اجرى الحوار: عبدالحليم جريري- تحدّث الدكتور في الجزء الثاني من حواره (الصحبي العمري لـ”وطن”: سوف أفاجئ السبسي قريبا بشهادات عن مقبرة جماعية لليوسفيين الذين قتلهم)  عن مقابر جماعية لليوسفيين سوف يكشفها للتونسيين متهما بها الباجي قائد السبسي، وأشار في معرض حديثه معنا إلى أن حمادي الجبالي رئيس الحكومة السابق طلب منه تهريب أحد قياديي حركة الذين شاركوا في تفجيرات سوسة في الثمانينات من ، وفي ما يلي الجزء الثالث من حوارنا معه:

 

-لاحظنا من خلال الجولة التي قمنا بها في حسابك الشخصي “بالفيسبوك” أنه لا يهمك هتك أعراض بعض الشخصيات العامة من سياسيين وإعلاميين، ما السر وراء ذلك ؟

–في الحقيقة.. أنا أحتقرهم لأنهم عصابة من المتحيّلين على الشعب.. لذلك لا تحدثني عن هتك الأعراض بالصيغة التي تريد تسويقها بعض الأطراف التي تمتهن ذلك دون رادع منذ زمان.. ليست لي شبكة “” لأنتهك حرية الناس وأعراضهم وحرماتهم ولست مشغولا بذلك لأنّ اهتماماتي أرقى من هذا.. ولكن ما يؤسفني أن تتعمد بعض الأطراف المتنفذة الإساءة لي وتنتظر مني الصمت وقبول الأمر الواقع دون جواب معتقدة أني متخوف من التتبعات العدلية.. وحتى يكون جوابك اكثر وضوحا أريد منك مثالا واضحا في هتك الأعراض في تدويناتي حتى نكون على بيّنة من مفهوم هتك الأعراض.. وكنت قد أجبتك سلفا عن تدوينة “يا خدود التفاح” وملابساتها..

 

-يُقال إنك كنت من أبرز الإسلاميين سابقا وأن أفكارك كانت تتماشى وأفكار الإسلاميين كثيرا، ما الذي زج بك في كرههم الواضح اليوم ؟

–ليس لي ما أخفيه فأنا أعيش بكل وضوح ودون خوف من أحد.. وإذا كان ما يُنقل عني حقيقة وليس كذبا وإفتراء فيجب قبول اللعبة إذا كنت شخصية عمومية وحق الرد متوفر ومسموح به.. وبالرجوع إلى علكة “أبرز القيادات النهضويين” أو “أبرز الإسلاميين” وافكاري قريبة من الإسلاميين.. بودي أن أذكرك انني عربي مسلم وتونسي الجنسية ولا يوجد عيب في ذلك، خاصة وأنني لا أقوم بما ينافي أخلاقيات الدين الإسلامي.. ولا يمكن لي أن أنسلخ من أصلي لأرضي غيري..

 

وفي ذات السياق بودّي أن توضح لي هذه الأفكار وكيف كنت من أبرز الإسلاميين؟ ومن أين إستقيت هذه المعلومات الخاطئة؟ وأما عن كرهي لهم أي لعصابة حركة النهضة.. فذلك لم أعد أخفيه ويكاد يكون علنيا لأنني إكتشفت متأخرا سنة 2006 أنّ النهضة الغنوشية في المهجر وبعض أذيالها في تونس ليست إلاّ عصابة مافيوزية من تجار الدين والزنادقة.. وليس لهم من النهضة إلاّ نهضة البطون والمؤخرات والجيوب..

 

إذ عند تنفيذ أحد بنود إتفاقي إثر مصالحتي مع مؤسسة الرئاسة سنة 2006  والمتعلق بعودة اللاجئين وخاصة منهم النهضويين توجهت إلى باريس في مارس 2006 مصحوبا بمبعوثين من القصر للتفاوض مع عديد الأصدقاء عن إمكانية عودتهم دون شرط أو قيد ولا رسالة ولا مكتوب ولا إلتزام ولا غيره ..

 

إستحسن العديد الفكرة وتوافدوا فرادى وجماعات للعودة الى تونس مما حزّ في النفوس المريضة لوكلاء المآسي من العصابة الغنوشية بين لندن وباريس والدوحة وتوجهوا الى دعم “جمعية المهجّرين” التي لم يهجّرها أحد بل تفننت في تشويه مصالحتي مع مؤسسة الرئاسة بتعليمات من راشد الغنوشي وإشراف من سليم بن حميدان وعماد الدايمي ونور الدين الختروش وإعتبروا أنّ كل من يقصد القنصلية او السفارة التونسية بالخارج خارجا من الملة “وطيّح السروال”.. وتجنّد ضدي عديد المدونين بين الداخل والخارج بتعليمات من راشد الغنوشي وسيّد الفرجاني ولطفي زيتون وعامر العريض ومحمد بن سالم وإنصهر في هذا الخط المنصف المرزوقي وسهام بن سدرين وخالد بن مبارك ولسعد الجوهري  وآخرون من المتمعشين من مآسي غيرهم في تونس وخارجها.. وكان ردّي بكشفهم وكشف إنتهازيتهم وإستيلاءاتهم على الزكاة والتبرعات الخيرية من الجمعيات الحقوقية العالمية وأثرياء العالم الإسلامي..

 

كان الصراع شرسا على شبكة الأنترنات توضحت فيه الرؤية للعديد من راشد الغنوشي وزين العابدين بن علي في صراعهما الشخصي على السلطة في تونس.. وتهجمت جحافل السوء على كل شخص يتحصل على جواز سفره في الخارج ويعود الى تونس وإعتبروا أنّ العودة الفردية حلاّ خلاصيا لا يتماشى مع مصالح النهضة الغنوشية في غياب التفاوض مع عصابة لندن وباريس والدوحة.. في حين نشطت لاحقا رسائل الوساطات الشفاهية والكتابية التي كان يرسلها راشد الغنوشي عبر صاحب قناة “المستقلة” في لندن الهاشمي الحامدي وعبر السفير التونسي في لندن محمد الغرياني وصهر الرئيس السابق صخر الماطري وسيف الإسلام نجل المرحوم العقيد معمر القذافي .. كل ذلك حدث لأنهم رفضوا وساطتي بعد أن اكتشفت على عين المكان في باريس وليون وجنيف ثراءهم الفاحش وعمالتهم مع الاجهزة المخابراتية الاجنبية.. وزاد غيضهم حين نجحت في إقناع الجنرال علي السرياطي المدير العام السابق للامن الرئاسي في دفع الرئيس السابق إلى العفو على 23 قياديّا نهضويّا الباقين في السجون في صائفة 2008 حتى لا يبقى مبررا للقيادة الغنوشية في لندن وباريس والدوحة للتسوّل في الخليج وغيره بإسم عائلات المساجين النهضويين والمضطهدين في تونس لجمع الأموال بالإستثمار في مآسي الغير..

 

قبل التحوّل الى باريس لعرض مشروع عودة اللاجئين في مارس 2006 عفا الرئيس السابق في الاسبوع الثالث لشهر فيفري 2006 على جميع عناصر مجموعة باب سويقة الارهابية.. كما أفرج في منتصف شهر مارس على عديد قيادات النهضة ومنهم حمادي الجبالي وعامر العريض وغيرهم بعد نجاح سفري في مهمة عودة اللاجئين..  وكان من المفروض أن يعفو الرئيس السابق على باقي مساجين الحركة في إحتفالات عشرينية السابع من نوفمبر سنة 2007 لكن ما إن اقترب موعد التظاهرات الاحتفالية حتى عمد الأستاذ المحامي محمد النوري رئيس “جمعية حرية وانصاف” إلى الإعلان عن إنطلاق إضرابه للجوع في مكتبه في نهج مختار عطية بالعاصمة من أجل الحصول على جواز سفره قصد الذهاب للحج.. وهو ما إعتبره الرئيس السابق والديوان السياسي ومستشاريه محاولة من النهضة لتنغيص احتفالات عشرينية السابع من نوفمبر وتشويهها، لذلك تأجل الإفراج الى مناسبة أخرى دون مناسبة رسمية في أوت 2008.. وهو ما كان سببا في القطع النهائي مع العصابة الغنوشية بعد أن توصلت بمجهودي الخاص إلى النجاح في عودة أكثر من 300 نهضويّ لاجئ في شتى أصقاع العالم من القارات الخمس فيهم من حضر على احتضار والده في اللحظات الأخيرة من حياته.. ومشاهد أخرى مؤثرة مازلت أحتفظ بها في ذاكرتي لتبقى بيني وبين عديد النهضويين العائدين قبل سنة 2011 علاقات صداقة وإحترام متبادل إلى اليوم في حين إنقطعت سبل التواصل مع راشد الغنوشي وشلته بعد أن تفصّى حمادي الجبالي من معرفتي السابقة وإعتبرني مجرد كناطري “مجاني” بكل وقاحة ونسي نفسه حين كان يقضي لياليه في بيت المرحومة والدتي في المنزه الخامس وبيت شقيقتي أمال العمري في المنزه السادس وبيتي في المنار عندما كان محكوما بالإعدام غيابيا وهاربا من العدالة بل من البوليس خاصة..

 

لقد نجحت حيث أخفقت جميع المنظمات والأحزاب دون أن أخون أحدا وبقيت على العهد مع نفسي.. لكنني بكيت حين إكتشفت حقائق مريرة وخيانات مؤلمة وجحود مقرف ونكران للجميل لأبقى شامخا وصاحبا لليد العليا وقنوعا وصابرا على ما حصل لي ولا أنتظر شيئا من أحد..

 

وما زادني قناعة في حقدهم وسواد قلوبهم أنّه حين مرضت ووقع بتر رجلي الأولى سنة 2007 لم يتصل بي أي نهضوي من راشد الغنوشي وشلته في المهجر لمواساتي بل بعث لي احدهم دعاء يتمنى لي فيه بتر رجلي الأخرى وقطع رأسي.. فعن أي أخلاق تحدّثني؟؟

 

وفي المقابل تجاسرت على نفسي وذهبت لزيارة راشد الغنوشي في غرفته مدة لا تزيد عن عشر دقائق إثر خضوعه لعملية جراحية في مصحة أمراض القلب بضفاف البحيرة سنة 2013.. وكانت غايتي غير معلنة وهي إعطاءه درسا في الأخلاق والتعامل الحضاري بعيدا عن الخلافات السياسية.. إلا أنّه عجز عن أن ينظر إلى وجهي مرددا كالببغاء “شاكرين فضلك يا إبني” عديد المرات دون أن يقول لي شيئا آخر.. وكان ذلك بحضور ابنته سمية وزوجها رفيق بوشلاكة وعبد الحميد الجلاصي.. رغم انه لم يزرن في المصحة حين خضعت لعملية جراحية لزرع شريان في رجلي سنة 2011 كما واصل أخلاقه الحميدة تجاهي حين وقع بتر رجلي الثانية في شهر رمضان من سنة 2015، فلا يمكن في هذا الصدد ألاّ أفصح عن محاولات صلح وتصالح قام بها أصدقاء من حركة النهضة بعد سنة 2012 بترتيب موعد لقاء مع راشد الغنوشي في بيته في رياض الأندلس بالعاصمة.. إذ تأجل الموعد الأول لغيابه في حضور جنازة المرحوم الرئيس الجزائري السابق بن بلة.. ثم تزامن الموعد الثاني بحضوره جنازة والدة الرئيس التركي أردوغان.. وأما الموعد الثالث فقد رجعت من منتصف الطريق حين كنت مصحوبا بالنهضويين بلقاسم الفرشيشي وسمير المولهي حيث أصرّ وأكّد لي أحدهما على ضرورة تقبيل راشد الغنوشي من جبينه عند مصافحته فرفضت ذلك وإنفعلت وقررت إلغاء الموعد وطلبت من مرافقي النزول من سيارتي قبل الوصول الى بيت راشد رغم تراجعهما عن ضرورة تقبيل جبين سيدهم ..

 

ويعتبر تصرفي هذا في الأصل من الاسباب الخفية التي تعطّل تركيب “بروتاز” رغم الموافقة الإدارية على قرار التكفل بالانجاز في الخارج الصادر عن الصندوق الوطني للتأمين على المرض ورئيس الدولة ووزير الصحة وما زلت أنتظر تفعيل القرار من وزير الشؤون الإجتماعية منذ أكثر من سنتين في حين كان الفنان “كافون” محظوظا بعد أن مرض بعدي وقام بتركيب “بروتاز” قبلي في حين تحصلت على جميع الموافقات الإدارية قبله.. هنيئا له برضاء الجماعة عليه في حين بقيت من المغضوب عليهم.. انتظر الفرج من الله وحده القادر القدير..

 

-ما الذي يفعله الإسلاميون ولا يرضيك تحديدا؟؟

–الكذب والنفاق والخيانات والإنتهازية وإستحمار الأنصار والأتباع والجحود ونكران الجميل.. تلك هي أخلاقهم ومبادئهم النهضوية..

 

-حدثنا عن سبب بتر ساقيك، ما الذي جرى لك بالضبط ؟

–حين وقع إغتيال الرئيس الجزائري المرحوم محمد بوضياف في 29 جوان 1992 في مدينة عنابة.. جاءني بعد يومين أحد أعوان أمن منطقة الكاف مرفوقا بوالدته المريضة الى عيادتي الطبية في الدهماني.. وبعد إنتهائي من فحصها وتدوين وصفتها الطبية تجاذبنا أطراف الحديث حول ملابسات الحادثة الأليمة التي تعرّض لها الرئيس المرحوم محمد بوضياف.. أعطيته بعض تفاصيل الجريمة التي استقيتها عبر الهاتف من شقيقة زوجتي الجزائرية التي كان زوجها حاضرا في الصف الأول للإجتماع بحكم وظيفته السامية في الدولة الجزائرية.. وبعدها بيوم أو يومين هاتفني في مكتب عيادتي الطبية بالدهماني مدير مصالح أمن الدولة عز الدين جنيّح طالبا مني القدوم إليه فأعلمته أنني برمجت القدوم إلى العاصمة في نهاية الأسبوع يوم السبت 4 جويلية 1992 لشراء دراجة لإبني الصغير من تونس.. تفاهمنا على أن أزوره في مكتبه لفترة وجيزة في وزارة الداخلية لدردشة خاصة ثم أنصرف لقضاء شؤوني..

 

وفي اليوم الموعود اتصلت به دون إنتظار على الساعة التاسعة صباحا فوجدت بمكتبه الجلاد حسن عبيد والمجرم عبد الرحمان القاسمي المعروف بإسم “بوكاسا” مع فيلق من الضباط المدنيين الذين أعرف وجوههم دون أسمائهم بما أنني كنت حريفا سابق لدى مصالح أمن الدولة سنة 1987..

 

وبعد السلام والترحاب الجاف ألقى عليّ عز الدين جنيح سؤالا واحدا: طلبت قدومك حتى تعطينا الشبكة الإستعلاماتية التابعة لحركة النهضة والتي تخطط لإغتيال رئيس الدولة.. كان جوابي ساخرا لأنني كنت خالي الذهن مما يزعمه بإعتباري قطعت علاقتي مع عناصر المجموعة الأمنية وما تبعها منذ خروجي من السجن في 5 نوفمبر 1988.. تطاول عليّ سبا وشتما حسن عبيد وإنهال عليّ “بوكاسا” لكما في وجهي وفي صدري وهو جالس بجانبي وكدت أن أختنق وأبتلع لساني بعدما إنهال الدم من فمي إثر كسر أحدى أسناني الأمامية وفي حركة لا شعورية قمت بسب الحاضرين وشتمهم إحتجاجا على ضربي وإهانتي.. عندئذ طلب عز الدين جنيّح من أحد أعوانه الواقف ورائي أن “يفرح بي”..

 

لم أكن أعرف أن ذلك الشخص الذي حملني من حزام سروالي مكلفا بالتعذيب وهو المدعو خليفة بن نصر بطل تونس سابقا في المصارعة.. حملني الى الطابق الرابع رفقة “بوكاسا” أين وجدت عصابة مجرمين بين أربعة وستة أنفار أجبروني على نزع ثيابي لأبقى عاريا أمامهم والدم يسيل من فمي لتنطلق معهم مغامرة التعذيب الوحشي الذي تراوح بين التعليق من الرجلين في “بالانكو” بالسقف وبين المكاتب على شاكلة “روتي” ويطالني الضرب بالعصي والاقدام واللكمات والكاوتشو والصعق الكربائي وإغراق الرأس في الماء المخلوط بالجافال والحرق ببقايا السجائر مع فترات إستراحة وجيزة استرجع فيها انفاسي لتبدأ مرحلة جديدة من حصص التعذيب التي دامت منذ الصباح إلى حدود الساعة الخامسة بعد الزوال كنت خلالها موثوق الأيدي والأرجل التي تغيّر لونها الى السواد ولم أعد قادرا على المشي ولا التحكم في أطراف الأيدي من حيث البرودة وفقدان الحاسة والحركية العادية..

 

بقيت عندهم 19 يوما لتضميد جراحي بعدما إقتنعوا بأنني خالي الذهن مما يزعمون خاصة بعد أن وجدت صدفة حيلة إعطائهم إسم شقيقتي أمال وأحد أصدقاء العائلة منفذا للحد من تعذيبهم القاتل.. إستنطقوا شقيقتي ومحمد الناوي الحنزولي ولم يجدوا لديهما علما بما أدعيه وفهموا أنني كذبت نتيجة بطش وحشيتهم.. نالني داء الجرب في مدة إيقافي وكنت غير قادر لا على الجلوس ولا المشي عاديا.. وغادرت مخافر أمن الدولة يوم 24 جويلية منهوك الصحة ومكسور الخاطر ولا أعرف الغاية من هذه المعاملة القاسية بعدما بقيت من القلائل من عناصر المجموعة الأمنية خارج القضبان في تونس لأنّ البقية كان مصيرهم بعد العفو بين السجون والهجرة القسرية.. لكن.. بمرور الأيام والأسابيع تبيّن لي أنّ الرئيس السابق زين العابدين بن علي قد إنقطع منذ إغتيال الرئيس المرحوم محمد بوضياف عن الزيارات الفجئية التي كان يقوم بها بين الفينة والأخرى وذلك بعد أن أعلمته مصالح أمن الدولة أنّها وراء شبكة من الخوانجية تخطط لإغتياله منذ عملية عنابة الإجرامية.. ولم يظهر منذ ذلك الحين الرئيس السابق خارج أسوار قصر قرطاج إلا في فيفري 1993 عند إشرافه على مجلس ولاية توزر.. ودأب بعدها على حضور مراسم المولد النبوي الشريف خاصة مرتديا تحت قميصه صدرية مضادة للرصاص لفترة زمنية طويلة عند ظهوره في احتفالات دينية ووطنية..

 

لقد نجحت مصالح أمن الدولة في إيهام الرئيس السابق أنه مهدد في حياته وأنّ نشاطه الرئاسي في الزيارات الفجئية قد تكون نتائجه وخيمة عليه وعلى عائلته لذلك وقع التخلي عن هذه الزيارات التي كانت تكشف للشعب مدى التسيب الإداري والفساد في المؤسسات العمومية وضحّى الجميع “بتمرميد” الصحبي العمري الذي أصبح يعاني من إلتهاب حاد في الشرايين..

 

خضعت لعديد الفحوصات الطبية والتحاليل على نفقتي الخاصة وكان الدواء يؤخر ظهور التداعيات الخطيرة لمرض إلتهاب الشرايين الذي تحوّل من المرحلة الحادة إلى حالة مزمنة أتعايش معها متوكّأ على عكاز في تنقلاتي مشيا.. وكدت أن أعجز على المشي تماما لولا حصولي على جواز سفر سنة 2002 بعد منعي من السفر منذ سنة 1990 ..

 

سافرت في سبتمبر 2002 للتداوي في جنيف ثم في باريس لدى مختصين في ضحايا التعذيب وكانت النتائج إيجابية.. ورجعت بعد أشهر لإستكمال التداوي على نفقة الكنفدرالية العالمية لحقوق الإنسان بتعليمات من رئيستها “ماري روبنسون” في جنيف وأصبحت أمشي دون عكاز بعد أن غابت عني الآلام المزمنة في الحوض والأرجل خاصة..

 

إلا أنني لم أقدر لاحقا على إستخراج جواز سفر وإنقطعت عن مواصلة حصص التداوي في جنيف إلى أن تعكرت حالتي الصحية سنة 2007 بعد مصالحتي مع مؤسسة الرئاسة وأدى ذلك إلى بتر رجلي الأولى في ماي 2007 ثم خضعت إلى زرع شريان في رجلي الثانية سنة 2011 ثم وقع بتر رجلي الثانية  في جويلية 2015 ..

 

ولعلمك فقد تكفلت رئاسة الجمهورية منذ سنة 2007 بجميع مصاريف مدة إستشفائي في القطاع الخاص مدة سبعة أشهر بين مصحة “الأمان” ثم “مصحة سكرة” وتكاليف “البروتاز” الأولى وباقي الأدوية اللازمة مع إخضاعي لراحة مرضية طويلة الأمد بعد أن وقع تمكيني من الرجوع إلى سالف وظيفتي في إنتظار تسوية وضعيتي الإدارية قبل إحالتي على التقاعد.. إلاّ أنني تكفلت بمصاريف التداوي بعد الثورة على نفقتي الخاصة قبل أن يعمد وزير الصحة في الترويكا عبد اللطيف المكي إلى عدم تسوية وضعيتي الإدارية ويرغمني دون موجب على الرجوع إلى المباشرة مهددا بقطع جرايتي في صورة مواصلة إنتفاعي براحتي المرضية طويلة الأمد مما زاد في تعكير وضعي الصحي وسلامة شرايين رجلي الثانية التي وقع بترها في جويلية  2015.. والغريب في الأمر أنّه رغم معارضتي الشرسة للنظام السابق.. وكتاباتي على شبكة الأنترنات شاهدة على ذلك مع المضايقات المعروفة والمعلومة من الجميع.. فإنّ صحوة ضمير قادت الرئيس السابق إلى إرسال مبعوثيه لمصالحتي لتبدأ مرحلة جديدة في التعامل بكل شرف مع مؤسسة الرئاسة بعد أن فقد المعارضون الثقة في التواصل مع وزارة الداخلية..

 

لذلك فإنني أتعجب من الممارسات المشينة التي أصبحت أتعرض إليها بعد الثورة خاصة بعد أن أصبحت مقعدا أتنقل فوق كرسي متحرك.. إذ بعد حصولي على جميع الموافقات الإدارية ليتكفل الصندوق الوطني للتأمين على المرض بمصاريف البروتاز في الخارج وتمكيني من القرار بعد أن دفعت الأموال الرمزية المستوجبة لتفعيل القرار عبر مبلغ يفوق الأربعة آلاف ومائتي دينار منذ سنة 2015 وخضوعي إلى إختبار وقيس في ألمانيا لدى شركة “أوتوبوك” العالمية في جانفي 2017 إلاّ أنني سئمت الذهاب والإياب بين أروقة الإدارات لإستجداء أرجل إصطناعية رغم أنني رفعت الأمر ألى د. سميرة مرعي وزيرة الصحة السابقة وإلى وزير الشؤون الإجتماعية محمد الطرابلسي في ماي 2017 إلاّ انني ما زلت أنتظر رغم طول إنتظاري ..

 

ولا يفوتني أن أشير في هذا الخصوص أنني توجهت إلى هيئة الحقيقة والكرامة بما أنني من ضحايا التعذيب ومن أصحاب الإنتهاكات الجسيمة إلاّ أنني جوبهت بالتجاهل والنسيان وهو موقف ليس غريبا على سمسارة حقوق الإنسان سهام بن سدرين التي تدور في فلك راشد الغنوشي الذي سلّم الرئيس السابق 77 صفحة بخط يده يوم 18 ماي 1989 يكشف له فيها له عن الخطة الإستنائية لحركة النهضة للتصدي لتزوير إنتخابات 2 أفريل 1989 التي باركها علنا راشد الغنوشي مع جماعة من المنافقين الإسلاميين وذلك مقابل السماح له بمغادرة البلاد.. أذن الرئيس السابق لوزير الداخلية الشاذلي النفاتي بتمكينه من جواز سفره حيث بعث راشد الغنوشي سائقه ورفيق دربه عبد القادر الجديدي لإستلام الجواز ليقضي ليلته في نزل الهناء بالعاصمة.. ثم ينصرف من الغد مع مودعيه من أنصار النهضة الى مطار تونس قرطاج موهما إياهم أنه مسافر إلى فرانكفورت في حين كان في إنتظاره أعوان من الأمن الرئاسي داخل القاعة الشرفية ليحملوه في سيارة مراسم تابعة لرئاسة الجمهورية نحو .. وهي تصريحات أدليت بها في وسائل الإعلام بعد أن تنكر العديد من قيادات حركة النهضة لفضلي عليهم وتجاهلوا عبء خياراتهم التصادمية مع النظام السابق والخيانات التي رافقت ذلك من داخل البيت النهضوي.. وظنوا أنفسهم شرفاء ونزهاء ومناضلين في حين أنهم عملاء وتجار دين ومواقف يدورون في فلك طائفة نجحت في لعب دور الضحية فتعاطف معها الشعب قبل الثورة وتقيّأها بعد الثورة بعد أن إكتشف حقيقتها الحربائية حسب بورصة المنافع الذاتية.. وهو موقفي الواضح والصريح والعلني الذي أصبح عائقا في تركيب “البروتاز”، حيث إختلط فيها الجانب الصحي بالسياسي بالحقوقي والانساني .. لذلك فإنني صبرت عن الأذى قبل 14 جانفي 2011 وما زلت صابرا بعده.. وتلك هي مشيئة الله.. خاصة بعد أم أصبح قلمي يقودني إلى السجن في حين يحظى الإرهابيون بالعناية والرعاية ويحظى الفاسدون والمجرمون بالحماية والحصانة.. إنهم لا يستحون ويتجاهلون القاعدة التي تقول إنّ السلطة لو دامت لغيرهم لما آلت إليهم.. وتلك الأيام نداولها بين الناس.. يوم إليك ويوم عليك..