في أقل من أربعة أيام تجاوز عدد مشاهدي أغنيته المصورة ( ) الخمسة ملايين . عندما تستمع إلى لحنها وكلماتها تجتاحك موجات عاتية من العواطف اللجوجة ، فتسحبك إلى عميق الذكريات البعيدة ، ولا إرادياً تمرّ على الحميمة من هذه الذكريات في تتابع لحظي متسارع كما هو الحال مع الغريق ، فيعمّ الحزن وتسود الحسرة ، الحزن الثقيل الذي يسحق القلب المتوحد على فراق (المكان) بما يعنيه الأخير من كينونة وجودية تضج بالحياة والأهل والصحبة ، والحسرة على (الزمان) الذي لن يعود (متغير ياما عن زمان ، قافل على نفسك البيبان ، حبيت وفارقت كم مكان ، عايش جواك) ، ولأنك  تعرف أن مَن يؤدي هذه الأغنية المهمومة هو (مواليد 1980) فإن كنتَ شاباً من شبان ثورات الربيع العربي لا غرو في أن تقفز أمامك فوراً مشاهد الإنبعاث الثوري الخلاق لأقرانك ممن جاهرت معهم بالأحلام الكبيرة والآمال العظيمة ، ثم بلا أي رحمة راحت تتكالب عليكم قوى النكوص والغدر والرّدة لترميكم مزقاً ممزقة على أرصفة الإحباط (إحساسك كل يوم يقل ، وتخطّي وخطوتك تزل ، من كثر ما أحبطوك تمل ، فين تلقى دواك ؟) .

 

هكذا ، وبموسيقى كأنها نزيف دفاق ، تجرفك كلمات وحنجرة حمزة نمرة في أودية الذاكرة فيأخذك السّيل تباعاً إلى الأثيرة على وجدانك من المحطات الزمكانية ، ومن بين تلك البعيدة تنظر إلى () مشفقاً عليه ، رافضاً له ، ممتنعاً عنه ، لكن دون أن تتمكن من كسر حصاره المطبق على روحك ، تاركاً لك فحسب أن تحصي أحلامك التي يطحنها يومياً تحت مدحلته الغاشمة ، وسواء بسواء ، إن كنت تعيش في وطنك أو في غربتك فأنت خاسر مكلوم وإن كانت الغربة أشد وطاة عليك (بتودّع حلم كل يوم ، تستفرد بيك الهموم ، وكلّو كوم والغربة كوم ، والجرح كبير) ، فهل لكل هذا اليأس من حاضر الإستلاب إلا أن يدفعك إلى راهن الإغتراب ؟ .

 

نعم ، كل ما حولك من ظلم وقمع واستبداد يزج بك في دوامة الإغتراب الذاتي المفضوح بدلالة هذا الحزن الشفاف ، وعبثاً تحاول التغطية ، عبثاً تتوارى خلف ابتسامةٍ واهية (داري داري ، يا قلبي داري مهما تداري ، قصاد الناس حزننا مكشوف) ، فيا له من حزن عظيم يستمد عظمته من جلال توحّده مع أقانيمه الثلاث الحاضرة الغائبة (كل اللي معاك في الصوره غاب ، وطنك ، والأهل ، والصّحاب …) ، هؤلاء الذين لا تملك إلا أن تودعهم ويودّعونك ، فرادى أو زرافات في خضم المعركة الشرسة المفتوحة مع النسيان الذي يتخذ الآن شكل هذا الكائن الأسطوري المسمى () .

 

تليق تحية من طراز خاص بهذا الفنان الملتزم (بالمعنى الأرحب للكلمة) ، ففي زمن التردّي العربي الشمولي من المطلوب أن تشـع أقباس من نور وسط هذا الظلام العميم ، كهذه التحفة الفنية الإنسانية النبيلة ، فهي على الأقل تدفعنا إلى التحصن بالصحيح من الهمّ والحزن والألم والشغف ونحن نواجه الغلط من الإسفاف والإنحلال والإنخذال والإبتذال .

 

مهند بتار