الأنظمة العربية تدعم تدمير الأقصى.. لا تصدقوا ضجيجهم

0

لم تكد تمضي ساعات على رسائل الطمأنة التي بعث بها رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة والأردن والسلطة الفلسطينية، وتعهده بعدم تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف، حتى خرج وزير إسكانه، أوري أرئيل، متعهداً للجمهور الصهيوني بـ “إعادة بناء الهيكل في أقرب وقت”. لم يكتف أرئيل، والذي يعتبر الرجل الثاني في حزب البيت اليهودي بذلك، بل إنه اعتبر أن نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة ستمثل تفويضاً شعبياً للحكومة التي ستشكل بعدها للانطلاق في مشروع تدشين الهيكل الثالث.

ومن نافل القول إن تدشين الهيكل يعني، بالضرورة، تدمير المسجد الأقصى، حيث تزعم المراجع الدينية اليهودية أن الحرم مقام على أنقاضه. لا تكمن خطورة الأمر فقط في أن هذا التصريح صدر على لسان وزير بارز، بل أيضاً، لأن أرئيل يمثل حزب البيت اليهودي، الديني الذي تتوقع استطلاعات الرأي العام أن يصبح ثاني أكبر حزب في البرلمان المقبل، ويجاهر رئيسه وزير الاقتصاد، نفتالي بنات، بأن “تغيير الوضع القائم” في المسجد الأقصى سيكون من أولويات أي حكومة سيشارك فيها.

ويعني مصطلح “تغيير الوضع القائم” في “الأقصى” البدء بخطوات لتهويد الحرم، بنقل مسؤولية الإشراف عليه من الأوقاف الإسلامية إلى وزارة الأديان الإسرائيلية، وتقاسم مواعيد الصلاة فيه بين اليهود والمسلمين، انتهاءً بتدشين “الهيكل”. وقد أضحى السعي إلى تغيير الوضع القائم في “الأقصى” محور إجماع داخل الحلبة السياسية الصهيونية. فمن أصل 21 نائباً يمثلون حزب الليكود الحاكم في البرلمان، فإن 17 يدعون إلى “تغيير الوضع القائم”. ليس هذا فحسب، بل إن الهدف الرئيس المعلن لمعسكر “القيادة اليهودية” الذي يعتبر أهم المعسكرات الأيديولوجية وأكبرها داخل “الليكود”، والذي يقوده نائب رئيس الكنيست، موشيه فايغلين، هو إعادة تدشين الهيكل.

وما ينطبق على “الليكود” و”البيت اليهودي” ينطبق على حزب “يسرائيل بيتنا” الذي يرأسه وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، وممثلي جميع الأحزاب الدينية، وحتى بعض نواب حزب “ييش عتيد” الذي يمثل الوسط.

من هنا، فإن كل المؤشرات تؤكد أن حسم مصير “الأقصى” سيكون على رأس القضايا التي على أساسها سيحدد الصهاينة هوية الحزب الذي سيصوتون له في الانتخابات المقبلة. لكن، مهمة الدفع نحو تدمير المسجد الأقصى، بغرض إقامة الهيكل، لا تقتصر على الأحزاب والحركات السياسية، بل هناك سبع مؤسسات وأطر غير حزبية تسهم علناً بخطوات عملية نحو تحقيق الهدف. وقد وصل الجنون بمؤسسةٍ، مثل معهد جبل الهيكل إلى حد أن توجهت بطلب للحكومة الإيطالية باستعادة بعض مقتنيات الهيكل الثاني التي “غنمها” القائد الروماني تيتوس، قبل أكثر من ألفي عام، عندما دمر سلطة الحكم الذاتي لليهود في فلسطين، من أجل استخدامها في تدشين الهيكل الثالث.

ونظراً لإدراك نخب الحكم في الكيان الصهيوني أن ردة الفعل الفلسطينية الجماهيرية على أي تغيير في الوضع القائم في “الأقصى” ستكون كبيرة ومكلفة، عمدت إلى التوسع في سياسات القمع التي وصلت إلى حد فرض عقوبة السجن مدة عشر سنوات على كل من يلقي حجراً في مظاهرة، علاوة على عدم التردد في اعتقال ذوي الأطفال والفتية المقدسيين الذين يشاركون في المظاهرات والفعاليات الاحتجاجية، لإجبارهم على منع أبنائهم من المشاركة في هذه الفعاليات.

لكن، من الأهمية بمكان التأكيد، هنا، على أن كل ما يحاك للأقصى من مؤامرات يتم بدعم الأنظمة العربية التي تواصل التعاون، أمنياً واستخبارياً، مع إسرائيل، في أوج العدوان الصهيوني على المدينة المقدسة. فعلى سبيل المثال، تملأ القيادة الأردنية الدنيا ضجيجاً منتقدة السلوك الصهيوني في الأقصى، لكنها، في الوقت نفسه، لم تكذب ما ورد على لسان سفير إسرائيل في عمّان، دانيل بيف، الذي صرح لإذاعة الجيش الصهيوني، في 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن الخلاف بين الجانبين بشأن “الأقصى” لم يحل دون تعاظم مظاهر التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق ذي الطابع الاستراتيجي. ليس هذا فحسب، بل إن بيفو طمأن مستمعيه قائلاً: “إسرائيل لا يمكنها أن تحلم بجار أفضل من الأردن”.

ولا حاجة لأن يدبج المرء الكلمات في تصوير عمق ارتياح الصهاينة لحجم التعاون الذي يبديه نظام عبد الفتاح السيسي في محاصرة المقاومة في قطاع غزة، وحرصه على درء المخاطر التي يتعرض لها الأمن القومي الصهيوني. ويكفي أن نشير، هنا، إلى ما كشفه في هذا المجال موقع صحيفة يديعوت أحرنوت في 31-10. وما تقوم به إسرائيل من جرائم في القدس لم يحل دون تعاظم التنسيق الأمني والتعاون الاستراتيجي مع دول عربيةٍ، لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

ففي مقابلة أجرتها معه محطة “سي.بي.إس” الأميركية قبل أسبوعين، توسع وزير الحرب الصهيوني في توصيف عمق التعاون مع هذه الدول، لا سيما المشاركة في التحالف ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”. المفارقة، أن دولاً عربية أخرى تخلت حتى عن إصدار بيانات الشجب والتنديد المعتادة، مع أنها لا تمثل أكثر من ضريبةٍ كلاميةٍ لا تجد تأثيرها على سياسات هذه الأنظمة. بالطبع، لا يمكن تجاهل حقيقة أن السلطة الفلسطينية التي يفترض أن تكون الطرف الذي يبدي أقصى درجات الحساسية تجاه ما تقوم به إسرائيل ضد الأقصى، تواصل التعاون الأمني مع إسرائيل، وكأن شيئاً لم يكن.

من الواضح أن سلوك الأنظمة العربية يشجع فقط الكيان الصهيوني، ونخبه السياسية، على المضي في المخططات الهادفة لتدمير المسجد الأقصى، ولولا أن القيادة السياسية في تل أبيب تتحسب لردة الفعل الجماهيرية الفلسطينية، لما توانت في الاستجابة لمطلب تغيير الوضع القائم في الأقصى لصالح اليهود. لكن، يخطئ الصهاينة في حال اعتقدوا أن السلوك الرسمي العربي يسمح لهم بالشروع في تنفيذ مخططاتهم ضد القدس، فالشعب الفلسطيني لن يسمح بذلك. وما أقدم عليه الشهيد البطل معتز حجازي الذي حاول اغتيال يهودا غليك، أحد المبادرين لتدنيس المسجد الأقصى، وأبرز المنادين بتدشين الهيكل، يمثل رسالة واضحة مفادها أنه ليس في وسع الكيان الصهيوني قلب قواعد المواجهة في القدس، من دون أن يفاجأ بردة فعل فلسطينية صادمة.

صالح نعامي

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More