حال بالية و احزاب لاهية

0

لفترة ليست بعيدة كثرت في مجتمعاتنا العربية أحزاب و طوائف احتفت بالتيارات التقدمية و انتدبت نفسها هلالاً لعالم مقاييس المحبة و نشطت متكلمة بلهجة المسؤول على مصير أطيافنا و طوائفنا و متهجمة حرصاًعلى مستقبل أجيالنا! و احيانا بفعائل اللئام متجرأة بطعن جوهر عروبة وجودنا و منتقدة مسيرة مواكب شعوبنا.

      في هذه الفترة القريبة التي إقترنت أيامها بالمأسي و الويلات، كان النفعيين من بحر همومنا يشقون طرق مبررات وجودهم بالأسرار و التستر و الكتمان متخفين بألوان كثيرة و احياناً بملئ أفواه الحكمة بالدفاع عن حقوق المستضعفين و منسحقي القلوب و تارة أخرى بالتهجم على أسباب الفوضى السياسية و تردي الحالات الاجتماعية ثم التنافخ برفع رايات شرعية الوجود أمام رياح الشمال الحقودة التي تعصف مهددة عروبة وجودنا،و خطر توسّع الأجنبي على حساب امننا و سلامة حدودنا. 

   لكن عند أول غمز على موائد التأمر من دول التحالف و ابالسة الشؤم ضد أمتنا المجيدة، مدت هذه الكتل و الأحزاب برؤوسها الشنيعة كأشباح الظلام متخلية عن عروبتها،متنكرة متعالية فوق الشرائع الانسانية،متملصة من عروبة الانتماء و شرف الولاء و قد ربطت مصيرها بفتات ما تبعثره رشاوى الأجنبي وما تتكسبه بالحرام أيدي تجار الحروب،بالسلب و النهب مثلما تفعله سراق السبل و قطاع الطرق في عثرة ظلمة ليل الدروب.

 على الرغم من أعوام التباعد و التجافي التي خلفتها مرحلة التطاحن وسط الآم الجوع و حرقة الدموع و الهجر و النزوح، كانت هذه الحركات مرابضة كالبلوة تنخر كالداء في ركائز مقومات الأمة، وهي تجرجر الأجيال الى ساحات آذاها بغدر كيد التواطؤ مع عصابات متكهنة و شيوخ متأسلمة تجارة بشرف الرسالات السماوية على منابر عمائم المنافقين و جلباب الدين. 

      ان الحقيقة المرة لسقوط حركاتنا الثورية اليوم هي أشبه بعانس شمطاء قبحها الخمول و كرنبها الركود تخشى النظر الى مرآة ذاتها بعد ان أيبس يأس التقدم عواطفها و طغت البلادة على خطى ممشاها فتوقفت عن الحركة و المسير فبانت الأضغان على سييّرِ قوامها و مظاهرها، بعد ان سدت مسامعها لنداءات الشعوب وسط جوع الحصارات وموت الحروب, 

تقف متفرجة على تقطع نور مسارج ليلها،تغتال وحدة أيامها،تندب حسرتها على عقود مضت و فرص ضاعت، و مستقبل بددت فيه احلام ربيع صبابتها،بعد ان شاب عزمها و ترهل عودها وقد عرك الدهر وجدانها بأجفان التغامز و شفاه التآمر و ملامح الإستهزاء انكاراً لرغبات شعوبها و نكراناً لتطلعات و منازع احلام يناعة صبا أجيالها.

     إن العروبة ارضها فيؤها و سماؤها ترتعش غيظا من وسط دخان أفيون العقود الذي خلفته مباخر خزعبلات تحزبات الكهنة،و شعوذة غرز حشيش السادة و نتن عفن مجالس الشيوخ و الحوزات المعممة!.  

من فوق هضاب جرداء عرّاها العصف و بحُفر الدمار و أكوام الأنقاض في مدننا و هول خرائب عواصمنا التي أناختها عواصف رعود حروب الأوطان،  تهتز غضبا و تنتفض ثورة لمواقف التخاذل و الانصياع امام عين الخطيئة باعوام التخلف و الانكسار و قد غلبها الغرباء و آذاها الأقرباء و آذلها الحلفاء حتى استحكم القحط بسهول شعوبها فاذقناها الهم و أدركت أشباح الشح مياه أنهارها و عزب سواقيها فسقيناها زعاف السم، و استحكم الجفاف بحصباء ربوعها و جف مجرى جداول ينابيعها فاغرقناها باللجؤ و الهجران و الغم و الحرمان.   

  ان للسراحين الكاسرة قلوب أرحم على فريستها من قسوة قلوب من تعصبوا خلف أسوار الجهل الطائفي في حوزات الجبن و خلوات الضلالة،و للضباع المتوحشة مشاعر و أحاسيس ألين من الوحوش المحتمية وراء صلابة أسمنت جدران قلاع الإحتلال، و طوائف الطيور المهاجرة لسكينة أوطانها بحثا عن أدران الارض لهي أكثر رأفة على فراخها و حمية و حنواً على أشكالها من شعوبية أحلاف مرتدة و عصائب متأمرة على مصير و حرية الشعوب بصمت و رضى بعض الدول و الأحزاب التي تحيك للاحتلال بخيوط التدليس و المداهنة عباءة يتستر متخفيا تحتها،و تنول على مغزل الغدر بأصابع التضليل و الظلم مظلة لعسائس الطغاة تحميهم من غضب هبوب رياح ثورات الشعوب المقاومة التي لا تخمد و لا تنقطع.

   فمتى تستيقظ من الم الوخز ضمائر القابعين على وحل ضفاف شطآن الشك؟ و تغمر روح الحكمة راجحي العقول الجاثمين على صدر الحق يلهثون دنس انفاس الخطيئة بين أروقة مجالس الامم و في قُرٓنِ غرف قراراتها السرية، تحركهم سلاسة نعومة أصابعها الخفية التي لن تورث شعوب الارض إلا عزابات الفقر و تعب الجوع و لن ترويها غير مرارة الجهل و تشبعها وفرة أبشع مشتقات العزابات و مرس قيود الشقاء،ثم بعجزٌ مشل ترميها مريدة في عكر مستنقعات اللا مبالاة تحت وقع مطارق الإحتلال ضحية بين فكي القهر و الحرمان،و استدراجها مكرهة في منتصف ليل غفلة لرميهم داخل أعماق هول الاحتراب للانصهار في جوف نار العدم.

 و متى تنجلي أبصار الشعوب لهول مصائبنا؟و إلى متى نبقى صامتين خرساناً ؟تلوكنا متغيرات هزأت الأزمان؟ فزعاً نرتجف و مع لحظات حر الدمع نرتعد و قد أبدت لنا غيوم الأيام امام أحداق التناسي! وضوح بشاعة صور الحصارات و أبانت أفكار مخيلة الافتراءات و ما اخفته نوايا جرائم الإحتلالات و هي تعمرُ ركائز زوايا أسوار داخل مدننا و ترفع موانعاً من رمم حجارة كنائسنا و مدارسنا،و تنهب آثار تراثنا و ارثنا، و في ردحة ظلال سكينة أحقاب الدهور تبني الجيوش الغريبة على أنقاض طلول أزمان أيامنا قلاعاً،و عصابات الأمم في عقر ديارنا مستأمنة تهتك بالمتعة أعراضنا و قبضة التربص تعصر مخربة غاية أحلامنا، و بتأني اللصوص تلهفُ حتى غلال عُصارة ما تحت رمال أمصارنا، و نحن بصمت العدم سارحين في سراب صحاري قيم امسنا نستبعد المسافات بين جبال الخيبة و الفشل و نستصعب مسح عرق حر جباه قيظنا، كقطعان الإنعام لا نأبه لحالنا نرتعي الزؤان في زرائب حدائق جلادينا و توهاً ندب تحت سياط الجلد في براري و أغوار ظالمينا، و نرتوي من حُفر عفن أسان حظائر مبغضينا ممن اختمروا برفعة مناصبهم و لانت أيامهم  بأموال السحت و الحرام.

من عزلة ليبيا الى منامة البحرين و مجازر الشام لخرائب البصرة و شقاء بغداد الى أكوام الفتن ْفي اليمن و لبنان، تذوب الأجيال بنار العيش كالشمع في فلسطين و تفنى الشعوب في معارك قادمة حامية الحروب جاهزة النشوب.

و ها هي (الجامعة الانسانية) اليوم بتعجرف و ازدراء و سخرية من ضعفنا و حماقاتنا تجلس على أطباق رماد ماضي حضارتنا كأنها على كرسي المجد جلوس عظمة جبابرة ابو سنبل،صامتة صمت “ابو الهول”مستمتعة برحيق بقايا جمال حضارتنا و في يدها قصبة تنفخ من بيب اعوانها زفير أنفاسها بنجاً يخدر إرادة مخيلة الشعوب، و تملأ معالم الحياة بدخان غضى غرورنا و ضباب فقاقيعنا الفارغة.   

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.