في أن يحقق مجداً ينسب إلى عنصره ويتفضل به على ما سواه من العناصر الأخرى ؟ .

في الحقيقة لم يكن كل ما تقدم مقنعاً لتقديمه كمبررات تقف وراء الانطلاقة الكبرى التي اندفعت بها عقيدة التوحيد إلى عالم الآخر لتعبر عن محتواها الإنساني ومضمونها العالمي ، فكل تلك المبررات إن هي إلا تحليلات شكلية ظاهرية تصدر عن فكر عقلي محض لم يتعمق لسبر أغوار تلك العقيدة وفهم محتواها وفقه مضمونها ، فما تقدم من أسباب وتبريرات يصغر أمام تلك الانطلاقة ، ويعجز تماماً عن إبراز الحقيقة وتجلية الواقع ، فهل يدل على عدم فهم ! أم يدل على تعجل وتسرع ! أم يدل على الانقياد وراء ما يقوله الآخـرون دون تمحيص أو تثبت ! ونحن أبناء الإسلام ينبغي أن يتسم ما يصدر عنا بخصوص عقيدتنا وحضارتنا بالدقة والعمق حتى يأخذ عنا أولئك الآخرون !! .

إن خروج عقيدة التوحيد بسمتها المميزة وهي الكفاحية إلى عالم الآخر في انطلاقة لعلها الفريدة من نوعها في التاريخ ليحتاج منا إلى تحليل متأني وتمحيص متعمق ، لأن في ذلك بحثاً عن جذور الحضارة الإسلامية وكيفية نشأتها وطبيعة مقوماتها ونماذجها وأشكالها ، لأنها ارتبطت بالعقيدة واكتسبت منها سمة الكفاحية وظلا متلازمتين أبداً .

وذلك الخروج يتطلب متابعة وتحليل لعمليات ثلاث : الأولى حمل الدعوة ، والثانية توصيلها إلى المخاطبين بها ، والثالثة تبليغها ومتابعة نتائج التبليــغ ، ومن خلال تلك المتابعة سيتضح الكثير من الأسباب الحقيقية والواقعية والموضوعية التي وقفت وراء الانطلاقة الكبرى والخروج بالعقيدة والحضارة الإسلامية إلى عالم الآخر .

ثمة مسألة أخرى جديرة بالتبيان ، وهي حالة العناق الذي تم بين الرواد الأوائل حملة العقيدة وبين المدد المتجدد من الذين اعتنقوا تلك العقيدة من عالم الآخر ، كيف تم ذلك العنـاق الحار ؟ وماذا حقق من نتائج انعكست على العقيدة ذاتها وحضارتها التي تسير دومـاً في ركابها ؟ .

إن حالة العناق بين الرواد والمدد المتجدد قد أفضت إلى نتيجة نهائية مفادها أن العقيدة العظيمة وكذا حضارتها الواعدة باتا تتغذيان من داخليهما ، وتكتسبان يومياً الوقود والطاقة المحركة اللازمة لوجودهما واستمرارهما وتطورهما .

أ : حمل الدعوة وتوصيلها وتبليغها :

فيما يتعلق بانطلاقة عقيدة التوحيد المكافحة والحضارة التي صاحبتها تثور أسئلة عديدة ومتنوعة تثير لدى الكثيرين الهواجس والشجون ، ومن تلك الأسئلة : لماذا انطلقت عقيدة التوحيد هذه الانطلاقة الكبرى وخرجت هذا الخروج المجيد إلى عالم الآخر ؟ وهل فرض العرب حاملو العقيدة والحضارة الإسلامية عقيدتهم وحضارتهم على الآخر بقوة جيوشهم وعتادهم ؟ لقد ذهب الكثيرون في الإجابة على هذه الأسئلة مذاهب شتى ، وقدموا رؤى وطروحات متباينة ، ولا نعمد في هذه الجزئية إلى استعراض تلك الرؤى والطروحات ، لأن ذلك لا يستحق أن يشغلنا عن الأهم الذي يتبلور في تقديم التحليل الموضوعي الواقعي ، ويمكننا متابعة ذلك من خلال الآتي : 

(1) مبررات الانطلاقة والخروج : ما الذي دفع المسلمين العرب إلى الخروج من بلادهم ميممين شطر الأمم المجاورة ، وهي الأعرق حضارة والأرسخ ثقافة والأكثر تنظيماً وإدارة وسياسة والأوفر ثروة ونفوذاً والأغنى قوة ومكنة ! سؤال تستلزم الإجابة عليه طرح الأفكار التالية :

*المسلمون العرب لم يكونوا الأقوى مادياً : إن دراسة الأوضاع المادية للأمم التي انطلق إليها المسلمون العرب توصل إلى نتيجة مؤداها أن تلك الأمم كانت على درجة عظيمة من القوة الاقتصادية والمادية وكذا القوة العسكرية ، بالإضافة إلى التنظيم السياسي المحكم والترتيب الإداري الصارم ، كان ذلك شأن الفرس وكذلك كان شأن الرومان ومستعمراتهم في سوريا ومصر وشمال إفريقيا ، بالإضافة إلى مركز الإمبراطورية في القسطنطينية ، كما أن هاتين الإمبراطوريتين كانتا على رصيد وافر من الموروث الحضاري والثقافي الذي يشهد به الجميع فقد كان الرومان والفرس في النصف الأول من القرن السابع الميلادي في صحوة فكرية وعلمية عظيمة .

وقد كان المسلمون العرب في المقابل هم الطرف الأضعف ، فقد كانت إمكاناتهم المادية متواضعة ، وتنظيمهم السياسي والإداري في طور الإنشاء والتكوين ، كذلك كانت قدراتهم العسكرية غير مهيأة وغير مجربة للصدام مع جيوش على غرار الفرس والروم ، ومن ثم فقد كانت كافة المعايير والمقاييس المادية في غير مصلحة العرب المسلمين وترجح عليهم الأمم الأخرى التي يتأهبون للخروج إليها .

*لم يطمح المسلمون العرب في السطو على مقدرات غيرهم : قد يفضي ما تقدم إلى طرح مفاده أن المسلمين العرب قد فكروا في الخروج من شبه جزيرتهم في اتجاه الأمم الأخرى المجاورة لإقامة نوع من التوازن ، ولإحراز مزايا اقتصادية ومادية على حساب تلك الأمم هم في حاجة إليها ، ولكن ألا تعد هذه مغامرة كبرى وانتحاراً جماعياً لشعب يدرك حقيقة قوته ويقنع بمقدراته منذ آلاف السنين ! .

لقد عرف عن العرب أنهم ربما كانوا كثيري الاحتكاك والصدام ببعضهم ، ولكن لم يعهد عنهم أنهم اصطدموا بالدولتين الكبيرتين ، فقد أدركوا تماماً مدى قوتهم ومقدار قدرتهم ، ومن ناحية أخرى عاشوا في بلادهم وهم يعانون من ظروفها الطبيعية القاسية ويقاسون مواردها وثرواتها الشحيحة ، ولم تمتد أعينهم أو أيديهم إلى ما لدى الآخر ، بل احتالوا على الظروف الطبيعية العصيبة وشحت الموارد والثروات بتلمس السبل التي تكفل لهم العيش ولو بالكاد ، وكانت التجارة وسيلتهم إلى ذلك بالإضافة إلى الوسائل الأخرى مثل الرعي والزراعة والصيد وغيرها .

كذلك عُرف عن العرب أنهم راضون بوضعهم الاقتصادي والمادي ، قانعون بما توفر لديهم من رزق ، وقد كان ذلك دأبهم ، ولا يقدح في ذلك ما كان ينشب بينهم من احتكاكات وصراعات حتى ولو استمرت سنوات ، فهي احتكاكات وصراعات بينية تثيرها نعرات قبلية أو مآرب شخصية لا تتجاوز نطاق بلاد العرب .

وقد كان المسلمون في دولتهم الناشئة ومجتمعهم الجديد قانعين بمقدراتهم المتاحة على يقين من أن قوتهم المتواضعة لا ينبغي أن توجه إلا للدفاع عن العقيدة الجديدة ونشرها في كل الأنحاء ، ولم يكن هم المسلمين الأول هو إحراز النجاحات الاقتصادية والتفوق المادي على جيرانهم .

*لم يكن المسلمون يطمحون إلى مجد ذاتي أو سلطان دنيوي : منذ أن انتقل الرسول الكريم إلى المدينة المنورة وشرع في إقامة دولة الإسلام الأولى ومجتمعه الجديد وهدف المسلمين لا يتجاوز نشر عقيدة التوحيد والدعوة لتلك العقيدة في كل الدنيا وإقامة حضارة إسلامية أساسها الشرع الحنيف ومقصدها وغايتهـا توحيد الله وإفراده بالعبادة ، ولم تختلج هذه الأهداف النبيلة والمقاصد السامية برغبة في مجد ذاتي أو طموح في سلطان دنيوي ، وظلت هذه النزعة الأخلاقية تميز عقيدة التوحيد وحضارتها في انطلاقتها الكبرى وخروجها إلى عالم الآخر ، وقد تجلى ذلك في موقف المسلمين الذي تأسس على توجيهات الخالق سبحانه من ثروات الأمم التي وصلتها الدعوة ودخلت الإسلام ، فقد كان ذلك الموقف فاصلاً حاسماً في توزيع الغنائم بين المسلمين وتفتيتها بينهم حتى لا تكون دولة بين الأغنياء منهم ، كذلك حث الخالق عز وجل على الحفاظ على ثروات الأمم التي دخلت إلى الإسلام واستفادة جميع المسلمين بها وإنمائها ، وكم كان ذلك النهج بديعاً أفاد الفقراء والعبيد والمحرومين من أبناء تلك الأمم من ثرواته التي طالما حرموا منها ، وعليه فمن التجني الموتور والمعرفة الضحلة أن نصف انطلاقة عقيدة التوحيد الكبرى وخروجها الميمون إلى عالم الآخر بأنها كانت رغبة في مجد ذاتي أو جموح نحو سلطان دنيوي .

*إنسانية العقيدة وعالميتها فرضت على المسلمين الاصطدام بالأمم الأقوى : مفارقة جديرة بالاعتبار والتأمل مفادها أن المسلمين لم يختاروا أمماً ضعيفة لنشر العقيدة فيما بينها ، بل إن إنسانية تلك العقيدة وعالميتها فرضت على المسلمين الاصطدام بالأمم الأقوى ، فالدعوة موجهة لكل البشر ولا تفرق بين قوى وضعيف أو فقير وغني ، وهم محاطون بأقوى قوتين في العالم في ذلك الوقت ، وأصبح هاتان القوتان هما المخاطبتان بالعقيدة ، ولو أن المسلمين يتصرفون في أمور الدعوة عن هوى لديهم لأصبح من المنطقي أن يعمدوا إلى انتقاء الأمم الضعيفة حتى يسهل نشر العقيدة فيما بينها .

*كان المسلمون هم الأقوى بالعقيدة المكافحة والأغنى بالقناعة والرضا : كان أساس الانطلاقة الكبرى ومحور الخروج إلى عالم الآخر هو العقيدة المكافحة وما بثته في نفوس المسلمين وأرواحهم من عزم ومضاء وعزة وقناعة ورضاء بما حباهم الله من فضل وما اختصهم به من إيمان جعل كل شيء يصغر أمامه ، وهذا جعل الحضارة الإسلامية حضارة معتقد ، ولم تكن حضارة عرق أو عنصر ، وعليه فالعامل الأخلاقي والبعد الروحي كان محورها الأساسي ، ولم تنتسب الحضارة الإسلامية إلى عرق أو عنصر من العناصر التي دخلت فيها بل انتسبت إلى الدين والعقيدة التي كانت أساساً لها وهي عقيدة الإسلام الإنسانية العالمية المكافحة . 

(2)حمل الدعوة : مهمة الجيش الإسلامي هي مهمة عقيدية بالأساس ، فهو يدافع عن العقيدة كمعتقد راسخ في العقول والقلوب وكحقيقة نظامية في شكل دول وكيانات ، وهذا الدفاع يأتي ضد الاعتداءات والتعديات الخارجية أو التشققات وحركات الخروج الداخلية ، إضافةً إلي ما تقدم فالجيش يحمل الدعوة الإسلامية ، ويتحرك بها في الاتجاه الذي يراد توصيلها إليه ، ليتولى الدعاة تبليغها ونشرها . 

وحمل الدعوة عن طريق الجيش يعنى أن ثمة أدوات وآليات مهمتها تبليغ الدعوة ونشرها بأساليب خاصة تسير في ركاب الجيش وترافقه ، وربما تتبعه وتعقب وصوله إلي الجهة المقصودة ، وهذه الأدوات والآليات هم الدعاة الذين أُعدوا خير إعداد وهُيّئوا أحسن وأمثل تهيئة ، حتى يكونوا أحسن أسوة وأصلح قدوة ، وأساليبهم في التبليغ معروفة تتدرج في منطلقات متتابعة تعتمد علي البسط والتبسيط ، والترغيب دون الترهيب ، لا تعرف الملل أو الكلل ، بل تسلك الأناة والصبر ، ولا تبتغي غير وجه الله وإعلاء دينه .     

وعن صفة الدعاة وهيئتهم في الجيش الإسلامي ، فهم إما أن يكونوا مقاتلين في صفوف الجيش ، وإما أن يكونوا مرافقين يتولون مهامً دعوية داخل الجيش للإرشاد وحث المقاتلين وتشجيعهم ، وهنا تجدر الإشارة إلي أن الدعاة في عهد الرسول الكريم كانوا علي رأس البعثات ، التي هي سرية أو جزء من الجيش ، فكان أمير السرية هو الداعية الأول ومعه معاونون ، أما في عهد الخلفاء الراشدين فقلما حدث ذلك ، إذ أن قيادة أو إمارة الجيش كانت قيادة متخصصة أي عسكرية بحتة ، أما الدعاة فكانوا إما مقاتلين أو مرافقين . 

كذلك كان يمكن للدعاة أن يتعقبوا الجيش أي يصلون في أثره ، وبعد أن يتمكن من إزالة العوائق والحواجز التي تعوق وصول الدعوة إلي الشعوب المقصودة ، وفي هذه الحالة وفي كافة الأحوال كان يتم إختيار الدعاة بما يتواءم مع طبيعة البلاد التي يقصدها الجيش حاملاً الدعوة ، كأن يعرفون طبائع أهل تلك البلاد وخصائصهم ولغاتهـم وموروثاتهم الحضــارية والثقافية ، وغير ذلك من الأمور التي تسهل عملية الاتصال والتواصل مع شعوب تلك البلاد ، وتقديم الإسلام بالشكل اللائق والمناسب  ولا يعتبر توافد الدعاة في أعقاب الجيش وعلى أثره إعفاءً له من مهمة حمل الدعوة ، لأن الجيش في هذه الحالة إذا لم يكن قد اكتنف الدعـاة وانتظمهـــم في ثناياه ، فهو قد مهد لهم الطريق وسهل مهمتهم في الوصول إلي المخاطبين ومواجهتهم بشكل مباشر .   

(3) توصيل الدعوة : لقد حمل الجيش الإسلامي آليات وأدوات الدعوة في ثناياه أو في أعقابه ، ثم بات لزاماً عليه أن يوصلها إلي المخاطبين المستهدفين ، وهذه هي المهمة الثانية التي ينبغي عليه أن يتولاها فيما يختص بنشر الدعوة الإسلامية ، وتوصيل الجيش للدعوة عملية معقدة وتتكون من مراحل عديدة ، من الصدامات المتتالية التي يخوضها الجيش حتى ينتهي بالدعوة إلي الشعوب المخاطبة بها ، والصدامات المتتالية هي سلوك يسلكه الجيش من أجل إزالة العوائق والحواجز العديدة التي تحول دون وصول الدعوة وذلك عبر إدارة الصراع العضوي ، وتتجسد العوائق والحواجز التي علي الجيش أن يصارعها عضوياً أو فكرياً في الآتي :   

*الصراع مع جيوش قوية : شهدت فترة الخلافة الراشدة أهم فتوحات الدولة الإسلامية وأخطر مراحل انتشار الدعوة الإسلامية ، فقد دخل الجيش الإسلامي في صراع عضوي عنيف مع أكبر وأقوى جيشين لأعظم وأعتى إمبراطوريتين في التاريخ المدّون علي الإطلاق ، الإمبراطورية الفارسية الساسانية والإمبراطورية الرومانية البيزنطية ، الأولى في ذاتها  والثانية في مستعمراتها ثم في ذاتها ، لقد تعددت الصدامات بين هذين العملاقين ، ولم ينل أحدهما من الآخر ، فقد كانت قوتهما هائلة ومقدراتهما الاقتصادية كبيرة ، ورصيدهما الحضاري والثقافي وفير ومشهود ، فمن يمكنه أن يباري الأعظمين !! .   

لقد تقدم الجيش الإسلامي المتواضع عدة وعتاداً القوى عقيدة وإيماناً ، تقدم ذلك الجيش ليزيح أول العوائق والحواجز ، ولكنه في ذات الوقت أهمها وأعتاها ، كانت قوة جيوش فارس والروم لا يُستهان بها ، ولكنها كانت هينة أمام قوة الجيش الإسلامي الذي قدّر له أن ينه كيان الإمبراطورية الفارسية من الوجود ، وأن يحرر أهم مستعمرات الإمبراطورية الرمانية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا ، وأن يهدد كيان الإمبراطورية ذاته . 

وكانت نهاية الصراع العضوي بين الجيش الإسلامي وجيوش الفرس والروم هي تبدد الأول، وانسحاب الثاني من الشام ومصر وشمال أفريقيا إلي غير رجعة ، ومن ثم كانت الحلقة التالية من الصراع .

*الصراع مع دول ونظم وتنظيمات : بعد انتهاء الصراع العضوي بين الجيوش استجد صراع من نوع آخر ، صراع بين جيش لا يفهم إلا لغة الصراع العضوي ومنطق القوة وبين بقايا الكيان المنهار ، بقايا دولة بنظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. الخ ، وكذا تنظيماتها الإدارية ، فكيف يمكن للجيش الإسلامي أن يتجاوز هذا العائق ويتعامل مع هذه البقايا ، لقد تعامل الجيش الإسلامي بمنطق آخر غير منطق القوة ، وبلغة مختلفة سوى لغة الصراع العضوي ، لقد أفسح الجيش الطريق في مهارة وحكمة لأهل الاختصاص وذوى الشأن ، الذين يفهمون في الإدارة والسياسة لكي يديرون شئون هذه البلاد ويدبرون أمور أهلها ، وبدأ التعامل مع تلك النظم والتنظيمات على أنها الأدوات والآليات المبدئية للإدارة والسياسة ، حتى يتم استدعاء الأدوات والآليات الإسلامية النابعة من الأطر المرجعية الإسلامية ، ومن خلال هذا التدرج تطورت الأمور والأوضاع ، وتم التمكين للأنظمة والتنظيمات الإسلاميــة دون عنف أو ترويع . 

*الصراع مع الحكام والسادة والمتنفذين : كانت الحلقة التالية هي حدوث مواجهة بين الجيش الإسلامي وبين الحكام والسادة والمتنفذين من أهل البلاد المفتوحة ، وأفضت تلك المواجهة إلي نتائج عديدة ، فمن هؤلاء من دخل الإسلام ولو على مضـضٍ في البدايــة ، ومنهم من رفض الدعوة وآثر مواصلة الصراع العضوي وقضى نحبه ، ومنهم من آثر الفرار خارج البلاد ، وعندئذ أصبح الطريق مفتوحاً أمام الدعوة الإسلامية لتصل مباشرة إلي الشعوب ، ويتم الخطاب المباشر بين الدعاة الذين سيتسلمون مهمتهم من هذه اللحظة التاريخية ، والشعوب الراغبة في التعرف علي الدين الجديدة التواقة إلي التحرر والإنعتاق من نير الاستعباد والسيطرة .   

(4)تبليغ الدعوة : من هنا استلم الدعاة مهمتهم وبدأوا يباشرون أعمالهم وأسدل الستار على دور الجيش وتحول إلي دور آخر ، هو دور المدافع عن الوضع الجديد المرسخ له والداعي إلي الأمن والاستقرار ، وخلال هذه المرحلة الجديدة كانت هناك جملة من التدابير كان على الدعاة القيام بها ، وهي تتمثل في الآتي :

*وضعية الشعوب المحررة : وضعية الشعوب المحررة التي أعتقها المسلمون ورحل عنها قاهروها وجلادوها ، وضعية معقدة ومركبة ، فلأول مرة يصبح هؤلاء أحراراً ، ويملكون حرية الاختيار في أهم وأثمن ما يمكن أن يمتلكه الإنسان وهو المعتقـد ، لقد قدّر لهم أن يروا سادتهم وكبراءهم يُذلون كما أذلوهــم مـن قبل ، ولكن المهم أنهم في مفترق طرق وعليهم تحديد توجههم ومسارهم .

*توزيع الأدوار بين الجيش والسياسة : أما عن الطرف الإسلامي فكانت هناك عملية بديعة لتوزيع الأدوار بين الجيش والسياسة ، فالجيش كان عليه أن يتحول إلي دوره – الذي سبق وأشرنا إليه أعلاه – ، وعلى السياسة أن تحل محله ، وهنا يمكن لقائد الجيش أو أميره أن يتولى الإمارة العامة على الإقليم أو الولاية ، ولكنه لا يتولى أمر الدعوة .

وربما يبعث المركز بأمير غير أمير الجيش ليتولى الإمارة العامة علي الإقليم ، ولا علاقة له أيضاً بمسألة الدعوة ، وقد يكون هناك أميران يتقاسمان الولاية العامة ، حيث تصير ولاية كل منهما ولاية خاصة ، يتولى بموجبها مجموعة من المهام مثل إقامة الصلاة ، أو جمع الضرائب ، وفي هذه الحالة أيضاً لا يكون لأي من الأميرين شأن بمسألة وشئون الدعوة ، فالأخيرة لها أصحاب الشأن والتخصص . 

*الدعاة والتبليغ القائم على التخيير والاختيار : يتولى الدعاة الذين جاءوا بصحبة الجيش أو في أعقابه أمور الدعوة إلي دين الله ، بتعريف الناس على الإسلام وما يحمله من قيم وفضائل ، ويتركون لهم حرية الاختيار ، ولقد حاول الكثيرون التدخل في هذه الجزئية المهمة من جزئيات العلاقة بين الجيش والدعوة الإسلامية ، تلك العلاقة الدقيقة والعضوية والتي ينبغي أن تعالج بدقة وموضوعية كما حاولنا تناولها ، فامتدت إليها يد العبث والحقد فطمستها وعتّمت عليها حتى لا يراها المنصفون ، ويتوهم المتابع أن الجيش فرض الدين الجديد ، وهو من ذلك برئ .

لقد انتهت مهمة الجيش بإزالته آخر حاجز من حواجز الإحالة بين الدعوة والشعوب ، وفوّض الأمر إلي الدعاة كي يتولوا مهمة التبليغ ، وتصبح العلاقة مباشرة بينهم وبين تلك الشعوب بعد إزاحة الحكام والسادة والمتنفذين  ومن ثم فالجيش الإسلامي قد تحددت علاقته بالدعوة في كونه حاملاً موصلاً  أما الدعاة فكان عليهم البلاغ المبين ، وأما الإيمان فأمره إلي الله .

*الصراع مع الموروثات الحضارية والثقافية : إن علي الدعاة أن يخوضوا أيضاً صراعاً ، ولكنه صراع فكري أدواته الحجة والبرهان وحسن البيان والقدرة على التبيين ، عليهم وهم يدعون إلي دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالمنطق ، أن يصارعوا ما توارثته هذه الشعوب من عادات وتقاليد وأفكار ، فيدحضوا حيثياتها ، ويفندوا وجودها وجدواها ، حتى يتمكنوا من إزالتهـا من ذاكرة ووعــي تلك الشعوب ، ويُحلوا محلها معتقدات الإسلام وقيمه ، فيتم الاختيار عن يقين ، ويتم الإيمان عن بينة ، فيرسخ في العقل والقلب معاً وهذا ما كان . 

ب : العناق بين الرواد والمدد المتجدد :

من قرارها المكين انطلقت عقيدة التوحيد المكافحة إلى العالمية ، خاطبت أقواماً مختلفي الأهواء والمشارب ومتبايني الأفكار والمعتقدات وغريبي العادات والتقاليد والثقافات والحضارات ، كل هؤلاء وصلتهم رسالة واحدة ذات محتوى ومقصد محدد يتسم بالخلود والأبدية ، لا يفرق بين البشر ولا بين أماكنهم وبيئاتهم ، وكانت الاستجابات متباينة بتباين أعراق الناس وبيئاتهم ، ولقد خلّفت الاستجابة رعيلاً جديداً من حملة العقيدة من أصول غير عربية ، وشكّل هذا الرعيل مدداً متجدداً للعقيدة .

(1)المدد المتجدد : استقبل العقيدة وتجاوب معها حشد عظيم من البشر ، من كافة الأعراق والأجناس الموجودة في ذلك الزمان ، من الفرس ومن الأتراك ومن الرومان ومن الأقباط ومن الأحباش ومن البربر وغيرهم آخرين .

وقد تباينت المستويات الفكرية والثقافية والاجتماعية والمادية للمتلقين لعقيدة التوحيد  فكان منهم السادة الكبار ، ومنهم متوسطو الحال ، ومنهم متواضعو الأقدار ، ولم يكن حماسهم للعقيدة متناظراً في بادئ الأمر ، إلا أن أحوالهم اختلفت بعد ذلك بشكل ملفت للانتباه .

وبعد فترة غير طويلة كان ثمة تجاوب وتآلف بين العقيدة الجديدة وبين المتلقين لها وصل ذروته عندما أصبح هؤلاء المعتنقون للعقيدة مدداً متجدداً يدفع بها بشكل مستديم إلى الانتشار .

لقد انتهى أمر هؤلاء المتلقين لعقيدة التوحيد إلى أن ذابوا في هذه العقيدة ، وصهرتهم في بوتقتها ، وتحولوا إلى حملة لها ، واصلوا مسيرة نشرها والدعوة إليها ، وقد كان لهؤلاء شأنهم في ما بعد .

(2)تجدد المدد : كان المدد يتجدد باستمرار وكان ذلك التجدد يتم بطريقتين : الطريقة الأولى هي الطريقة التقليدية التي كانت تعقب عمليات الفتح بالوصف الذي أوضحناه في المبحث السابق ، الطريقة الثانية هي الطريقة التي تمت بأساليب غير طريقة الفتح وهي طريقة الدعوة السلمية من خلال التجارة والعلاقات الاجتماعية والإنسانية التي تمت بين المسلمين وغيرهم .

(3) العناق بين الرواد الأوائل والمدد المتجدد : تعددت اللقاءات بين الرواد الأوائل والمدد المتجدد ، كان اللقاء الأول في بداية الدعوة وهي المرة الأولى التي التقى خلالها الرواد بالمدد المحتمل ، ونشأت عند ذلك علاقة طيبة بين الطرفين سادها القبول والارتياح ، تحولت إلى علاقة حميمية ، ثم انتهى بها الأمر إلى علاقة عناق وذوبان ، وأصبح الجميع في عداد الدعاة حملة العقيدة .

ت : العقيدة تتغذى من داخلها

لقد وصلت العقيدة المكافحة إلى درجة عظيمة من النضج والرسوخ عند عدد كبير من معتنقيها وفي أماكن كثيرة من العالم المتعارف عليه في ذلك الوقت ، إن العقيدة المنطلقة أصبحت تتغذى من داخلها ، فالشعوب الجديدة التي تدخل إلى الإسلام تضيف إليه قوة جديدة ، تساعده على مواصلة الانتشار وتزيد من انطلاقته ، حدث ذلك مع الفرس ثم مع الأقباط والبربر والأتراك وغيرهم .

تمكنت العقيدة الإسلامية من صهر الأعراق والأصول والثقافات والموروثات في بوتقتها  وأذابتها جميعاً وأخرجت منها مزيجاً ذا خصائص وسمات مميزة جعلت كل عرق وأصل وثقافة وحضارة يستشعر أن هذا المزيج الجديد يعبر عنه ويعكس مكوناته ، فأصبح الإسلام وحضارته وثقافته هو عقيدة وحضارة وثقافة المنتمين إليه أينما كانوا وحيثما وجدوا ، وربما تخيلوا من شدة انتمائهم إليه وقوة اعتناقهم لـه أنه يخصهم وحدهم .

ولا زلنا على موعد لنلتقي حول الانطلاقة المعتقدية والانتشار الإنساني

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More