- يتعين موقع المثقف بين عدة أدوار، ويحوي مجموعة من الإشكاليات التي تفتح أسئلة، وتثير نقاشات عديدة وجدلية، بالقدر الذي يجعلها تحمل تناقضات وتوترات، تتولد من المقاربات والسياقات التي يجري من خلالها فهم حقيقة وماهية المثقف، ومحاولة فض الالتباس حول تعريفاته العديدة، وتحديد النموذج الذي يتهيأ داخله بدقّة، ومعرفة أدواته وآلياته، وظيفته وحدود نشاطه، الرأسمال الرمزي الذي يحوزه، مدى ارتباطه العضوي بالسلطة، أو تمرده عليها، التعبير عنها وشرعنة سياساتها، أم الوقوف على يسارها وعدم الانصياع لها.

 

مع الحراك الثوري الذي شهدته ، في عدد من العواصم؛ من بينها: القاهرة وطرابلس وتونس وصنعاء، ثمة سؤال قديم جديد، احتل دوائر النقاش النخبوي، السياسي والثقافي، حول موقع المثقف، وطبيعة دوره وحدود مهامه، في مثل تلك الأحداث الكبرى بحياة الشعوب، والتي عكست في غالبيتها تصدعًا في العلاقة بين المثقف وفئات عديدة من المجتمع، وشرائحه المختلفة، التي لا يبدو بينهما أية درجة من درجات التجانس.

 

شهدت العلاقة بين المثقف ومجتمعه حالة انزياح مستمر، وغياب وتغييب متعمد، عن قضايا الواقع السياسي والاجتماعي والطبقي؛ فيما تظل الملاحظة القائمة، هي ضعف بنية المثقف، واستلاب مشروعه الفكري داخل أحضان ، وتماهيه معها كأداة من أدواتها، وظل ضعيف الأثر، بفضل الهامش المتروك له، ناهيك عن عدم توافر عقلية نقدية، ووعي يؤسس لبنى معرفية جديدة.

 

”، هو أحد الكتب الجادة، التي سدت نقصًا معرفيًا وعلميًا في هذه القضية الملحة، بكل رهاناتها الجديدة، وقد صدر عن “المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات”.

يستهل الباحث والمفكر العربي، ، الكتاب بمقدمة عنوانها: “مقاربات نقدية للرائج عن المثقف يميز فيها بين المثقف وبين الخبير والمتعلم”، يرصد فيها عددًا من الأسئلة والإشكالات الأساسية، التي يعنى بها المثقف، ويحدد أسئلة واقعية وعملية ينطلق منها؛ مثل: أنماط المثقف العربي الحديث، والمثقف والتاريخ، والتاريخانية والمثقفون العرب، والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية، والرمزية والسيميوتيقية، الجارية في المرحلة الراهنة، من عملية التغير الاجتماعي، في الوطن العربي والعالم، وعلاقة المثقف بالخبير والباحث وأدواره وأخلاقياته، وأسئلة التاريخ ذات الصلة، وتحول المثقف العربي في زمن العولمة والتنميط الثقافي، والإشكالية الأبدية لعلاقة المثقف بالسلطة، وتصوراته ومواقفه وتقاطعاته معها، وعلاقة المثقف العربي بالجمهور، والثورة والنضال من أجل الديمقراطية، وغيرها.

 

يرتكز بشارة، في مقدمة الكتاب، الذي ساهم فيه مجموعة من الباحثين والمفكرين العرب، من بينهم: ، سعيد بنسعيد العلوي، محمد جبرون، إدريس الكنبوري، خالد العسري، إبراهيم القادري بوتشيش، على تحرير مفهوم المثقف، من عوامل الخلط الكثيرة، والغموض والعمومية، بغية وضع تعريف خاص، ونقدي، للتمييز ووضع حدود فاصلة.

 

يقول بشارة: “إن سلف المثقف؛ بمعنى الوظيفة العمومية التي تكتسب شرعيتها من مكانة متعلقة بالعمل في مجالات الإشارات والمعاني والرموز، كما في العلم والثقافة، ليس الشاعر والأديب وكاتب السلطان، بل هو نمط نقدي من علماء الدين أسس له تقليد يقوم على اجتماع المعارف والسلطة الأخلاقية، ويتلخص بـ”أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، في مقابل تقليد آخر يتلخص بطاعة ولي الأمر، وشرعنة ما يقوم به من ظلم، والتمسك بالوضع السائد؛ وهو ما تعبر عنه مقولة: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم”.

 

يشير بشارة إلى التبلور التاريخي لظاهرة المثقف، مع الإنتليجنسيا الروسية والإنتيلكتويل الفرنسي، والأكاديمي المتخصص، والمثقف العضوي، الغرامشي، والمثقف النقدي والمثقفين المغتربين والمنفيين داخليًا أو خارجيًا.

 

يوضح صاحب “الجيش والسياسة” أنه “لا يوجد معنى واضح لمقولة المثقف النقدي، فهذا تعبير غير مفهوم؛ فالنظرية الاجتماعية بطبيعتها نقدية، بمعنى أنها تحليلية، ويفترض أن تكون نقدية للأيديولوجيا عمومًا؛ لأن الانتماء الثقافي، شرط المثقف، فلا مثقف من دون ثقافة. كما لا وجود لمثقف عالمي إلا كنفي مجرد، أو كاستغلال لثقافة مهيمنة يبرز المثقف العالمي بسبب هيمنتها، لا بسبب هيمنته هو”.

 

يتطرق الكتاب تحت عنوان “المثقف العربي وأدواره المتجددة: جدلية التحوّلات”، الذي قدمه الروائي والمفكر المغربي بنسالم حميش، إلى التغييرات التي يشهدها المثقف العربي والتحولات التي تصيبه، مستعينًا بنموذج الهيجمونيا، التي هي أنظمة الاستبداد كما يوصفها عالم الاجتماع الشهير، ابن خلدون.

 

هكذا، عند محاولات التوصيف الثقافي لحدث الثورة، يضطر المثقف إلى إعادة بناء وتركيب الأسئلة الأساسية المعقدة والكبيرة، حول مفاهيم الحرية والعدالة والكرامة والدولة والديمقراطية والدين.

 

لذا، يفضح بنسالم حميش التناقض الذي تبني من خلاله الأنظمة سلطويتها، وتشكل عبرها أدوات قمعها. يقول: “إن عبارات ملطفة أو توريات من قبيل “بلدان في طريق النمو”، أو “نامية”، لا تستطيع إخفاء الخلط الواسع الانتشار في الرأي العام الغربي، بين التخلف المادي – البنيوي، والتخلف الذهني والفكري. بناء على ذلك، يلزم أن نبذل جهدًا كبيرًا، لئلا يبقى وجودنا الثقافي، ملحقًا بكبواتنا في قطاعات التأهيل الاقتصادي والتكنولوجي”.

 

وشكلت ثنائية الأيديولوجيا والديمقراطية، أو الهوية والمواطنة، إحدى ممكنات التوصيف الثقافي لحدث الثورة، من حيث هو الصراع بين أنموذجين من المواقف والحجج، لكل من المثقف الهوياتي والمثقف الديمقراطي.

 

وفي سياق التوتر بين رهان تأصيل فكرة الحرية، وبين تثبيت منطق الهوية، “ستحمل المعارك الفكرية المقبلة صراعًا حاسمًا في شأن تحديد ما المقصود تحديدًا بمفهوم “ثورة 2011”. بحسب ما يقول الباحث حسن طارق.

 

ويشير فريدريك معتوق، إلى قضية مثقفي الإنسيكلوبيديا الفرنسية، ومثقف دائرة المعارف العربية، ومسألة أدوار المثقف العربي، في سياق حركة النهضة العربية المماثلة، للحركة التي حدثت في أوروبا، حيث تعثرت حركة النهضة العربية، أمام التحولات التاريخية التي عاشتها، ولم يستطع مثقف دائرة المعارف العربية، توليد التغيير البنيوي، كما هو مطلوب، لاعتبارات ثقافية وسياسية واجتماعية عدة، يوضحها في ضوء الذهنية للمثقف النهضوي، القائمة على قاعدة النبوغ والعبقرية الخاصة.

 

في مقالة “المثقف العربي وأزمة الهوية: دراسة في توتر علاقة المثقف الحداثي بالربيع العربي”، يبحث محمد جبرون أزمة الهوية التي تمخضت تحت وطأة وأحداث ثورات الربيع العربي، وطرحت من جديد سؤال: “من نحن؟”، الذي لا يمكن تجاوزه، وفي إعادة الروح إلى علاقة المثقف بالجماهير، من دون إصلاح العطب الهوياتي، وإعادة النظر في مفهوم المثقف العربي ورسالته، الذي يمارس سلطته الأدبية والأخلاقية، وتجديد شرعية المثقف، عبر الحفاظ على استقلاليته، خارج دوائر المال والسياسية والدين والجمهور.

 

كشف الربيع العربي عن هشاشة البنية السياسية العربية، التي اخترقها الاستبداد والفساد، وعن ردة كثير من المثقفين عن قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، الذي “يبرز أزمة المثقف العربي المعاصر وهو يراوح مكانه ضمن ثالوث السلطة والأيديولوجيا والمصالح”.

 

ودأبت قطاعات واسعة من المثقفين العرب على تشكيل تحالفات سياسية وأيديولوجية، مع المؤسسة العسكرية والأمنية، والمستفيدين من الأوضاع التقليدية، وهي تحالفات قوامها الحفاظ على بنية الدولة العميقة، المتجلية في المؤسسات السلطوية، تسد الطريق أمام القوى الجديدة، المؤمنة بالتحديث والديمقراطية.

 

ذلك ما يؤدي إلى تصفية الثورات العربية من مضمونها، ويجعلها لا ترقى إلى مستوى الثورات الاجتماعية الحقيقية، والتي تجعل الوظائف التقليدية للمثقف العربي، لم تبرز بالشكل الحقيقي، كاستجابة لمرحلة تغيير جذرية في حياة الشعوب العربية.