يتقدم المعنى الكيدي بأحط أشكاله على ما عداه من أي معاني أخرى قد تحتملها فكرة ما تسمى () التي ستجعل من جزيرة معزولة بحسب ما تشيع ماكنة الإعلام السعودي . فعندما يكون لدى واجهات بحرية تبلغ أطوالها حوالي 3400 كيلومتر (أغلبها غير مُستثمَرَة) ، وتشكل الواجهة الشرقية منها (حيث تقع دولة قطر) ما يزيد على 1100 كيلومتر ، يصبح الحديث عن أية فائدة إستثمارية أو جدوى إقتصادية لقناة سلوى المزعومة ذات الستين كيلومتر طولا ضرباً من الخبل ، والمسألة هنا لا تحتاج إلى خبراء متخصصين لكي يصلوا بالسعوديين إلى النتيجة التالية : لا ترموا ملياراتكم في مياه الخليج . أما الحديث عن (ضرورة أمنية) سعودية لهذه القناة فهو لا يقل سخفاً عن سخافة الفكرة برمتها .

 

منطقياً إذاً ، وبكل الحسابات ، من المفترض بفكرة قناة سلوى أن تكون مجرد ألعاب نارية إستعراضية سرعان ما تنفجر لتتلاشى بعد أن تنطلق إلى سماء السعودية ليلهو بها المتفرجون (بعيداً عن مشاكلهم الداخلية والإنتهاب الأمريكي لخزائن قارونهم) بدءً من أصغر غرّيد في الجيش الألكتروني السعودي وصولا إلى نخبة النخبة من الإعلاميين السعوديين ، هؤلاء الذين فاقوا التوقعات لجهة المماحكات الساذجة من مواقعهم النخبوية العليا فإذا بأكبرهم يتقدم في سباق الترويج الصبياني للقناة الكيدية على أتفه المغردين إن لم يكن على أوسخ الذباب الألكتروني ! .

 

لكن : ماذا إذا ركب الجنون عقل القيادة السياسية السعودية وقررت أن تهدر ملياراتها على فكرة القناة العبثية ، هذا في حال توافقت مع القوانين الدولية ؟ . سؤال كهذا بالضرورة سيدفع القطريين إلى أن يفكروا بالأمر ويتدبروا الحلول ، إلا أنهم في الواقع لن يحتاجوا إلى عناء تفكير مضاف ووسائل تدبير مستحدثة ، ذلك لأنهم للشهر الحادي عشر على التوالي يعيشون حياتهم ويجترحون سبل التغلب على المعضلات كما لو أن دولتهم هي بالفعل جزيرة محاصرة ، فالأشقاء الألداء كانوا قد تكفلوا سلفاً منذ حزيران الماضي بهذا الأمر دون الحاجة إلى شق قناة بحرية تعزل قطر عن إمتدادها الطبيعي في شبه الجزيرة العربية ، فعلامَ كل هذا الصخب السعودي ؟! .

 

سـوى الكيد ، المشفوع بالغطرسة السعودية البترودولاية ، المتبوع بالغل من صمود الموقف القطري على الحق ، لا توجد أية دوافع لهذا الشطح الغرائبي بخيال القطيعة مع الدوحة ، فقد كبرت في رؤوس القائمين على القرار السعودي أن تتمتع قطر (الصغيرة جداً جداً جداً كما يرددون) بهذه القدرة المشهودة على المطاولة والصبر والثبات أمام عنجهيتهم ، فراحوا يلوحون لها (وهم المبتلون بجنون العظمة) بأخس وأنجس ما يتمخض عن الخيال المريض من تجليات الترهيب والإسترجال والتنمّر ، ولا تخرج فكرة (قناة سلوى) ، المارقة ديناً وأخلاقاً وضميراً عن هذا الإطار ، لكنها غالباً ما ستبقى حبيسة العقلية المأفونة التي ابتدعتها ، ولا تستدعي ممن يقرأ سطورها كما وردت في إعلام الهرج والمرج السعودي سوى القول : يا مثبت العقل والدين .