لا ينقضي عجب المرء من مرور قرابة أربع سنوات ونصف السنة بعد الانقلاب، وفيها من الأحداث الثقيلة العجيفة ، مع استمرار حرص الفرقة أو الكتيبة أو اللواء أو قل ما شئت من الأسماء .. مع حرص الانقلابيين جميعًا على المبالغة في إهدار دماء المصريين، وكأن الانقلاب وقع بالأمس فحسب، فلا لعنة حب شرب الدم تتراجع، ولا النظام بقيادة أحد أكبر سفاحي التاريخ يقر أو يهدأ في كرسي السلطة فيشعر بالامتلاء ويكف عن رمي مصائبه وبلاياه على خلق الله؛ بخاصة من المصريين من الضعفاء المغلوبين على أمورهم الذين صدقوا أن ثورة قامت ونجحت في 25 من يناير .. ولكم كنا جميعًا نتمنى!

   لا ينقضي عجب المرء من قدرة الانقلابيين على شرب الدماء حتى ما بعد الامتلاء والثمالة، إلا بمقدر تعجبه بشكل موازٍ لكن مغاير في الاتجاه من الجماعة، إذ إنك أمام تصرفات الإخوان المسلمين تشعر بكمية من التعجب توازي التي تشعر بها حيال “السيسي” وأهل بيته سواء من ذوي الرحم أو لعنة الدماء، إلا أن التعجب من السيسي وجمعه ولُحمته مقترن بالتبرؤ من المذنبين أصحاب الخطايا المُدانين، والأمر لما يخص الإخوان ينقلب عجبًا من ضحايا تنتظر ذابحها ليأتي بالسكين وينشر الدماء على ملابسها ووجهها ويتهمها بالإرهاب ـ وهي الضحية ـ قبل أن يذبحها، والقوم إذ يُذبحون من قرابة 4 سنوات ونصف السنة (من 3 من يوليو/تموز 2013م في مذبحة كبرى بعد 1954م)، القوم إذ يُذبحون لا يكفون عن الأحلام والتوهم بأن هناك نصرًا سيمطر عليهم من السماء وهم نيام أو منتظري للذبح.

   وإذ يتعجب المرء من هؤلاء يختلف تعجبه هنا عن حال الانقلابيين، إذ نتحدث مع الأخيرين عن خونة فيهم أغبياء أو جامعين للصفتين، أما في الحالة الثانية (الإخوان) فنتحدث عن حالة متماهية من الغباء المُنقطع النظير غير الخالي من خيانة، لكن المزيج هذه المرة مختص بمحاولة استجلاب شفقة العالم، لعل احدًا يتعب من الموافقة على الذبح والنحر والنظر، فيعلن أحد من الأحياء في العالم حمايته لهم (الإخوان) ويريحهم على طريقة الشاعر الراحل “كامل الشناوي”، رحمه الله:

                            أشتري الحب بالعذاب .. أشتريه فمن يبيع!

     ومن الفئتين السابقتين ..ومن “مضروبيهما أو خليطيهما” ما يزال المرء يتعب ولا يتعجب أيضًا ممن ظن أن بإمكانه مزاحمة السيسي على الرئاسة أو تصديق ذلك، فالرجل يعرف أنه خائن من طراز فريد، فإن كان انقلاب “جمال عبد الناصر” ارتاح، وهو لم يفعل، فلإنه كان من المفترض أنه لم يأتِ بعد حرية، فـ”السيسي” جاء بانقلاب بعد ما ذاقت الناس الحرية المشروطة  أو المحدودة زمنيًا، وهي إذ كانت حرية متفلتة، إلا أنها كانت حرية ستظل تؤرق منام الرجل وتدعوه لقطف الرؤوس طالما حيا وتنفس الهواء، فلماذا يفتح بابًا بصورة خافتة طالما سيتعب في غلقه؟!

       أما “سامي عنان” الذي ظن أنه سيترشح للرئاسة فلا أدري كيف يفكر أو يفكر من ناصروه أن “السيسي” بتاركه؟! إن “عنان” لو كان مكان “السيسي” لما ترك الأخير، وهو يعرف ذلك، وهو أيضًا (عنان) يفهم جيدًا أن مثله مثل الإخوان (ظاهريًا) بلا ثقل دولي أو رصيد محلي مع الفارق، فعلام كان التسرع وإعلان الترشح؟

      لا يقصر “السيسي” في إعلان هويته وخياناته، فيما يقصر مناؤوه في فهم طبيعة علاقتهم المُلغزة معه، حتى أن أعداء الأمس (الإخوان وعنان) يظنون أنه تاركهم ليلتهموه ثم يصفوان ولو ظاهريًا أو إلى حين.

   إن رهن قضايا مصر العاجلة ومنها “لم شمل المصرين” وتعليق الامر على فوز مثل “عنان” كمن نفذت أسطوانة الغاز من منزله فيصر على الطبخ على ضوء الشمس، ولا يفكر في إبدال الموقد أو الإسطوانة، وهو درب من العبث المطلق.

   أما الذين رأوا أن القبض على “عنان” يساوي أن الانقلاب كان محتومًا بامتياز فهؤلاء نتاج عصر الإخوان والعسكر بامتياز، فما كان “عنان” إلا أحد أبرز أسباب الانقلاب لولا أن الأكثر خيانة وقدرة على أكل الكتف سرقوا جهده عليه، وأما “عنان” فعما قريب تُسوى أوضاعه كـ”أحمد شفيق”، وإن اختلفت الوسيلة، وأما قادة الإخوان المسئولين، فذلك اللغز الحالي الذي يبدو عصيًا على فهم بخاصة سبب انتظارهم للفترة الثانية من حكم “السيسي” ليقضي عليهم إن كان فيهم بقية .. وصدق الشاعر:

                           إلا الحماقة أعيت الطبيب المداويا!