من واقعية الأنثى إلى جائزة نوبل (أليس مونرو)

0

من واقعية الأنثى إلى سيدة القصة المعاصرة وجائزة نوبل

د.عادل بدر[1]

قبل إعلان جائزة نوبل للآداب في كل عام تترد بعض الأسماء العربية ، وفي هذا العام تردد اسم على أحمد سعيد(أدونيس)المرشح لها منذ أكثر من عقدين من الزمان ، وكذلك آسيا جبار الكاتبة الجزائرية وظهرت- على مسافة منها- أسماء أخرى : أحمد عبد المعطي حجازي من مصر وعزالدين المناصرة من فلسطين وسعدي يوسف من العراق ، لكن المفاجأة للمتلقي العربي عندما أعلن السكرتير الدائم للأكاديمية الملكية السويدية في استوكهولم بيتر إنغلوند، في جملة موجزة، فوز الكندية أليس مونرو بـ«نوبل الآداب»، واصفاً إياها بـ«سيّدة القصة القصيرة المعاصرة». بعدها، صدر الإعلان الرسميّ عن الأكاديمية ليتوّج «سردها القصصي المسبوك ببراعة، المتّسم بالوضوح والواقعيّة السيكولوجية».
لم يكن في وسع هذه الجملة المكثّفة أن تخفّف من صخب الصحافيين المحيطين بإنغلوند، خصوصاً بعدما تذكّر الجميع إعلان مونرو التوقف عن الكتابة بعد صدور مجموعتها الأوتوبيوغرافيّة «عزيزتي الحياة» (2012) التي نالت جائزة «تريليام بوك أوورد» هذا العام. اكتفى الرجل بالقول إنّ مونرو «أنجزت عملاً مذهلاً يكفي لنيل «نوبل». أما إن كانت السيدة مونرو قد قرّرت إنهاء مسيرتها الكتابية فعلاً، فهذا قرارها».

وكانت مونرو قد صرحت: “ربما توقفت عن الكتابة.. ليس ذلك لأنى لم أكن أحبها، بل لأن هناك مرحلة يفكر فيها الإنسان عن حياته بشكل آخر”.ويبقى هاجس مونرو استبطان العمق الإنساني في ظلمته ونورانيته. تحضّر لحركة شخصياتها بمناخ قصصي يتجنّب الحوار غالباً، على رغم براعتها فيه، ليمنح الأولوية للمونولوج ، فمونرو تكتب ؛  فتقنعك فى كل قصة من قصصها وهي من كتاب القصة الأقل خيالا ، فلاتعتمد على الصورة أو الاستعارة إلا نادراً ؛فهي ترى أن العالم غريب بما فيه الكفاية، دون الحاجة إلى التزيين ،أو الخيال ، وأن الإبداع قد يأتى من قلب الخراب وأنالحاضر والمستقبل ينبثقان من رحم الماضى, كما الأضواء من قلب الظلمات، وموضوعها المحبب  رصد العلاقات الاجتماعية بين الناس فى بلادها لاسيما فى مدينةفانكوفر بكندا وتركيزها ينصب على العلاقة الجدلية بين الماضى والحاضر ؛ أى تجربة مضىبها الزمن وتجربة قائمة تثير العجب لتشابهها فى النهاية مع تجارب الماضى القريبوربما البعيد, فى كليهما يعجز الإنسان عن اتخاذ زمام المبادرة ولا تواتيه الشجاعة علىالفكاك من أزمته والخروج من قوقعة عالمه  الضيقإلى العالم الأرحب كما تميزت أليس بمعالجة الزمن العشوائي ، بدلا من التتابع المعتمد على البدء والوسط والنهاية ، وقصص مونرو تمتلئ بالحبكات الجانبية ، التي لا تتناسب مع متطلبات الكلاسيكية ، كما أن كتابات مونرو تتميز بأسلوب يطبعه بحضور راوٍ يفسر معنى الأحداث مثل تلك التي يصنعها “تشيخوف” ودائما ما يجري مقارنة مونرو به ؛ من باب قلة الأحداث في القصة والتقليل من دور الحبكة وكثافة التركيز على التفاصيل الموحية والإضاءات المباغتة.

ما يميز قصص أليس مونرو القصيرة رصد نموّ الأنثى ومعاناتها الجنسية في مجتمع ضيّق، طهراني، ملتبس، ملئ بالشكوك. ومع أن تلك الثيمة تضاءلت على مرّ الزمن لكن آثارها استمرت في الظهور كلما عالجت الكاتبة مسألة الجنس. وهي تعترف بأن الجنس كان على الدوام مصدراً للشقاء على رغم لحظاته الجذابة: “هناك طريقة وحيدة لوصف فشلنا في التحدث عن الجنس وهي أن الكلمة بحد ذاتها كانت دوماً مغطاة بضبابة كالحة، مقززة” تقول مونرو. إلا أن ذلك لم يمنعها من وصف مواقف إباحية في بعض قصصها: “خلع كليفورد ثيابنا. لم نرتجف برداً لأن الموقد كان مشتعلاً والغرفة دافئة. وراح يوزع اهتمامه علينا بلطف ثم خلع ملابسه. شعرت روز بفضول كبير، غير مصدقة، مترددة، مستثارة قليلاً، ثم لم تعد مهتمة، مع أن كليفورد استمر في معادلة اهتمامه بينهما، لكنها أصبحت حزينة، إلى أن ناومها بسرعة على البساط…”

وكانت ميزة مونرو أنها أثرت قصصها بالحبكة وعمق التفاصيل التي تميز الرواية الطويلة عادة ، لا القصص القصيرة ؛ التي تحتاج التكثيف ..والأبطال في قصصها في الغالب فتيات وسيدات يعشن الحياة التي تبدو عادية ، لكنهن يصارعن شداد كالتحرش الجنسي أو الزواج المأساوي أو مشاعر الحب المقموعة أو متاعب الشيخوخة ، تتحدث حكاياتها في العادة عن أسرار مدفونة أو عن هروب غير متوقع أو استسلام لحالة… إنها تتابع حالات نسوة يبدين عاديات في حياتهن اليومية، إنها تراقبهن في تناقضاتهن وفي وحدتهن العميقة.هي قصص عادية في لمسة سحر.

موضوع مونرو الأثير هو رصد العلاقات الاجتماعية بين الناس فى بلادها، لا سيما فى مدينة فانكوفر ، وقد حرّكت أصوات الجزء الجنوبي من الولايات المتحدة الأميركية قريحتها التأليفية، وأظهرت لنا إمكان نقل وقائع البلدات الصغيرة، ورجال ونساء وأطفال  الريف إلى الورق ، إن قصصها – غالباً – يدور في مدن صغيرة ؛  حيث غالبا ما يؤدي نضال الناس من اجل حياة كريمة الى مشاكل في العلاقات الى نزاعات أخلاقية وهي مسألة تعود جذورها الى الفروقات بين الأجيال أو مشاريع حياة متناقضة ، وهي تنظر إلى عالمها المحيط كأنه اختصار للعالم والبشر في كل مكان. حكاياته الموشية بالبعيد المنسيّ لا تقل أهمية وإنسانية وهي كذلك مصدراً للوحي عن حكايات أبناء المدن وبناتها. جعلت أليس  ذلك العالم المصغر  شخصيات ونماذج تنبض بالحيوية والرؤى والأحلام ، وأحياناً توشي بالمفاجآت والمآسي ، تهتم بأدق  وأقل اللحظات المعاشة .

مونرو تبدع حين  تعتمد في قصصها على التفاصيل المروية بدقة التي  تشرك  قارئها في المسار السردي وتدفعه إلى احتلال المساحة المرسومة- إشراك المتلقي- بالكلمات وبما بين السطور على حد سواء : ”  كم عدد الغرف في المنزل الواحد؟ ما نوع أثاثه؟ ماذا يرتدي أبطال الحكاية؟ وفي السياق كيف تتجه بهم السنون نحو المرض أو الخرف أو الموت؟   وكما يقول دوغلاس جبسون، ناشر كتبها: ” إنك حتى إذا لم يقدر لك أن تقرأ قصة  من قصصها فإنها تعرفك جيدا، وربما جعلتك واحدا من أبطال قصصها، وقد جعلتها قدرتها على اكتشاف دواخل الناس، والإمساك بتجاربهم الشخصية معروفة على نطاق واسع في معظم الأنحاء”.

لقد طرقت  مونرو في مجموعتها “سعادة تزيد على الحد” أركاناً عدة في  التجربة الإنسانية ، ها هو الحب والعمل وفشل كلاهما: ورطة الأنثى حين ترتطم بحقيقة البلوغ وتوقها إلى الطموح، وهي تنشغل بالهوس الزمني وتتناول العجز عن كبحه أو رد تبعاته؛ تحاذي آيات الفانتازيا النادرة في أدبها المعتاد المألوف، ويتشابك الإثنان على نحو يستدعي الحياة استدعاء عفوياً.

وردا على سؤال : أن أعمالها تبدو أساسا مشبعة بحساسية ريفية . فهل تجدين الحكايات التي تدور في مجتمعك الريفي أكثر تناغما مع ما تحبين سرده في أعمالك ؟

فقالت : عندما تعيش في مجتمع صغير تسمع أشياء أكثر حول كثير من الناس . في المدينة تسمع أشياء فقط عن أناس هم على شاكلتك . و متى ما كنت امرأة سيكون متاحا لك سماع الكثير من الأصدقاء. إن حياتي في أرياف ( فكتوريا ) جعلتني مختلفة تماما ، فقد حصلت مثلا على فكرة أحد اعمالي من ملابسات حادثة قتل و انتحار حقيقية لثنائي في الستينات من العمر. لو كنت أقطن مدينة لما تسنى لي أكثر من القراءة عن الحادثة في الصحف ، و لما كان بإمكاني التقاط كل خيوط الواقعة مثلما فعلت

والملاحظ أن ما يجعل مونرو رمزاً للقصة القصيرة هو ما ينطوي عليه أدبها من واقعية تحتمل الصدق أو الكذب. لن تجد بين سطورها محاكاة مبتذلة للواقع. وللمفارقة يتوازى المألوف والاستثنائي في مجموعتها القصصية “الكراهية، الصداقة، الغزل، الحب، الزواج” ؛ كي تسدد عيناً كاشفة إلى ظاهرة “واقعية الابتذال”، واقعية تنقلب في أدبها سحراً وأحياناً فانتازيا مبطنة  .

وهي أول أديب كندي يفوز بهذه الجائزة ،والمرأة الثالثة عشرة التي تدون اسمها في سجل نوبل للآداب ، وقد حازت على جائزة البوكر عام 2009 عن مجمل أعمالها، وفازت ثلاث مرات بجائزة الحاكم العام لكندا عن فئة الرواية.صعدت  مجموعتها القصصية “رقصة الظلال السعيدة” بها إلى الأضواء بعد صدورها عام 1968


[1] شاعر مصري وباحث في النقد الأدبي مقيم في قطر

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.