تقرير أمريكي: حملة إعادة انتخاب الأسد مهمةٌ … بالفعل

0

أمضت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الجزء الأكبر من العام الماضي في دعم محادثات السلام في جنيف سعياً للتوصل إلى “انتقال سياسي يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري”، ووضع حد في النهاية للحرب بين النظام الذي يهيمن عليه العلويون برئاسة الرئيس الأسد والمعارضة التي يهيمن عليها السنّة والأكراد. إلا أن الأسد يفكر في خطته الانتقالية الخاصة: وهي الترشح لولاية ثالثة مدتها سبع سنوات كرئيس للبلاد. وفي الثامن والعشرين من نيسان/أبريل، رشّح الرئيس السوري نفسه لانتخابات رئاسة الجمهورية التي ستُجرى في الثالث من حزيران/يونيو، “آملاً أن يدعمه البرلمان”.

 

وبالكاد جاء ذلك مفاجأة. فلعدة أشهر كان الأسد قد لمّح عن ترشحه، كما أن المناطق الخاضعة للنظام في البلاد شهدت ظهور “حلفاء عفويين” يطالبون بترشحه – وكثيرٌ منهم يضيفون صوراً للأسد إلى جانب زعيم «حزب الله» حسن نصرالله – في الوقت الذي تم فيه تشجيع أصحاب المحال التجارية على طلاء واجهات متاجرهم بالأعلام السورية والشعارات المؤيدة للقائد.

 

فأيّ تنازلٍ سيقدمه الأسد إلى معارضيه بعد أن حاول القضاء بالسلاح على أكبر انتفاضة عرفتها البلاد وفي ذمّته أكثر من 150 ألف قتيل و680 ألف جريح، ومشردين ناهزت أعدادهم نصف سكان البلاد البالغين 23 مليون نسمة؟ لقد جعل الرئيس السوري من الاستفتاء المقبل أول انتخابات رئاسية متنازع عليها في تاريخ سوريا الحديث. إلا أن هذا التعهد يتم تقويضه من قبل حالة الحرب التي تعيشها البلاد والاستفتاءات الشعبية التي أجراها الأسد سابقاً، بما فيها الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2007 التي شاركتُ شخصياً في مراقبتها والتي فاز فيها بنسبة 97،62 في المائة من الأصوات، في حالة مماثلة لما جرى في شبه جزيرة القرم. وفي أحد مراكز الاقتراع القائمة في المنطقة الأكثر ثراءً والأكثر قرباً إلى الغرب في دمشق، حدث أنّ شابّةً بدأت تعمل كموظفة في أحد صناديق الاقتراع لم تكتفي بحثّي على التصويت رغم أنني لا أحمل الجنسية السورية، بل شجعتني كذلك على الاقتداء باللافتة الانتخابية الرئيسية للأسد والتصويت ببصمةٍ من دمي. والواقع أن هذه الأساليب التكتيكية ساعدت الأسد على تحسين أدائه الذي بلغت نسبته 97،24 في المائة في عام 2000، في أعقاب وفاة والده حافظ الأسد وقيام البرلمان السوري بتخفيض السن القانوني للترشح للانتخابات الرئاسية في سوريا من 40 إلى 34 عاماً من أجل السماح لبشار بالترشح.

 

لماذا إذاً عسى أيٍّ كان أن يكترث لانتخابات مزورة أخرى في الشرق الأوسط؟ السبب هو أن إعادة انتخاب الأسد تشكل في الحقيقة جزءاً من استراتيجية الرئيس السوري الكبرى للإطاحة بالخطة التي يدعمها المجتمع الدولي للتوصل إلى حل تفاوضي للأزمة السورية ذات المنحى الطائفي المتعاظم، وذلك تمهيداً لفرض حلٍّ قسري وفقاً لشروطه. ويشمل هذا الحل محاصرة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وتجويعها، والتلاعب بالمساعدات، وإلقاء “البراميل المتفجرة” وصواريخ سكود وعبوات غاز الكلور المزعومة على أعدائه. وفي حين ساعده هذا النهج على إحراز تقدم في غرب سوريا بمؤازرة فيلق من مقاتلي «حزب الله» ومقاتلين عراقيين وغيرهم من المقاتلين الشيعة المدعومين من إيران، يفتقر الأسد إلى القوات اللازمة لاستعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية والاحتفاظ بها، ما لم يعمّق حلفاؤه انخراطهم إلى درجة مكلفة إلى حدٍّ أكبر. وطالما أنّ ما يسمى غالباً بـ “فوج إيران الأجنبي” لم يحتل سوريا بالكامل، فلن توافق المعارضة ومؤيديها في المنطقة على انتقال مخادع يكون فيه القرار بيد الأسد وحلفائه الإيرانيين.

 

والحصيلة المرجحة لكل ذلك هي قيام دولة منهارة ومفككة تشمل مناطق خاضعة للنظام ومناطق سنية عربية وأخرى كردية، وجميعها ملاذات للجماعات التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية في قلب الشرق الأوسط. وفي ظل الأجواء الإقليمية المتوترة بين إيران والعرب، فضلاَ عن الفتور العميق في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، تبدو الحلول الدبلوماسية بعيدة هي أيضاً. ويطرح هذا الأمر على الرئيس الأمريكي باراك أوباما معضلة لها تبعات بعيدة المدى. وجلّ ما سينتج عن السماح للأسد بالمضي بحله القسري هو المساهمة في انتشار حرب بالوكالة في الشرق الأوسط بين إيران والدول العربية يكون مركزها سوريا، والإظهار للحكام المستبدين أن المذابح الجماعية تجدي نفعاً. كما سيبيّن لموسكو وغيرها من خصوم الولايات المتحدة أن واشنطن غير مستعدة للالتزام بمبادئها الخاصة بالسياسة الخارجية وباتفاقياتها الدبلوماسية. إلا أن تغيير مسار الأسد سيستدعي تدخلاً عسكرياً من الغرب وحلفائه الإقليميين من النوع الذي يتردد أوباما بشدة في اللجوء إليه بسبب تكلفته ونتيجته غير المؤكدة بالنسبة للولايات المتحدة.

 

في أوائل 2012، وبينما بدأ التمرد المسلح في سوريا يزداد زخماً، لم تلقَ التعديلات التي أدخلها نظام الأسد على الدستور لإجراء انتخابات رئاسية متنازع عليها اهتماماً يذكر في الغرب، فقد كان اهتمام هذا الأخير في حينها منصبّاً على خطة كوفي أنان ذات النقاط الخمس والهادفة إلى إنهاء الأزمة. وعندما فشلت تلك المساعي، تفاوضت الولايات المتحدة وروسيا بشأن “بيان جنيف لعام 2012”. وفي ذلك الوقت، بدا تقهقر النظام، إن لم يكن احتضاره، أمراً مؤكداً، لذا عمد المفاوضون الغربيون إلى تخفيف حدة لغة النص بشأن مصير الأسد من أجل التغلب على النقض الروسي في الأمم المتحدة. وعوضاً عن مطالبة الأسد بـ “التنحي” كجزء من عملية الانتقال، وافقت الولايات المتحدة على “هيئة انتقالية حاكمة” ذات “صلاحيات تنفيذية كاملة” تشكَّل بـ “الاتفاق المتبادل” و”يمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة وجماعات أخرى”. إلا أن المفاوضين الأمريكيين عرقلوا بند “الاتفاق المتبادل” في ذلك الوقت باعتبار أنه يمنح المعارضة حق نقض مشاركة الأسد في “الهيئة الانتقالية الحاكمة”. ولكن، من خلال الامتناع عن استبعاد الأسد عن المشهد، فضلاً عن الفشل في تحديد أيّ من المجموعات المعارِضة التي يتوجب عليها الموافقة على “الهيئة الانتقالية الحاكمة”، فإن الاتفاق قد منَح روسيا الحق في نقض العملية وأتاح للأسد المماطلة لكسب الوقت.

 

وهذا هو تماماً ما فعله. ففي العام الماضي، وبدعم من إيران و «حزب الله» وروسيا أطلق الأسد عملية لمكافحة العصيان كان من شأنها – بالاقتران مع استخدام الأسلحة الكيميائية وإحجام أوباما عن تطبيق “خطه الأحمر” على استخدام هذه الأسلحة في سوريا، ناهيك عن تلكؤ النظام بشأن اتفاقه مع “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية” بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2118- أن تقضي على الجزء الأكبر من المعارضة. هذا وقد ساعدت الولايات المتحدة في إقناع ممثلين مختارين عن “الإئتلاف الوطني السوري” – وهي منظمة رئيسية للمعارضة مدعومة من الغرب – بالمشاركة في مفاوضات جنيف مع نظام الأسد في شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، وذلك بمثابة تنازل ظاهري للروس لقاء جعل نظام الأسد يتخلى عن سلاحه الكيميائي. غير أن النظام السوري رفض التفاوض حول قيام “هيئة انتقالية حاكمة” ووصل به الحد إلى وضع مفاوضي المعارضة على لائحة الإرهاب. وفي الوقت نفسه، زاد الأسد من قصف قواته لمناطق المعارضة بالبراميل المتفجرة – وهي أجهزة تفجير خام تلقيها مروحيات النظام. ووفقاً لسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامانتا باور، فإن “الفترة التي شهدت أكبر نسبة قتل خلال فترة النزاع بأكملها” وقعت خلال محادثات جنيف. أما روسيا التي تعهدت بفعالية في قرار مجلس الأمن رقم 2118 بإشراك النظام في المناقشات حول “الهيئة الانتقالية الحاكمة”، فتحجم اليوم بشكل مفاجئ عن ذلك.

 

وفي الوقت نفسه، أعلن المتحدثون باسم الأسد والنظام السوري في مقابلات مع الصحافة الغربية والروسية والعربية أن الأسد سيرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة وأنه لن يتم السماح للمراقبين الدوليين بدخول البلاد. وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن الأنظمة تقضي بأن يرفع كل مرشح طلباً لـ “المحكمة الدستورية العليا”، وهي الهيئة التي يعيّن الأسد كامل أعضائها، لكي تتوصل إلى قرار بشأن كل طلب في غضون خمسة أيام. وليس واضحاً ما ستكون عليه الإجراءات النهائية ومن سيرشح نفسه – علماً بأن ستة مرشحين آخرين قد أعلنوا ترشيحهم. لكن الأمر المؤكد هو أن قانون الانتخابات السوري يمنع ترشيح الأشخاص الذين لم يقيموا في سوريا خلال السنوات العشرة الماضية، الأمر الذي يستبعد الكثيرين من أفراد المعارضة المنفيين والناشطين في “الائتلاف الوطني السوري”.

 

ويقول الأسد إنه لن يتعامل سوى مع الأطراف التي تملك “أجندة وطنية” في الانتخابات المحلية والبرلمانية القادمة، مما لا يستبعد أساساً “الائتلاف الوطني السوري” فحسب، بل يستقصي أيضاً الجماعات المسلحة الأخرى التي تسيطر على مناطق واسعة من الأراضي السورية التابعة للمعارضة. أما المعارضة المقبولة من الأسد فتشمل الجماعات الموجودة في المناطق الخاضعة للنظام والتي يتم التساهل معها منذ سنوات وتشمل “هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي”. ويرأس هذه الهيئة الاشتراكي المسنّ الذي ينادي بالوحدة العربية حسن عبد العظيم، الذي لديه القليل من التأثير – إن كان له تأثيراً على الإطلاق – على المعارضة خارج المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد.

 

وهنا يتصادم منطق الأسد مع الواقع الصعب للتركيبة الديمغرافية السورية. ففي أعقاب المحاولة الأخيرة التي أقدم عليها نظام الأسد للقضاء بواسطة السلاح على انتفاضة الغالبية السنية في بلاده، والتي بلغت ذروتها في مجزرة حماة عام 1982 التي قتل فيها ما يناهز الثلاثين ألف سوري، أطلق الأسد الأب حملة قمع مكثفة في سوريا دامت عقد من الزمن أدت إلى تدمير الاقتصاد وإلزام الناس على البقاء في بيوتهم. وكما كان متوقعاً شهدت معدلات الولادة ارتفاعاً ساحقاً. فخلال العقد الذي تلى مجزرة حماة حلّت سوريا بين الشعوب العشرين الأسرع نمواً في العالم وخصوصاً في المناطق الريفية منها ذات الغالبية السنية (ويبرر ذلك غياب كبار السنّ بين مقاتلي المعارضة اليوم). وهذه المرة بات السُّنة يفوقون العلويين عدداً، فهؤلاء الأخيرين أنجبوا عدداً أقل من الأطفال. لذلك، في حال اكتفاء الأسد بطرح خطة إصلاح فاشلة تقوم على “إعادة انتخابه” كخطوة انتقالية، إلى جانب إعطاء الوعود بسخاء اقتصادي سيسبب له المشاكل، فهناك احتمال ضئيل بأن يتمكن نظامه من قمع المعارضة السنية بقوة السلاح، إلى الحد الذي من شأنه أن يحقق الاستقرار ويعيد توحيد البلاد.

 

والخبر السيئ بالنسبة للمعارضة السورية المفككة هو أن اللغة الغير مترابطة التي فاوضت عليها روسيا في “بيان جنيف” لعام 2012 بشأن تشكيل “هيئة حاكمة انتقالية” عبر “الاتفاق المتبادل” قد تعني على أرض الواقع أن قوى المعارضة التي تستسلم للأسد ستشكل في النهاية قاعدة الأساس لهذه “الهيئة الانتقالية الحاكمة”. ونظراً إلى نفور إدارة أوباما من دعم المعارضة السورية بالأسلحة الفتاكة أو بالتدخل العسكري المباشر، فضلاً عن تواصلها الحالي مع كبار الداعمين لنظام الأسد في طهران، فقد يميل البيت الأبيض لأكل الطعم والموافقة على انتقال سياسي مماثل. وقد تحذو حذوها الحكومات الأوروبية المتخوفة من تزايد أعداد الجهاديين في صفوف المعارضة السنية.

 

والطريقة الوحيدة لردع الأسد هي تزويد المعارضة بأسلحة مضادة للطائرات أو شن هجمات صاروخية على مطارات النظام.

 

بيد، إن ذلك سيكون خطأً فادحاً. فالسماح للأسد ولفيلق إيران الأجنبي بتحقيق ولو نصراً جزئياً في سوريا في الوقت الحالي قد يجعل الأمر أكثر صعوبة لاحتواء مؤامرات طهران الإقليمية وضمان المزيد من التنازلات في برنامجها النووي. لكن الأهم من ذلك هو أنه من المحتمل أن يشعل ذلك حرباً إقليمية طائفية بالوكالة يكون محورها سوريا. بالإضافة إلى ذلك أن دول الخليج بما فيها المملكة العربية السعودية وقطر والكويت تشعر بقلق عميق من نفوذ إيران المتعاظم ومن مطامعها النووية، وتبدو ملتزمة بمحاربة فيلق إيران حتى آخر رمق سوري. وقد حفزت هذه الدوافع بعض مواطني هذه الدول إلى مناصرة ناشطين في تنظيم «القاعدة» في سوريا من ذوي التطلعات العالمية.

 

وتتمثل الطريقة الأكثر فعالية والأقل تكلفة لاحتواء تقدم الأسد، فضلاً عن نفوذ الجهاديين، هي تقديم دعم فتاك أكبر للمعارضة المعتدلة – وهذا خيار يتداوله البيت الأبيض منذ سنوات ويُزعم أنه يتباحث فيه حالياً على ضوء الموقف المتبجّح الذي يبديه الرئيسان السوري والروسي في الآونة الأخيرة. وبينما يسرّع نظام الأسد عمليات شحن الأسلحة الكيميائية إلى الساحل السوري، فإن صواريخ “تاو” الأمريكية الصنع المضادة للدبابات تشق طريقها بشكل متزايد إلى المقاتلين المعتدلين في المعارضة السورية الذين يخضعون للتدقيق من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية. إلا أن السبيل الوحيد لوضع حد للقصف الجوي الذي ينفذه النظام على مناطق المعارضة ولجلب الحكومة إلى طاولة المفاوضات، هو مدّ المعارضة بأسلحة مضادة للطائرات أو شنّ هجوم بالصواريخ على مطارات النظام. ومع ذلك، فقد وجّه أوباما في الأيام الأخيرة توبيخاً شديد اللهجة إلى منتقدي سياسته تجاه سوريا الذين يطالبون اليوم بردٍّ عسكري على تصرفات الأسد المتفاقمة.

 

وفي حين أن معادلة “سوريا هي العراق” التي تقدّم بها أوباما قد أجدت نفعها مع الشعب الأمريكي حتى الآن، إلا أن الحل القسري الذي يفرضه الأسد ستترتب عنه تداعيات عالمية تتعارض بشكل مباشر مع القيم والمصالح الأمريكية. فالسماح للرئيس السوري بتطبيق استراتيجيته قد يُظهر للطغاة عديمي الرأفة في جميع أنحاء العالم أن ارتكاب المذابح الجماعية وإعاقة وصول المساعدات الإنسانية هما تكتيكان فعالان. وفي الوقت الذي تواجه فيه واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون نزاعاً مع روسيا التي تعاود الظهور على الساحة، سيتوصل خصوم الولايات المتحدة، المتحمسين لتحدي القانون الدولي، إلى استنتاجٍ مفاده أنّ الغرب ضعيف ولا يلتزم بمبادئه ويمكن تجاهله في الواقع.

 

 

 

أندرو تابلر هو زميل أقدم في معهد واشنطن ومؤلف الكتاب “في عرين الأسد: رواية شاهد عيان عن معركة واشنطن مع سوريا”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.