لستُ من الذين يُعلون من قيمة وشأن جماعة الإخوان؛ فصاحب هذه الكلمات يُقدر الإنسان المعاصر والمسئولية نحوه، وفي سبيل الإعلاء من قيمة الإنسان لا أقبل بحال من الأحوال أن يتم القفز فوق هذه القيمة من أجل طاغية أو بشر لا حجم له .. يرى الدنيا من خلال منفذي أبرة صغيرين جدًا يظن أنهما عينان، وإنما هو ينظر من أنفه، ويفكر عبر فمه أو ما سيصل إليه من نشوة ومن شهوات وأموال.

   وفي المقابل لا يرضيني أيضًا أن يقود واقعنا المصري بعض قصار النظر، معدومو الحيلة، سيئو الطوية والنية، ممن لا يحبون من الحياة إلا الدماء والرقص فوق الأشلاء، وليتها أشلاؤهم وإن هي أشلاء ودماء ورفات خيرة شباب الأمة من الإخوان، وهؤلاء القادة الأكابرالذين نفذت صلاحية عقولهم، إن كانت تلك العقول مكتملة الأركان من الأساس، وهؤلاء الأخيرون نجحوا في ظل غفلة من أصحاب الهمم والعقول في التحكم في المشهد الديني في أكبر الحركات الإصلاحية المعاصرة بخاصة في مصر.

   ومع الاحترام لعقول مئات الآلاف من الشباب وتضحياتهم، إلا أن الأخيرون نجحوا في استغلال المشهد التطوعي الذي لا ينبغي لتسيده الحصول على رخصة أو مهارة وربما نجح فيه المخادع؛ وكأني بروح الشيخ “محمد الغزالي” رحمه الله تطارد هؤلاء وتنشد في وجوههم آيات التحذير من مصير مشابه للظالمين، فاولئك إنما هم من عمي الأبصار، قليلي الإيمان بقيمة عمارة الحياة، يرون رأيهم ولا رأي لديهم غيره، وفي المنتصف يتم العصف بالشورى، إن عُقدت لديهم بمعناها الصحيح بلا تربيطات أو مصالح عليا، كتلك التي أُجريتْ في بداية عام 2015م في تركيا لاختيار مجلس شورى للجماعة، وفي سبيل السعي لتطويره عاني المجلس المُنتخب من الذين رأوا أنهم أكبر ممن مجرد المحاسبة المالية أو السؤال الخطير: من أين لك هذا؟ وعلى أي أساس تُدني إليك في أعمالك المشكوك في عقولهم أو بعضها، وأولئك المفتقدون، حينًا، لمبررات الشرف، فكان الرد بالانقضاض على الشورى في وضح النهار في إجراء تمت تنحية قرار الجمعية العمومية فيه، مع حرمان الأخيرة حقها في الاجتماع مجددًا بتجزئتها، واختيار مجلس باطل جديد يدير المشهد في فوضى عارمة وتحد لأحكام الله قبل العقول، مع الاحترام لقليل المحترمين في المجلس الجديد.

   والأمثلة على الاجتماعات الباطلة وإلباسها لباس الشورى أمر يقصر دونه المقام بل الحياة، فمجالس التربيطات والمحسوبية والمجاملة وإلباسها ثوب الشورى والله منها بريء، لولا الافتئات عليه تعالى، وظلم الدين قبل البشر، وهؤلاء فرخوا طبقة عفنة من الناس، برأي الراحل المرشد “محمد مهدي عاكف” إذ إن جماعة الإخوان برأيه وفي أحد حواراته الخاصة ضمت مجموعة كبيرة جدًا “من المنخقة والنطيحة والمتردية والموقوذة وما أكل السبع”، من بشر لم يجدوا لهم قيمة في الحياة فسعوا في ركب التكالب على الإخوان، بخاصة عقب الثورة، وفي ظل أجواء بالغة العفونة نمت أظافرهم وطالت مخابهم ولم ينجح أحد في تربيتهم، والنتيجة أننا صرنا نسمع بالمختلس للمال الذي لولا الانقلاب لانفضح أمره، وهو قابع في الجماعة ما يزال منتهزًا فرصة الخلافات، مندسًا بإحكام بين صفوف الشرفاء من أطهار الصف، إن ذهب أحدهم لإقصائه فغر فاه وهدد بفضيحة نفسه والآخرين ولدينا من عينته عدد آخر بمآس أخرى (!).

   إننا أمام مشهد قاسٍ بامتياز يُشير إلى أسوأ الحقب في العهد المصري القديم والحديث والمعاصر، الفساد اليوم يترعرع باسم قائد الانقلاب الذي بلغ في الدموية حدًا فاق أسلافه من العسكريين، وفي المقابل فإن مقاوميه يتشدقون ويتنادون بعدم إعمال الفكر للقضاء عليه، وإنما يسعى أصحاب العقول المتقلصة من القيادات الفاعلة للإخوان إلى التنادي بنصر الله القادم إليهم النازل على أعناقهم الناعسة الملتوية المتنادية لأذية البلاد والعباد.

  وفي مقابل العقول القليلة القادرة على إزالة هذا الالتباس المرير.. نحن إزاء طفع عنكبوتي عملاق بداية من الرفض الداخلي لقيادات في قمة الجماعة مأزومة .. فيها المندس مثلما امتلئت بالأغبياء، والجميع يقارب قيادة الجماعة إلى حبل المشنقة إن لم يكن إلى نصل المقصلة، بتأخير تحسس الخطو لإنهاء مأساة تكاد تقضي على أروع ما في مصر من البشر، بدلًا من الاسهام في الجريمة المروعة وترك الآلاف يُبادون من جذورهم، حتى قارب القطار المضي، وللقوم من العملاء والاغبياء في ذلك أحابيل وأحاييل وأفانين وطرق وعجائب على طريقة “جحا” الذي تأكد من أن زوجته بمنأى عن النار، فدعا الله أن تأكل كبد الدنيا!

   فطالما مصالحهم هم بخير على الوجود السلام.

   وآخر حيل الكف عن البحث عن حل لمصر أن العسكري “سامي عنان” سوف يحمل مشاعل النور إلى الجماعة مثلما حملها “السادات” من بعد وفاة “جمال عبد الناصر”، وأسوأ ما لدى فكر هؤلاء أنهم يظنون أمانيهم واقعًا ويتعاملون معه على أنه حقيقة فلا “عنان” حاز توكيلات الترشيح اللازمة، ولا “السيسي” يفسح المجال له، ثم إن “عنان” ليس بـ”السادات”، ولاعالم “السادات” بعالم “السيسي” و”عنان” .. وما هكذا تورد أبل الحقائق، ولا يتم التعامل مع السياقات بخاصة السياسية إلا لدى قصار الفكر والنظر والاعتبار في قريب الأحداث فماذا عن عميق التحديات في العالم كله؟ وأفانين الصراع بين الحق والباطل المحتدم، ولو أحسن المتحكمون في المشهد من كبار الإخوان إلى أنفسهم وأمانة الدين قبل العقل لتابوا إلى الله ولبكوا على أنفسهم وما جروا المشهد المصري إليه بعمالة وغباء وبمحاذاة ومشابهة إن لم يكن بأخطاء أفدح من الانقلابيين المجرمين.

   وإلى أن يرزق الله برجال أفذاذ يستطيعون تطهير القمة التي امتلئت بـ”هؤلاء” الطغاة في الغباء والعمالة في مقابل طغاة أصليين في إشهار السلاح واتباع الأهواء .. حتى يأذن الله بالخير لهذه الأجيال التي تتردى في الغربة الداخلية في مصر أو المتاهة الخارجية في دول العالم المختلفة أو في السجون .. لهم جميعًا ولنا الله تعالى.