بين الدرة وأبو خضير… بوادر انتفاضة فلسطينية ثالثة

0

صحيح أن الفتى ، لم يُقتل في حضن والده، إلا أن شبهاً كبيراً يجمع بين جريمة قتل هذا الفتى المقدسي، وبين الطفل من قطاع غزة، الذي قضى في مشهد تسجيلي مصور، وعلى مرأى العالم أجمع، وهو ملتصق بظهر أبيه، بينما كان الرصاص ينهمر عليهم من جنود إسرائيليين، فمات ووالده يردد مقولته الأثيرة “مات الولد”.
مع أبو خضير أيضاً، سجلت الكاميرا الخرساء، مقطعاً واحداً فقط للفتى أمام محل والده فجراً، في انتظار أصدقائه لأداء صلاة الفجر، حين تقدم منه ثلاثة أشخاص، وحملوه عنوة إلى داخل سيارة أقلتهم ثم انطلقوا فيه، ليعذبوه ويقتلوه بعيداً عن عين الكاميرا التي لم تسجل معاناته، وهو بين أيدي قتلته، قبل أن يشعلوا النار في جثته، ثم يُترك في غابة من غابات القدس تلتهمه النيران، وتأكله ألسنة الحقد الفاشية.
هي مقاربة غريبة عجيبة، فجرت في حالة الدرة، غضباً فلسطينياً عارماً اجتاح الوطن عموماً، وارتقى آلاف الشهداء بسببه. هو الغضب ذاته الذي لم يخمد بعد جريمة قتل أبو خضير، ليندفع آلاف الشبان الغاضبين في مواجهة هي الأعنف تشهدها القدس منذ استشهاد محمد الدرة، أو كما وصفها ضابط رفيع المستوى في حرس الحدود الإسرائيلي، بأنها “انتفاضة صغيرة”.
“من هنا، من ، ستنطلق شرارة الانتفاضة الثالثة، ليس ضد الاحتلال فحسب، بل ضد السلطة أيضاً”. هذا ما قاله بغضب شديد أقرباء الشهيد أبو خضير، فيما كانت الحجارة تنهمر كالمطر على جنود إسرائيليين استقدموا للقمع. أضاف هؤلاء لـ”العربي الجديد”: “حرمت عليهم أرضنا. سنمنعهم بالقوة من دخولها. ولن نسمح بعد الآن بدخولهم إلى بلدتنا. سنوقف إلى الأبد قطارهم الذي مزق البلدة إلى نصفين”.
حين روى والد الشهيد محمد الدرة تفاصيل مقتل طفله، كان لا يزال يتذكر لحظة التصاق محمد بجسده. أما حسين أبو خضير، والد محمد، فلا يملك غير القليل عن اللحظات الأخيرة التي أمضاها نجله أمام المحل في انتظار أصدقائه، قبل أن يختفي من حياة عائلته للأبد.
بين اليوم والأمس، يتكرر مشهد القتل وملابساته. وما بين محمد ومحمد، تنطلق شرارة “الغضب الساطع” كما يرى كثيرون.

“كل المؤشرات على الأرض تفيد بأن اليوم، يوم آخر، ليس كأول من أمس”. هذا ما قاله عبد القادر الحسيني، نجل القائد الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني، الذي عاش والده لحظات الانتفاضة الأولى، وشهد عنف الاحتلال ودمويته في التعاطي معها، واليوم يعيش عبد القادر عنفاً من نوع آخر. يقول إن “القتلة تجولوا بحرية في شعفاط، لم يسائلهم أحد عن محاولة اختطافهم الأولى للطفل موسى زلوم. إنه القمع والظلم والقهر، وكل هذا وصفة مناسبة هيأت لمثل هذا الغضب العارم، الممزوج بعدم رضا وانزعاج من أداء وتصريحات الجهات الرسمية بشكل عام”.
بين محمد الدرة ومحمد أبو خضير، تفاصيل كثيرة من تشابه جريمة القتل والإعدام حرقاً. الأولى غذت الانتفاضة بدماء جديدة، والثانية توشك أن تطلق شرارة انتفاضة ثالثة يخشاها الإسرائيليون أنفسهم. واليوم بدأوا يعدون أنفسهم لها.

محمد عبد ربه
العربي الجديد

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.