كانت تغريدة واحدة من المذيعة الأردنية الجنسية في قناة ( ) السعودية كفيلة بأن تفتح عليها حرباً عرمرمية شعواء لم تخمد نارها حتى بعد أن قررت القناة المعنية إيقافها عن العمل . التي جاءت إثر قرار الرئيس الخبول دونالد ترامب بالإعتراف بالقدس الشريف عاصمة للإحتلال الصهيوني تقول : (ترامب لم يختر توقيت عبثا ، الليلة ندين وغداً نغني هلا بالخميس)  ، ودوناً عن العرب أجمعين ، وكمن يتحسس بطحة على رأسه فقد إعتبر الكثيرون من السعوديين يتقدمهم جنرالات الجيش الألكتروني السعودي هذه التغريدة تعريضاً بهم وتلميحاً سلبياً لموقف بلادهم الرسمي من القضية الفلسطينية ، فكان أن إندلعت الحرب السعودية على جبهة علا الفارس بشكل يتعدى المألوف من سجالات العالم الإفتراضي ، حيث انتابت الجميع الألكتروني السعودي من الأمير إلى الخفير حمّى الهجوم الشرس لا على علا الفارس فحسب ولكن على شعبها وبلد جنسيتها (الأردن) وشعب وبلد أصلها (فلسطين) بصورٍ أكثرها يعفّ عن وصفها اللسان من فرط  إنحدارها الأخلاقي ، وبالكاد خفّت حدة هذا الهجوم حتى مع (إنتصار) المهاجمين بإعلان وزارة الثقافة والإعلام السعودية إنذارها لقناة () أخيراً بضرورة الإلتزام بإيقاف علا الفارس عن الظهور في شاشتها .

 

الحرب السعودية الثانية كانت على جبهة الرئيس التركي رجب طيب عندما ردّ على عبدالله بن زايد وزير خارجية الإمارات في إثر إعادة الأخير لتغريدة تنال من سيرة القائد التركي فخري باشا آخر الأمراء العثمانيين على المدينة المنورة ، التي حكمها بين عامي (1916 ـ 1919) ، ومع أن الرئيس التركي خص الوزير الإماراتي برده القاسي جراء هذه التغريدة إلا أن السعوديين هم من تولوا قيادة الهجوم الكاسح على مستخدمين ضده أقبح أشكال التنكيل اللغوي الإنحطاطي ، حيث تصدرت قطعاتهم الحربية الألكترونية هذا الهجوم الماسخ الذي ما يزال إلى الآن متواصلا ، بل متصاعداً ، دون أن تلوح في الأفق ملامح إنتهاءه ، سيّما وأن الأتراك لم يتراجعوا عن مواقعهم تحت ضروارة القصف السعودي المتمادي .

 

الجامع بين هذين الحربين ، هي قولا واحداً فلسطين ، ففي الأولى كانت التغريدة التهكمية اللاذعة لعلا الفارس صريحة المبنى والمعنى لجهة إنتقاد السائد والمألوف من المواقف العربية الرسمية بعامة تجاه القضية الفلسطينية ، أما لجهة الحرب على أردوغان فكما أن الشمس لا تُغطى بغربال لا يمكن طمس الحقيقة التي تقول أن الموقف التركي الرسمي من قضية القدس كان (وما يزال) متقدماً على مواقف بعض الأنظمة العربية ، ما جعله في مرمى هذه الأنظمة لأنه ببساطة موقف تركي كاشف عن تقاعسها إن لم نقل تخاذلها تجاه القضية الفلسطينية بإعتبارها قضية عربية مركزية قبل أن تكون أي شيء آخر ، وإذا أضفنا إلى ذلك موقفاً تركياً رسمياً سابقاً يعاضد القطريين في الحصار الأخوي المضروب عليهم سنخلص إلى تحديد السعودية والإمارات كأكثر المتحمسين للنيل من أردوغان الذي على عكس الجامعة العربية جمع الأمة الإسلامية في قمةٍ من أجل القدس كان الحضور السعودي والإماراتي فيها أكثر من باهت .

 

على أن شراسة الجيش السعودي الألكتروني على أعداءه في حروبه الإفتراضية هذه تنطوي على ما يتعدى أسباب العداوة المكشوفة ، فثمة هناك الظاهرة الشعبوية الفجة التي يريد لها أربابها من أصحاب القرار أن تتفشى في المجتمع السعودي ، وهؤلاء لا يعدمون حيلة أو وسيلة إلا ويستخدمونها لتكريس هذه الظاهرة كجامع وطني سعودي وحيد يتيم ، وما صناعة الأعداء الإفتراضيين ثم الإنتصار الإفتراضي عليهم إلا وسيلة من بين وسائل التحشيد المجتمعي تحت سقف الوطنية الشعبوية لأهداف معروفة وكلها تنحصر في ضمان الولاء المطلق للحاكم أو منظومة الحكم ، ولقد رأينا في العالم الإفتراضي العجب العجاب من عوارض هذه الشعبوية السعودية المستجدة ، رأيناها في التنمر والتكبر والتجبر والإستعلاء على الآخر وفي الحط من قدره والتقليل من شأنه والتنكيل المعنوي به ، ورأيناها في أغرب أشكال الهاشتاجات السوقية المنحطة ضد الآخرين ، أوطاناً وشعوباً وأفراداً ، دون أدنى مراعاة لأدنى القيم والإعتبارات الأخلاقية ، ورأيناها أخيراً في نشوة النصر الشعبوي الواهم الموهوم ضد أعداء مختلقين على هوى جنرالات الجيش السعودي الألكتروني ، كما في واقعة المذيعة علا الفارس وتغريدتها التي جرت عليها وعلى وطنها وشعبها حرباً شعبوية سعودية غاية في الفجور ، أو كما في الحرب السعودية الإفتراضية المستعرة على الرئيس أردوغان لا لأنه صد ما يعتقده من هجوم إماراتي مقصود على تاريخ بلده ، ولكن لأن أرباب الوطنية الشعبوية السعودية ما برحوا يختلقون الأعداء والعداوات والهزائم والإنتصارات ومعارك الهرج والمرج الإفتراضية لغايات باتت مفضوحة .