واشنطن بوست: هل قتل الرئيس أوباما أنور العولقي أم لم يقتله؟

0

هناك الكثير من المشاكل مع سياسة الرئيس أوباما في القتل المستهدف في الحرب ضد الإرهاب: إن هذه السياسة لا تزال سرية في معظم جوانبها، ولا تنطوي على أي مراجعة قضائية، أدت إلى مقتل مدنيين أبرياء، واستُخدمت بعيدا عن ميدان المعركة، وأثارت استياء عميقا مناهضا لأمريكا في بلدان لا يمكننا تحمل ذلك.

ولكن عندما يتعلق الأمر بقضية قانونية معينة أُثيرت في “الورقة البيضاء” التي تسربت مؤخرا من وزارة العدل -وهي ما إذا كان من القانوني قتل أميركيين بطائرات من دون طيار- تبرز مشكلة واحدة بشكل أكبر: تسمح هذه السياسة للحكومة بقتل مواطنيها في سرية في الوقت الذي ترفض الاعتراف به، حتى بعد وقوعها، وقد فعلت ذلك.

قد تكون هناك حالات استثنائية يكون فيها قتل مواطن جائزا، ولكن لا ينبغي أبدا أن يكون مقبولا رفض الحكومة الاعتراف بالفعل. كيف يمكننا أن نكون أحرارا إذا كان لحكومتنا القدرة على قتلنا في السر؟ وكيف يمكن لسلطة ذات سيادة أن تكون مسؤولة أمام الشعب إذا كان بإمكانها رفض الاعتراف بأفعالها؟

عندما قامت المجلس العسكري الحاكم في الأرجنتين باختطاف وقتل المواطنين سرا خلال “الحرب القذرة” في السبعينيات من القرن الماضي، فإن العالم أدان أعمال “الاختفاء القسري”، واعتبرها انتهاكات لحقوق الإنسان. و”الاختفاء القسري” ليس مجرد الاختطاف أو القتل، ولكنه أيضا رفض الاعتراف بالاختفاء أو القتل. و”اختفاء” المواطنين لا يعني حرمانهم من حريتهم أو الحياة دون محاكمة عادلة، وفقط، ولكنه أيضا تآكل عميق للسياسة الديمقراطية، ويلقي بظلال من الخوف على الجميع.

قال السيناتور الراحل دانيال “باتريك موينيهان”، ذات مرة، إنه إذا كان عليه أن يختار بين بلد الحق في التصويت، ولكن لا حق فيه للمثول أمام القضاء، أو البلد الذي يقر فيه بحق الإحضار أمام المحكمة ولكن لا حق فيه للتصويت، قال إنه سوف يختار البلد الذي يقر بحق المثول أمام القضاء في كل وقت. ووجهة نظره أنه إذا كانت لدى الحكومة القدرة على حبس مواطنيها دون الحاجة إلى تبرير أعمالها أمام المحاكم والمثول أمام القضاء، فإنه لا معنى لجميع الحقوق الأخرى.

إذا كان ذلك الاحتجاز دون مراجعة قضائية صحيحا، فإن عدم الاعتراف بالقتل أكثر صحة. قد نظن أننا أحرار في قول ما نريد وممارسة شعائر ديننا والتمتع بحق حماية الخصوصية، ولكنَ أيا من تلك الضمانات موجودة حقا إذا كان الرئيس يأمر بقتلنا في السر.

القتل ليست مثل التعذيب، إذ لا يمكن تبرير التعذيب حتى في زمن الحرب. ولكن القتل لا يتجزأ، إنه، من المؤسف، جانب من جوانب الحرب. وبالتالي، فإن الاستهداف بالقتل ليس مخالفا للقانون بطبيعته، ومع هذا، فإنه يتفوق على القتل غير المستهدف الذي استُخدم بشكل مأساوي في تفجيرات الحرب العالمية الثانية في درسدن (الألمانية)، لندن وهيروشيما.

كما إنه ليست ممنوعا دائما قتل أمريكي. فإذا كان مواطن أمريكي يقاتل جنبا إلى جنب مع تنظيم القاعدة على أرض المعركة في أفغانستان، فهل يشك شخص في حق القوات الأمريكية في إطلاق النار وقتله؟ ولم ينتهك الرئيس ابراهام لينكولن أي ضمانات دستورية من خلال السماح لقوات الاتحاد بإطلاق النار على المواطنين الأمريكيين الذين يقاتلون من أجل الكونفدرالية.

يمكن للحكومة أيضا قتل الأميركيين قانونيا في بعض الظروف غير زمن الحرب. وقد تمسكت المحكمة العليا، على سبيل المثال، بأن التعديل الرابع يسمح لضابط شرطة استخدام القوة المميتة ضد مجرم، إذا كان هذا المجرم الفار يشكل “تهديدا كبيرا بالوفاة أو الإصابة الجسدية الخطيرة لهذا الضابط أو غيره”..

ولكن منذ متى كان دستوريا للرئيس قتل أمريكي عمدا في حين يرفض الاعتراف بأنه قد فعل ذلك؟..

تم قتل أنور العولقي، وهو مواطن أمريكي، في غارة بطائرات من دون طيار في اليمن في 30 سبتمبر 2011. وتفيد التقارير بأن العولقي كان قائد عمليات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وهي منظمة ذات ارتباط قوي بالقاعدة. ويقول مسؤولون في البيت الأبيض إنه شارك في التخطيط لهجوميين على الأقل إرهابيين فاشلين ضد الولايات المتحدة.

أقول “يُقال” لأن إدارة أوباما لم تتهم العولقي بارتكاب أي جريمة، ولم تعترف حتى بإرسالها لطائرة من  دون طيار لقتله. وليس هناك شك في أن الرجل قُتل في غارة لطائرة من دون طيار. وقد نُشرت هذه الحقيقة على الصفحات الأولى للجرائد القومية. وعقد أوباما نفسه مؤتمرا صحفيا أعلن أن العولقي “قُتل”، لكنه استخدم صيغة المبني للمجهول، بوعي وقصد، لعدم الاعتراف بمسؤولية الولايات المتحدة في ذلك.

وقد تعاملت إدارة أوباما، منذ البداية، مع برنامج القتل للطائرات من دون طيار بسرية، ورفضت التحدث عن ذلك. مع مرور الوقت، دافع مسؤولون في إدارة أوباما مختلف المسؤولين في تصريحات عامة عن شرعية القتل المستهدف بشكل عام، لكن الإدارة لم تعترف بقتل أي شخص محدد خارج أفغانستان بطائرة من دون طيار.

عدم الاعتراف بقتل الرعايا الأجانب في زمن الحرب أمر مثير للقلق، رغم أنه قد تكون هناك ظروف تبرر ذلك. ولكن في ديمقراطيتنا، لا يمكن أن يكون جائزا للرئيس تحديد مواطن أمريكي من أجل تصفيته، ووضعه على “قائمة القتل” والسماح لضباط وكالة CIA بقتله، ثم يرفض الاعتراف بما تم القيام به..

والواقع أن إدارة أوباما تعارض الدعاوى القضائية التي تتحدى قتل العولقي وتسعى للكشف عن الوثائق المتعلقة بها، في جزء منه، على أساس أنه لم يكن له أي دور في القتل، ولا يمكن أن يعترف به.

وإذا كانت حكومة الشعب تعني بموجب القانون أمرا ما، فإنها يجب أن تعني أن الحكومة لا تستطيع أن تقتل شعبها في السر، ومن ثم تفادي التدقيق القانوني في ذلك ورفض تحمل المسؤولية.

ولمح المطلعون على خفايا الإدارة إلى أن واشنطن لا يمكنها أن تعترف بتوجيه الطائرات من دون طيار، حتى لو كان العالم يعرف أنها تفعل ذلك، لأن البلدان الأخرى قد وافقت على هجمات الطائرات من دون طيار على أراضيها شرط أن لا تعترف بها رسميا.

استخدام القوة المميتة داخل حدود دولة أخرى، وتغييب موافقة الشعب على هذا، هو انتهاك للقانون الدولي، وعليه، فهناك سبب وجيه للحصول على الموافقة. ولكن هل يمكن التوصل إلى اتفاق مع دولة أجنبية بما يتجاوز التزام الرئيس في الدستور على عدم إزهاق أرواح الأمريكيين إلا بالاعتراف العلني وتحمل المسؤولية قانونية؟

(David Cole): أستاذ القانون الدستوري في جامعة جورج تاون / صحيفة “واشنطن بوست”
خدمة العصر

[ratemypost]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

قد يعجبك ايضا

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More