حاوره عبدالحليم جريري ( – خاص)- هو ناشط ومدون تونسي ومهندس حماية إعلامية ملأ الدنيا وشغل الناس منذ بتصريحاته وتعليقاته الجريئة والمثيرة للجدل، وهو اليوم نائب في البرلمان عن قائمة الأمل بعد فوزه في الإنتخابات الجزئية الأخيرة في ألمانيا، لكنّ قضيتين أثيرتا ضدّه مؤخرا من المحكمة العسكرية، تمثلت إحداهما في إيتاء فعل موحش في حق رئيس الجمهورية، أما ثانيهما فهي تحقير المؤسسة العسكرية والحط من معنويات العسكريين، هو حاليا موجود في فرنسا وينوي العودة إلى تونس خلال الشهر الجاري لينطلق في ممارسة نشاطه كنائب تحصّل على مقعده قبل إثارة جدل واسع بلغ مدّه تونس والخارج.

 

صحيفة “وطن” راسلت النائب ياسين العياري تطلبه للقاء، فكان حديثا قال لها فيه إنّ القضايا التي تلاحقه ثلاثا وكلّها جديدة، أثيرت و فتح فيها البحث وحدث التحقيق والإحالة بعد ظهور نتائج الإنتخابات مباشرة، وهو ما اعتبره سابقة خطيرة ومرعبة، وأضاف في معرض حديثه أنّه يعتبر راشد الغنوشي أيقونة من أيقونات تونس المعاصرة لأنه استطاع أن يقود تيارا فكريا لمدة 40 عاما وفق تعبيره، لكنه يعتقد أنه يعاني من نفس أمراض جيله، ومنها مرض الرئاسة مدى الحياة، كما عبّر العياري عن كون حزب النداء لن يحتاج إلى مع اقتراب الإنتخابات، مؤكّدا أنّ وجوده انبنى أساسا على مضاددتها، وفي ما يلي تفاصيل مثيرة أخرى تجدونها في الحوار كاملا:

 

-القضيتان المثارتان ضدك قيل إنهما قديمتان، بدأ القضاء العمل عليهما قدرا ومن باب الصدفة بعد فوزك في الإنتخابات، وليستا من باب التضييق عليك، ما رأيك؟

–أوّلا هي ثلاث قضايا وكلها جديدة، أثيرت و فتح فيها البحث وحدث التحقيق والإحالة بعد ظهور نتائج الإنتخابات في سابقة خطيرة ومرعبة، ففي تونس اليوم، من يتجرأ على هزيمة النهضة والنّداء يحاكم عسكريا حتى يكون عبرة لمن يعتبر، مؤسف ما سأقوله، لكنها الحقيقة مجردة، وزارة الدفاع تكذب وبيانها مغالطة للرأي العام، فحين تقول إن القضية فتحت في فيفري 2017، فهي تكذب، لأنّ التدوينة –مصدر إدانتي- كتبت في فيفري 2017 أما القضية ففتحت في جانفي 2018، وقد نشرت كامل ملف القضية و يمكنك بمعيّة قرّائك التثبت منه، كما يمكنك أيضا العودة لما كتبه السيد عميد المحامين في الموضوع و هناك تصريح للمسؤول القانوني لهيئة الإنتخابات أكد لوكالة تونس إفريقيا للأنباء أن الهيئة تثبتت قبل قبول ترشحي لدى وزارات الدفاع والداخلية والعدل ولم تجدني محل تتبع، هي في الحقيقة سابقة خطيرة جدا، فحين يثق الشباب التونسي في نفسه ويهتم بالشأن العام ويبعث رسالة أمل يستعملون القضاء العسكري لرميه في السجون، لماذا أتحدث عن قضية واحدة؟ لأنّ بقية القضايا لا نعلم عنها شيئا، إذ أنّ المحكمة العسكرية رفضت تمكين المحامين من الملفات في خرق واضح وصارخ لأكثر حقوق الدفاع بديهية، مع التذكير أني مدني والدستور التونسي يمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، و رغم ذلك ورغم أنني نائب مدني فإنّي أحاكم عسكريا.

 

-إحدى قضاياك تتعلق بإتيان فعل موحش تجاه رئيس الجمهورية، ألا تعترف بأنّ أسلوبك استثنائي في انتقاد ؟؟ وأنك تطنب في شتمه أحيانا؟

–لا سيدي، أنا أمارس حرية تعبيري التي حاربت من أجلها منذ أيام بن علي و دفعت الثمن، نحن مازلنا في جريمة “crimen maiestatu ” الرومانية أو جريمة “lèse-majesté ” التي تعود لعصور الظلام الأوروبية!؟ هذا حكم انتفى من فرنسا مثلا منذ 1832، ففي أي عصر يعيشون؟  حتّى في الدنمارك وهي مملكة، تشويه العائلة المالكة أو ثلبها يحاكم مرتكبه بنفس أحكام التشويه أو الثلب تجاه المواطن العادي، ثم، الأمر أعمق من ذلك، فالباجي ونظامه ومدرسته الفكرية تؤمن بالتخويف والترهيب والرئيس النصف إلاه، إنتقاده بشدة يتجاوز شخصه، لأنّه صراع بين نظرتين للدولة: هل يحكم الرئيس بالخوف أم بالإحترام؟ هل هو مقدس أم موظف لدى دافع الضرائب، كلما استعمل التخويف والترهيب، كلما جنح أتباعه إلى تقديسه، لذلك فإنّ النقد اللاذع تجاه “فخامته” يصبح واجبا، بعد أن كان حقّا عمّدته دماء الشهداء.

 

-ما هي مشكلتك معه تحديدا؟؟ هو اليوم جاء إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية ووقع عليه الإختيار تماما كما وقع اختيارك في .

–سيدي، لا مشكل لديّ مع أشخاص، مشكلتي مع ممارسات وسياسات ورمزيات وتوجهات ونتائج، هو الفائز في الإنتخابات، و أعترف بشرعيته كرئيس منتخب مادام يحترم العقد، ومصدر الشرعية طبعا هو الدستور، ثانيا، هل لأنه منتخب، يجب أن نوافق على كل ما يفعل؟ لا أبدا، أنا أحترم شرعيّته لكنني أعارض سياساته، من محاولة التوريث المفضوحة، إلى عدم احترامه للدستور إلى ما ذلك من الخروقات.

 

-رأيناك تشتم منتخبيه يوم فوزه، لماذا لم تقبل باللعبة ؟

–لا أذكر صراحة، مضى وقت طويل على ذلك، ربما هي ردّة فعل عاطفية من مواطن، وإن لم تخنّ الذاكرة فإنّها كانت ردّا على سخريته من الشهداء (ووالدي واحد منهم) وعلى تصريحه للصحافة العالمية بأن الذين انتخبوا خصمه هم إرهابيون.

 

-قام النداء بتقديم طعن للمحكمة رفض شكلا، لماذا كل هذا التهافت لإبعادك حسب رأيك؟؟ هل يشكل مقعد يجلس عليه ياسين العياري في البرلمان مصدر إزعاج كبير لهؤلاء حسب تقديرك؟؟

–فعلوا أكثر من ذلك، أغروا أعضاء من حملتي الإنتخابية، عرضوا أموالا على بنات حتى يتهمنني بالإغتصاب، أصدروا الأوامر حتى أحرم من الإعلام، شوهوني في إعلامهم، وفبركوا لي قضايا في المحكمة العسكرية، هم لا يخافون مني أنا بالذات، هم خائفون ممّا أمثّل، ففي بضع سنوات فشلوا على جميع المستويات، ولا يزالون إلى اليوم فاشلين حتى في تنظيم مؤتمرهم الأوّل! تخيّل، حزب حاكم لم ينجح حتى في تنظيم مؤتمر! كثير من نوابهم معروفون بالفضائح، فقط بالفضائح، وهم يعلمون أن جيلي لو يثق في نفسه و يتقدم للعمل السياسي، فهذا يعني حتميا نهايتهم، لهذا فهم يستميتون في ضرب تجربتي هذه.

 

-تعهدت بتتبع كل من يتهمك بالإرهاب، لماذا الآن بالذات؟

–لأن الأمر فات حده، و لأنها تهمة خطيرة، ورأيت أن الحلم ومزيد التغاضي عن مثل هذا القذف يجعل الناس يصدقونه، نقطتان جعلتاني أقرر وقف عدم مبالاتي، إحداهما خاصّة، فحين يتهمك شخص بالإرهاب على شاشة التلفزيون فقط لأنك هزمت حزبه، و يسمعها أطفال، و يزعجون إبنك (8 سنوات) في المدرسة بقولهم “يا إبن الإرهابي” فالأمر يجب أن يتوقف، وحين يعمد الخاسرون في الإنتخابات إلى مراسلة مسؤولين ألمان ليتهموني بالإرهاب عندهم فهذا يضر بتونس والجالية التونسية ويجب أن يتوقف، وأطلب من الذي لديه أي دليل على علاقتي بالإرهاب والإرهابيين أن يقدمه إلى المحكمة، لكن أن أتّهم جزافا هكذا فقط لأنني هزمت أحزابهم فهذا ما لن أقبله مجددا.

 

-ولكننا رأيناك تحمل راية العقاب في إحدى الصّور، ألم تصبح هذه الراية ملتصقة “بالدّواعش” ؟؟ ماذا قصدت بحملها إذن ولماذا استغربت من انتقاد الناس لك بعد التصوير بها؟

–رفعت هذه الراية (هي راية ذات مدلول حضاري أولا) قبل أن تتأسس داعش أصلا، فما ذنبي أن داعش اختارتها بعد ذلك راية؟

 

-هل يمكن أن يقع سجنك لدى عودتك إلى تونس حسب رأيك؟

–الأمر وارد جدا.

 

-ماهي الرسالة التي توجهها إلى الإعلام التونسي بصفة عامة كرد على تعاطيه مع فوزك في الإنتخابات الجزئية؟

–لا أوجه لهم أية رسائل، تعاطيهم الإعلامي كان في المجمل دون المأمول صراحة، وأنا أتفهم توجّس البعض وتخوّفهم منّي بسبب مواقفي السابقة، و أنا متأكد من أنه يمكن تجاوز ذلك، فأنا اليوم نائب شعب وأعتقد أنه لدي الكثير ممّا يمكنني تقديمه.

 

-بلون آخر، نراك من معارضي التوافق بين النهضة والنداء، ألا يؤمن ياسين العياري بإكراهات السياسة؟

–لا سيدي، أنا لا أعارض التوافق، فتلك أمور الأحزاب التي لا تعنيني، أنا أعارض نتائجه، فلو كان توافقا أفرز حراكا سياسيا ومواقف سيادية ورخاء إقتصاديا ومزيد من الأمن والحقوق والحريات والعدل لهلّلت له، أمّا أن يكون توافقا لمزيد تقنين الفساد والتغول والعبث بالعباد والبلاد حقوقا ومعيشة فهذا لا وألف لا.

 

-بدأ حديث يلوح في الأفق عن إمكانية الطلاق بين هذين الحزبين، كيف تحلله من وجهة نظرك الشخصية؟

–حين تقترب الإنتخابات، لن يصبح النداء بحاجة إلى النهضة فوجوده مبن على مضاددتها، تاريخ تونس حلقة تعاد ولا أحد يتعض، فقديما استعمل محمد مزالي الإسلاميين لضرب اليسار، ثم استعمل بن علي اليسار لضرب الإسلاميين، ثم بعد الثورة إستعمل اليسار للإطاحة بالنهضة والآن تستعمل النهضة لخنق اليسار، واليسار يعادي النهضة فقط ليأخذ مكانها، هذا الواقع للأسف، الدولة العميقة تطوّع العداء التقليدي بين اليسار والإسلاميبن حسب مقاسها، تتحالف مع إحداهما ضد الآخر حسب موازين القوى، ثم تغيّر تكتيكها بما يحقق مآربها.

 

-نريد أن نعرف رأيك في راشد الغنوشي، المنصف المرزوقي، ، حافظ قائد السبسي، رجل الأعمال كمال اللطيف بصراحة.

–راشد الغنوشي أيقونة من أيقونات تونس المعاصرة، إستطاع أن يقود تيارا فكريا لمدة 40 عاما، لكن أعتقد أنه يعاني من نفس أمراض جيله، وهي الرئاسة مدى الحياة، “تشليك” المؤسسات، إقصاء الجميع وهو ما يطرح مشكلة الوراثة، وهذا يحدث في مرحلة تجاوزها العصر، أمّا بالنسبة للمنصف المرزوقي فهو الرجل الصحيح في الزمن الخطأ، هو يتحدث عن المياه كثروة إستراتيجية، عن البذور كسلاح، عن ديبلوماسية تحويل القروض الأجنبية إلى إستثمارات، لهذا فمن المؤكد أن لا مكان له في زمن أهل السياسة فيه مدمنون على الشعبوية.

 

محسن مرزوق هذا لا أعرفه، هل هو مغنّ؟ راقص؟؟

أمّا حافظ قائد السبسي فأنا أعرفه كابن رئيس، سمعت أنه يحاول ممارسة السياسة فقط لأنه ابن الرئيس، كان الله في عونه، لا يأس مع الحياة، وفي ما يخص رجل الأعمال كمال اللطيف فأنا أقول إنّه رجل أضر بتونس كثيرا لمدة تقارب الثلاثين عاما.

 

-توقفت تقريبا العمليات الإرهابية في تونس، هل تعتبر توقفها نجاحا أمنيا أم ترى أنّ لعبة كانت تطبخ سياسيا، ولما أتت أكلها إنتهى موضوع الإرهاب؟؟

–أعتقد أن الأمر معقّد أكثر من ذلك، وإن كان بعضا من هذا وبعضا من ذاك.

 

-حسب رأيك، من تورط في قتل بلعيد والبراهمي؟

–ماهو الهدف من إغتيالهما؟ هذا هو السؤال الأدق.