فلسطين للبيع!

0

 

نتائج القمة العربية الأخيرة في الدوحة ـ المعتاد ـ نفسه على الجبهة الفلسطينية، قرار إرسال وفد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبمهمة وحيدة هي التوسل وتسول دعم الكبار لإعادة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبدت المفارقة ظاهرة بين قرار القمة ـ إياها ـ تسليح المعارضة السورية المشتبكة في حرب أهلية مع نظام الطاغية بشار الأسد، بينما لم تذكر القرارات شيئا عن وجود مقاومة فلسطينية من أصله، فما بالك بالحديث الممنوع عن التسليح.
وهكذا تحولت القضية الفلسطينية عند الحكام العرب إلى قضية 'لت وعجن'، وتكرار الإكليشيهات ذاتها عن القدس والدولة الفلسطينية، ودون أي إنجاز يذكر سوى اقتراح إنشاء صندوق لإنقاذ القدس بقيمة مليار دولار، وقيل أن ربع المبلغ جرى توفيره، والله أعلم بسيرة هذه الأموال، وكيفية إنفاقها، ناهيك عن إمكانية توفيرها من الأصل، خاصة وأن القمم العربية المتتابعة اتخذت قرارات سابقة بتوفير مليارات الدولارات سواء لدعم صمود القدس، أو حتى لدعم خزانة الدولة الفلسطينية الافتراضية القائمة، ولم ينفذ من هذه القرارات سوى النذر اليسير، وهو ما تشكو منه سلطة رام الله دائما، ولا تمانع إسرائيل ـ بالطبع ـ في أن يدفع الحكام العرب مالا لإخوتهم الفلسطينيين، وبشرط ألا يهدد أحد احتلالها المتصل للأراضي الفلسطينية، ولا حربها المتصلة لتهويد القدس والضفة الغربية، وابتلاع الأرض قطعة قطعة، وبدعم أمريكي وصل إلى ذروته مع زيارة الرئيس أوباما الأخيرة إلى إسرائيل، ولا مانع ـ بعدها وقبلها ـ من ترك الفرصة واسعة لثرثرات القمة العربية، أو إرسالها وفود لتسول المفاوضات، وكسب المزيد من الوقت لإنقاذ خطط إسرائيل على الأرض، وإطلاق يدها في تعقب وإعتقال كوادر المقاومة الفلسطينية، وإضافة مئات جديدة إلى آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجونها، وبهدف تعقيد الوضع الفلسطيني، ومنع بروز أى ميل لإستعادة سيرة المقاومة المسلحة في الضفة الغربية والقدس بالذات، وإدامة احتلالها منخفض التكاليف، والتي تتكفل موازنات الدول العربية بدفع نفقاته وفواتيره، بينما تتمتع إسرائيل بسلاسة احتلالها، وتوسيع مستوطناتها، والتظاهر برغبة كاذبة في سلام لا يأتي، وفي استئناف مفاوضات إهدار الوقت.
والحكام العرب ليسوا من الغافلين عما يجري، وهم يدركون ما يفعلونه جيدا، ويعرفون أن طريقتهم تتكامل مع ما ترغبه إسرائيل بالضبط، ويتحركون تحت سقف المشيئة الأمريكية، وهنا يكمن بيت الداء، فما بين أمريكا وإسرائيل حالة اندماج استراتيجي، وما بين أمريكا والحكام العرب حالة تبعية استراتيجية، وقد تغير عدد من الحكام العرب في السنتين الأخيرتين، وبسبب ثورات خلعت حكام التبعية المخلصة لأمريكا، وحل محلهم حكام يقال أنهم منتخبون، لكن الحكام الجدد ظلوا كالمخلوعين في حال التبعية لأمريكا، وبدت القصة موصولة مع الأزمة المحتدمة الراهنة فى مسار الثورات العربية المعاصرة، فواشنطن سعت بكل قوة إلى احتواء أثر هذه الثورات، وحصرها في تفاعلات ومخاضات عنيفة داخل دول الثورات العربية، ودون أن تمتد آثارها إلى تفكيك حالة التبعية، أو إلى إنجاز استقلال وطني حقيقي، وهو ما يفسر التماثل المرئي بين الحكام الديكتاتوريين المخلوعين والحكام ( الديمقراطيين ) الجدد، وبالذات في اختيارات السياسة والاقتصاد الجوهرية، وعلى الأخص في البقاء ضمن بيت الطاعة الأمريكي، والخروج من أي التزامات تفرضها الطبيعة الحقيقية للصراع العربي الإسرائيلي، والذي جرى تضييق دائرته إلى مجرد صراع فلسطيني إسرائيلي، ثم خفض سقفه بالابتعاد عن سيرة المقاومة المسلحة، وحصر القصة كلها في ثرثرات لا تنتهي عن مفاوضات لا تأتي، وإن أتت فهي تستمر سنوات وعقود، ثم لا تفضي إلى شيء غير تكريس الأمر الواقع بقوة الاحتلال، وعلى نحو ما جرى لمفاوضات تقررت في اتفاق أوسلو قبل عشرين سنة، والتي قيل أنها ستنتهي عام 1998 بإقامة دولة فلسطينية محررة في القدس وغزة والضفة الغربية، وعلى 22' فقط من أرض فلسطين المغتصبة، لكن الأعوام والعقود مرت، ودون تقدم إلا إلى الاستيطان والتهويد الكامل الجاري للقدس وأغلب الضفة الغربية. وقد يقال لك أن القمة العربية الأخيرة في الدوحة صنعت شيئا حسنا للفلسطينيين، صحيح أنها دارت في متاهة طلب المفاوضات العبثية نفسها بالنسبة للقضية الفلسطينية، لكنها رغبت في تحسين حال الفلسطينيين، وقررت عقد قمة مصغرة لدفع خطوات المصالحة بين حماس وعباس، وقد قيل قبل شهور أن المصالحة تمت، وقيل قبلها بسنوات أن اتفاقا نهائيا جرى التوصل إليه، ثم لم يتحقق شيء يذكر، اللهم إلا نوع من التهدئة بين سلطتين فلسطينيتين افتراضيتين في غزة ورام الله، وما من جديد جوهري يحمل على الاعتقاد بإمكانية إنجاز مصالحة حقيقية، ثم هب ـ جدلا ـ أن هذه المصالحة المرغوبة تحققت، وشهدنا عودة إلى سلطة فلسطينية افتراضية واحدة، فهل يعني ذلك شيئا بالنسبة للقضية الفلسطينية الأصلية ؟، وهي قضية احتلال استيطاني للأرض، ثم قضية مقاومة وتحرير وطني لفلسطين السليبة، لا يجيبك أحد، ولن يفعل، والسبب معروف، وهو أن قضية التحرير بالمقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية ليست مطروحة، وهي خارج اهتمام الوسطاء العرب المحكومين بسقف الرغبات الأمريكية، والهادفة بوضوح إلى تزييف معنى القضية الفلسطينية، وتحويلها من قضية احتلال وتحرير إلى قضية معاناة ومعونات، لا تستلزم سوى فتح دفاتر الشيكات الخليجية، وكتابة الشيكات باسم سلطة مصالحة فلسطينية افتراضية واحدة، وإجراء مقايضة عبثية تنتهي إلى تصفية القضية الفلسطينية، وطمس مشروع المقاومة، والبقاء ضمن خانة مساومة مريحة جدا لإسرائيل، تسمح لها باحتكار السلاح وحرية التصرف بالأرض، فيما يبقى العرب على حال (النعاج).
وبالجملة، ثمة عطف كاذب على فلسطين والفلسطينيين في القمة العربية الأخيرة، وثمة تكامل مرئي بين قرارات القمة ورغبات إسرائيل، وثمة سقف أمريكي تحتمي به إسرائيل، ويلتزم الحكام العرب بمقتضياته وأوامره، حتى لو كان الثمن هو بيع فلسطين في سوق مفاوضات النخاسة.
عبد الحليم قنديل
' كاتب مصري
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.