بين يناير 2011 و2018، 7 سنوات انقضت على اندلاع ، وما بين التاريخين، تتأرجح مشاهد الاحتجاجات والمواجهات العنيفة بمختلف الشوارع والمدن، لترسم صورة متشابهة الشكل مختلفة السياق والمضمون.

 

غير أن القاسم المشترك بين الزمنين؛ يظل استمرار الفقر والبطالة في المناطق الداخلية الأكثر عزلة، رغم محاولة الحكومات المتعاقبة تطبيق “التمييز الإيجابي” لصالح هذه المناطق الواقعة بمعظمها غربي وجنوبي البلاد.

 

ويمكن تلخيص أهم ما تحقق وما لم يتحقق بعد 7 سنوات من “”، فيما يلي:

 

** ما لم تحققه الثورة وساهم في تفجير احتجاجات 2018

 

1- الفقر ونقص التنمية

 

حين أحرق نفسه في سيدي بوزيد (وسط)، في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، لم يكن ذلك سعيا منه للإطاحة بنظام بن علي، أولإشعال فتيل الربيع العربي، بقدر ما كان رفضا للظلم ولقطع مصدر رزقه (عربة لبيع الخضار).

 

ومن البوعزيزي، اندلعت شرارة ثورة تحمل طابعا اجتماعيا، ذي صلة بالبطالة ونقص التنمية، خصوصا بالمناطق الداخلية الغربية والجنوبية، قبل أن يتخذ الحراك حينها طابعا سياسيا.

 

بدورها، تنبع الاحتجاجات الحالية التي تهر ، من أسباب اجتماعية واقتصادية، مرتبطة مباشرة بزيادة أسعار بعض المواد الأساسية مطلع 2018.

 

غير أن الامتداد الزمني لهذه الاحتجاجات قد يحولها لحراك نوعي، ويضمنها مطالب سياسية، خاصة وأن أحزاب مثل الجبهة الشعبية (تكتل لأحزاب يسارية وقومية 15 نائب/ 217)، والتيار الديمقراطي (3 نواب/ معارض) لم يخفيا دعمهما للاحتجاجات.

 

2- بطالة مرتفعة

 

في 2017، بلغت نسبة بتونس، نحو 15.3 بالمائة، وترتفع إلى نسب أعلى في أوساط الشباب، وتزداد نسبتها أكثر في المناطق الغربية والداخلية والجنوبية، وتمثل إحدى العقبات الرئيسية التي أخفقت 9 حكومات متتالية بعد الثورة في تقليصها إلى نسب مقبولة.

 

3- خانقة

 

رغم محاولة تونس بعد الثورة الخروج من أزمتها الاقتصادية، إلا أن الوضع تأزم أكثر بسبب الاحتقان السياسي والضربات التي وجهها الإرهاب لقطاعها السياحي، الذي يمثل أحد ركائز اقتصادها، قبل أن ينتعش نسبيا في 2017.

 

كما أن الاحتجاجات أضرت كثيرا بالقطاعات الرئيسية لاقتصاد البلاد، مثل الفوسفات والبترول الذي تنتج منه البلاد كميات محدودة.

 

4- استمرار تفشي الفساد

 

أحد الأسباب التي قامت عليها الثورة التونسية كانت محاربة الفساد، إلا أنه وبعد 7 سنوات، ورغم إعلان الحكومة بقيادة يوسف الشاهد، الحرب على الفساد، إلا أن قناعة راسخة تتملك التونسيين حتى اليوم بأن “الفساد لم يكافح بالشكل الكافي”.

 

وفي هذا الصدد، يقول شوقي الطبيب، رئيس الهيئة التونسية لمكافحة الفساد والحوكمة (دستورية مستقلة)، في تصريحات إعلامية سابقة، إن “70 بالمائة من مشاكل تونس كان بالإمكان تجاوزها في حال قاومنا الفساد”.

 

** إنجازات الثورة

 

1- التداول على السلطة عبر منافسة مفتوحة

 

قبل الثورة، لم يكن بالإمكان التداول على السلطة عبر انتخابات مفتوحة، ورغم أن تونس شهدت انتخابات في هذه المرحلة، إلا أنها كانت محسومة مسبقا، ما يعني أن أهم إنجاز حقته الثورة لشعبها هو تمكينه من انتخاب ممثليه بشكل ديمقراطي.

 

2- صحافة حرة

 

بعدما كانت الصحافة العمومية والخاصة خاضعة لرقابة السلطة، أصبح الإعلام أكثر حرية وتنوعا، وصنفه تقرير مراسلون بلا حدود، في المرتبة الأولى عربيا (دون احتساب موريتانيا وجزر القمر).

 

3- العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان

 

شكلت تونس، في 2014، هيئة الحقيقة والكرامة (دستورية مستقلة)، بهدف الإشراف على تطبيق قانون العدالة الانتقالية، والنظر فيما يتردد من تجاوزات حقوق الإنسان بين الأول من يوليو/ تموز 1955 و24 ديسمبر/ كانون أول 2013، تاريخ صدور هذا القانون.

 

4- حق التظاهر

 

وهو من الحقوق التي حصل عليها التونسيون بعد الثورة، حيث كان التظاهر محظورا زمن بن علي، إلا في نطاق ضيق.

 

لكن في السنوات السبعة الأخيرة، شهدت تونس عدة تجمعات ومظاهرات حمتها الشرطة بدل قمعها، رغم أن هذا الحق أصبح محل جدل بسبب لجوء بعض المحتجين إلى العنف.

 

5- الحجاب

 

كان الحجاب في عهدي بورقيبة وبن علي، محظورا بنص القانون رقم 108 الصادر في 1981، حسب القيادية في حركة فريدة العبيدي، لكن بعد الثورة تم إسقاط هذا القانون، وأصبح الحجاب “حرية شخصية” للنساء التونسيات.

 

** الإرهاب عقبة بوجه الاستقرار

 

قبل الثورة، كانت تونس تنعم إلى حد كبير بالأمان، رغم وقوع عمليات إرهابية محدودة، لكنها بعد يناير 2011، تعرضت لعدة ضربات إرهابية استهدفت سياسيين ورجال أمن وعسكريين وسياح أجانب.

 

كما حاول تنظيم “داعش” الإرهابي تأسيس إمارة له في بن قردان (جنوب شرق)، كما تتمركز كتيبة عقبة بن نافع، التابعة لتنظيم في جبال الشعانبي (غرب)، فيما عاد مئات التونسيين من مناطق التوتر في ليبيا وسوريا والعراق، ما أثار قلق الناس من تزايد مخاطر التهديد الإرهابي.

 

أما خارجيا، فلم تحض الثورة التونسية بدعم أطراف دولية على الأغلب، لأنها كانت مفاجئة وغير متوقعة وسريعة (قرابة شهر).

 

لكن اليوم، يخشى محللون إمكانية استغلال أطراف خارجية للاحتجاجات الحالية، خاصة وأن الثورة التونسية الوحيدة التي نجت من السيناريوهات المأساوية التي عرفتها دول الربيع العربي مثل ليبيا ومصر وسوريا واليمن.

 

ويمكن القول أنه بعد 7 سنوات من الثورة، حقق التونسيون قفزات على المستوى الديمقراطي والحريات العامة، لكنها على الصعيد الاقتصادي لازالت تراوح مكانها إن لم تتراجع قليلا.

 

في حين يمثل مكافحة الفساد تحديا كبيرا وإن قطعت فيه الحكومة خطوات عديدة، إلا أن الطريق أمامها مازال يبدو بعيدا.