حقوق الإنسان في العراق.. حقوق شعب وعقوق حكام

0

منظمة العفو الدولية والتي يطلق عليها(آمنستي انترناشونال) وزميلتها (مراقب حقوق الإنسان) من أهم المنظمات غير الحكومية في العالم والتي تعول على تقاريرهما لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. وتمتلك كلاهما وكالات ومكاتب في معظم دول العالم، ولهما نشطاء في مجال حقوق الإنسان يزودانها بتقارير مفصلة عن الإنتهاكات التي تقوم بها الحكومات ضد مواطنيها، علاوة على المتبرعين بتقديم تلك المعلومات من المواطنين الذين يرفضون السياسات التعسفية لحكوماتهم منطلقين من وازع ديني أو وطني أو أخلاقي أو موقف معارض للحكومات التي تنتهك حقوق مواطنيها وتخرق الدستور الذي وضعته بنفسها لإدارة الدولة. ولكن المنظمتين لا تأخذان بالتقارير على علاتها وعناتها دون تمحيص، وإنما تدققان المعلومات وتتحريان عنها، وتعززان مصداقيتها من مصادر أخرى. 

تصدر المنظمتان تقريرا سنويا مفصلا حول حقوق الإنسان في جميع دول العالم حول مؤشر الإنتهاكات الحكومية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وكذلك التغيرات السلبية أو الإيجابية التي تطرأ على مواقف تلك الحكومات، ومدي إستجابتها لنداءات المنظمتين للكشف عن الإنتهاكات والإستجابة لطلباتهما في فك ألغاز الإختفاءات القسرية والسجون السرية وغيرها. علاوة على إصدار تقارير شهرية ودراسات وكراسات تتعلق بنشاطاتهما في مجال حقوق الإنسان. وبسبب تزايد أهمية ودور المنظمتين غير الحكوميتين إضافة الى تمثيلهما في إجتماعات الأمم المتحدة، وجدت الحكومات أنه لا مناص لها من التعاون معهما وإلا إزدادت الأمور سوءا. وغالبا ما توجه المنظمتان النشطاء في مجال حقوق الإنسان بالكتابة الى رئيس الدولة او رئيس الوزراء او وزيري الخارجية وحقوق الإنسان للكشف عن حالات تعسفية أرتبكتها القوات الأمنية، وتتابعان ردود فعلٌ تلك الجهات على رسائل النشطاء وتدون في تقاريرهما السنوية سواء كانت إيجابية أو سلبية. 

خلال النظام الوطني السابق في العراق كان التعامل مع منظمات حقوق الإنسان في بداية الأمر يتصف بالجفاء، وعدم الرد على تقاريرها وعشرات الألوف من الرسائل التي كانت ترسل من قبل النشطاء بإيعاز من المنظمات وتعنون الى السيد رئيس الجمهورية أو السيد طارق عزيز، ذلك قبل تشكيل وزارة حقوق الإنسان. وسبب الجفاء إنه غالباما تكون مصادر تلك المعلومات هي المعارضة العراقية في الخارج وهي معروفة بعمالتها وعدم أمانتها في الجانب المعلوماتي.

 كانت المعارضة العراقية تتشدق دائما بتقارير تلك المنظمات وتؤكد مصداقيتها وتتخذها ذريعة للتهجم على النظام الوطني السابق سواء كانت المعلومات صحيحة أو ملفقة. وتمت مناقشة موضوع التعامل مع تلك المنظمات، سيما منطمة العفو الدولية ومراقب حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كان يرأسها السيد أديب الجادر، على أعلى المستويات الرسمية في العراق، وتمخضت الإجتماعات عن تشكيل قسم حقوق الإنسان في وزارة الخارجية العراقية لمتابعة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمنظمات المعنية في مجال حقوق الإنسان، وفتح الحوار الجدي معها. من ثم شُكلت بعدها دائرة حقوق الإنسان في الخارجية العراقية برئاسة عدد من السفراء وتطورت الأمور إلى إستحداث وزارة حقوق الإنسان. 

هذا لا يعني بأن النظام الوطني سابق كان مثاليا 100% في مجال حقوق الإنسان، سيما إنه خرج من حرب طويلة أعقبتها حروب أشد ضراوة وحصار ظالم لم يكن له مثيل في التأريخ، ومحاط بدول لا تملٌ ولا تكلٌ عن حياكة الدسائس والفتن سيما الجارة الشرقية، وأعداء في الداخل يتربصون بالنظام بشراسة وينفذون أجندات أجنبية. من يطلع على تقارير المنظمات الدولية يجد إن الإنتهاكات التي تسجلها، لا تقتصر على دول العالم الثالث فحسب، بل هناك تقارير عن حالات إنتهاكات لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا والدول الإسكندنافية، لكنها بالطبع على مستويات محدودة ولا تقارن بالعالم الثالث. ويكفي الإشارة إلى الجرائم التي قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق خلال الغزو الأخير، فهي شاهد حي على إنتهاكات حقوق الإنسان العراقي من قبل دول عظمى تتشدق بحقوق الإنسان في المحافل الدولية.

المهم في الموضوع ان المعارضة العراقية في الخارج كانت تعول على تقارير هذه المنظمات  للإساءة للنظام الوطني السابق، وتستغل تلك التقارير على نطاق واسع، بل قام المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بوضع أحد العملاء العراقيين(عبد الصاحب الحكيم) في جنيف(المقر الأوربي للأمم المتحدة) لمتابعة إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق والتحرك على الوفود المشاركة في المؤتمرات الدولية وتزويدها بتقارير ضد النظام الوطني السابق، وكان الحكيم يتعاون مع الحكومة الإيرانية التي لم يكن حالها أفضل من العراق في مجال حقوق الإنسان، ويزودها بالتقارير وتحركات ونشاطات الوفود العراقية المشاركة.

ما أن تصدر المنظمات تقريرا عن العراق حتى تتناولة المعارضة بسرعة البرق وتنشره على أوسع نطاق ممكن، وتنبه عليه الرأي العام وتحشده للطعن في النظام. فقد كانت مصداقية هذه المنظمات عند المعارضة العراقية خط احمر لا يمكن تجاوزه او الشك في مصداقية معلوماتها. الذي تذكره المنظمات عن الإنتهاكات في العراق كان كلام مرسلا من السماء وليس من أفواه البشر. هكذا كانت نظرة المعارضة لمنظمات حقوق الإنسان حينذاك. لكن هل إستمر الحال بعد أن تسلمت المعارضة العراقية دفة الحكم من ربان البيت الأبيض السابق بوش؟ وهل بقيت مصداقية المنظمات الدولية كما هي في نظر معارضة البارحة وزعماء اليوم؟ سيما إن المنظمات مستمرة على نفس النهج في ترصد الإنتهاكات ولم تغيره.

هذا ما سيتوضح في آخر تقرير لمنظمة مراقب حقوق الإنسان الذي أشار الى واقع التعذيب والإغتصاب للماجدة العراقية المعتقلة في باستيل المالكي وفروعه المتعددة في أرجاء العراق الديمقراطي جدا. ولا نظن إن أحد من المعارضين السابقين والحاكميين الحاليين يمكن أن يدعي بأن زوجاتهم وبناتهم وخواتهم قد تعرضن للإغتصاب بجريرتهم في زمن الحاكم الوطني السابق على أيدي رجال الأمن خلال التحقيق أو بعده، وإن كان فليصرح أحدهم بذلك ويسكتنا! 

كما إن المنظمة الدولية أشارت إلى حالات تعذيب رجال خلال الحقبة السابقة، وليس نساء عُذبنٌ في السجون، ولم تتحدث في تقاريرها عن حالات إغتصاب لسيدات في السجون من قبل المحققين ورجال الأمن. ولا عن سيدات إعتقلنٌ بجريرة معارضة أقاربهن للنظام الحاكم. الكثير من العراقيين لديهم أقارب أو يعرفون بعض من عوائل المعارضين السابقين، فقد كانوا يعيشون بسلام في العراق دون مضايقات، بل بعضهم كان يتبوأ مناصبا مهمة في الدولة ومنهم وزراء ومدراء عامين وسفراء.

ورد في تقرير المنظمة الذي غطى الفترة بين كانون الأول 2012 و آذار 2013 مستندا إلى زيارات ميدانية لسجون دولة القانون العلنية وليس السرية يالطبع، ومقابلات لعدد من المعتقلات، والإطلاع على حالات السجينات الصحية، ومقابلات مع مسؤولين عراقيين، ولقاءات أخرى مع سيدات يعملنٌ في السجون، حيث يذكر التقرير أن عدد السجينات يزيد عن (4200) سجينة جميعهن من أهل السنة ماعدا(47) إمرأة شيعية فقط!  أي حوالي (10) نساء من الشيعة مقابل كل (1000) إمرأة من أهل السنة! وهذا يبين كذب المالكي الذي صرح بأن المعتقلات لا يتجازونٌ المئة. وأكدت المنظمة بأن” العديد من النساء تعرضن للاحتجاز طوال شهور أو حتى سنوات دون اتهام قبل العرض على قاض، وأن قوات الأمن استجوبتهن بشأن أنشطة أقارب لهن من الذكور، وليس بشأن جرائم تورطن فيها هنٌ أنفسهن.” وعن نوع التعذيب ذكرت المنظمة بأن العديد من المعتقلاتٌ” تعرضن للتهديد بالاعتداء الجنسي أو الاعتداء الفعلي أمام الزوج أو الأشقاء أو الأطفال في بعض الأحيان”. وأفادت سيدتان بأن الاعتداء الجنسي من حراس السجن أدى إلى حملهما. و ذكرت عاملة بأحد سجون النساء “إننا نتوقع تعرضهن للاغتصاب من قبل الشرطة وهنٌ في الطريق إلى السجن”. علاوة على تعريضهنٌ للصدمات الكهربية والحرق بإعقاب السجائر، وتعليقهن من أقدامهنُ(الفلقة) وغيرها.”

ذكر جو ستورك نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة مراقب حقوق الإنسان ” لقد أدت هذه الإساءات إلى غضب دفين وافتقاد للثقة بين طوائف العراق المتنوعة وقوات الأمن. والعراقيون جميعا يدفعون الثمن.” وقد تزامن مع تقرير المنظمة تقريرا آخرا نشرته صحيفة التلغراف البريطانية بتأريخ 6/2/2014 أشارت فيه بأن” الشرطة العراقية مُتهمة بإثارة التوترات الطائفية من خلال استهداف زوجات المقاومين المشتبه بهم. وذكر التقرير أن قوات الأمن العراقية تساعد على دفع البلاد نحو حرب أهلية مرة أخرى من خلال اعتقال وتعذيب زوجات الثوار المشتبه بهم”. 

وتأكيدا لما ورد من إنتهاكات في السجون العراقية، سبق أن زار وفد برلماني عراقي بعض السجون، وأشارت النائبة ( السيدة فوزية الجشعمي) رئيسة لجنة حقوق الإنسان في محافظة بابل عن حالات التعذيب والأعتداءات الجنسية التي يتعرض لها السجناء، خصوصا (سجن الجرائم الكبرى) بقولها ” إن هناك نوع بشع من التعذيب نراه لأول مرة في العراق، ولكوني إمرأة، فأنا لا أستطيع التحدث به وهو إسلوب جنسي يخدش الحياء”. كما ذكرت ممثلة إتحاد الأسرى والسجناء السياسيين العراقيين المحامية الفاضلة سحر الياسري في تصريح قبل عامين بأن عدد السجناء بحدود(400) ألف بينهم(10000) إمراة أغتصبت 90% منهن، إضافة الى إغتصاب الرجال والأطفال! وذكر رئيس لجنة حقوق الانسان في البرلمان النائب سليم الجبوري في تعليق عن تقرير منظمة  مراقب حقوق الإنسان” لم يكن التقرير جديدا في مضمونه ومعلوماته فقد قدمت اللجنة وخلال تقاريرها الفصلية السابقة ايضاحا بجميع الحالات التي وردت في التقرير وناشدت الحكومة بالإصلاحات السريعة لمعالجة الموقف كما وضعت البرلمان وجميع المؤسسات ذات العلاقة في العراق والمنظمات الحقوقية العالمية في صورة ما يحدث من انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان”. وأعلن بـأنه تلقى دعوة من البرلمان الأوربي لتوضيح أوضاع حقوق الإنسان في العراق، ووعد بأنه سيتحدث عن الموضوع بموضوعية وصراحة. لكننا بصراحة نشك بمصداقيته سيما بعد كل مساويء القضاء المسيس لحزب الدعوة الحاكم، فقد صفه الجبوري بأنه” افضل قضاء في العالم، وهو  نزيه وغير مسيس”! تصوروا القضاء العراقي أفضل قضاء في العالم! لا نقول سوى حسبنا الله ونعم الوكيل.

إذن رئيس اللجنة البرلمانية يؤكد الوقائع التي ذكرتها المنظمة، والنواب النوام على إطلاع تام بما يجري من تعذيب وإغتصاب في دهاليز دولىة القانون وحكومة حزب الدعوة الإسلامية، ولأنهم من أهل الحجيج السنوي كل عام، وبسبب وطنيتهم العالية وإيمانهم الكبير بتعاليم السماء، وسمو أخلاقهم وغيرتهم وشهامتهم وشرفهم سكتوا عن تلك الإنتهاكات!

لنستمع إلى آراء المسؤولين الذي كانوا يتشدقون بتقارير المنظمة أبان العهد الوطني السابق، ويؤكدون مصداقية جميع تقاريرها، ونبدأها بأحد سماسرة المالكي وهو محمد شياع السوداني سودٌ الله وجهه دنيا وآخرة، الذي تحدث إلى قناة الشرقية الفضائية يوم 6/2/2014 وتهكم عما ورد في التقرير والنتائج التي خلص إليها بكل وقاحة وإستهتار”ان هذا التقرير يتحدث عن السجينات باعتبارهن بريئات”! فعلا وزير ينطبق عليه المثل القائل ” أكلأ من غراب”! ونترك للوزير مهمة البحث عن قصة المثل! ونذكره بأن دعوة المظلوم على الظالم سهم دقيق الإصابة، ولا يخطأ هدفه أبدا.

أما ما يسمى بوزيرة الدولة لشؤون المرأة العلوية ابتهال كاصد الزيدي فقد كانت فعلا واجهة غير مشرفة للمرأة العراقية، فبدلا من أن تدافع عن النساء المغتصبات أخذت تدافع عن الرجال الذين أغتصوبهن! لا تسأل عن السبب وإبحث عن خلفية الحدث! فقد إستنفرت كل قوات الغواية الشيطانية للدفاع عن حصون الفساد والرذيلة، فكانت بفعلها أشبه بـ” ذات النحيين”. وسيأتي اليوم الذي تولول فيه بنت كاصد ولولة النفساء وتذرف دموع الخنساء.

أما ممثل وزارة الظلم وليس العدل المدعو حيدر السعدي وهو من دواجن مدحت المذموم، فقد نفى في حديث( قناة الحرة/ المجيرة للمالكي) تًعرض  المعتقلات إلى التعذيب والإغتصاب، مؤكدا” إن تقرير هيومن رايتس ووتش تضمن مغالطات منها إشارتها إلى أن عدد النزيلات والمعتقلات”. 

هل تعرفتم بعد هذا على أحد أسباب ثورة الأنبار؟ ولماذا طالب الثوار بإطلاق سراح المعتقلات؟ 

هل عرفتم بأن من بين ألف معتقلة من أهل السنة يقابلها(10) معتقلات فقط من الشيعة، عن جرائم وجنح لا علاقة لها بالمادة/ 4 إرهاب أهل السنة؟ 

هل عرفتم لماذا يطالب الثوار بإلغاء هذه المادة المجحفة؟ إنها السيف المسلط من قبل المالكي على رقاب أهل  السنة. 

هل عرفتم أسباب إعتقال النساء؟ إنهن يغتصبنٌ ويعذبنٌ من قبل المحققين ورجال الأمن والشرطة( الساهرين على إفساد الشعب) بجريرة أقاربهنٌ من أبناء المقاومة الشريفة! 

هل عرفتم الآن لماذا يكره الشعب قوات الجيش والأمن والشرطة والمخبريين السريين؟ 

وهل عرفتم لماذا يكره الشعب وزارة العدل وزيرا وقضاة ومحققين؟ لأن العراقيين سابقا كانوا يفزعون للقضاء بغية العدل، واليوم يفزعون منه بسبب الظلم؟

علي الكاش

كاتب ومفكر عراقي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.