لم تكد تمر أيام قليلة على الحصار الذي فرضته والإمارات والبحرين ومصر، على الجارة الخليجية قطر، إلا وبدأت الدوحة في اتخاذ خطوات عملية عدة من شأنها توسيع شبكة علاقاتها في المجالات العسكرية مع دول عدة، بينها تركيا وبريطانيا وأمريكا وفرنسا.

 

خطوات تنوعت بين إبرام صفقات سلاح تارة، وإجراء تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة مع تلك الدول تارة أخرى، علاوة على الجولات المكوكية التي أجراها وزير الدفاع القطري «خالد بن محمد العطية» هنا وهناك، واللقاءات التي لم تتوقف مع نظرائه في العديد من الدول، لا سيما الغربية، والهدف واحد وهو تعزيز .

 

تحركات وجولات، كان لها ما يبررها، وفق العديد من المراقبين، لا سيما مع تطابق العديد من التقارير الغربية، التي تحدثت عن وجود مخططات لرباعي الحصار للقيام بعمل عسكري ضد قطر، وسط أحاديث عن إحباط بعض تلك المخططات، وأخرى لا تستبعد كون الفكرة قائمة ومستمرة.

 

وكان موقع «الخليج الجديد» قد حصل بالفعل على تفاصيل هجوم عسكري على قطر خططت له السعودية والإمارات، لكن إعلان تركيا نشر قوات لها في الدوحة بعد أيام من اندلاع الازمة في 5 يونيو/حزيران الماضي، عرقل تنفيذ المخطط مما أثار غضبا سعوديا إماراتيا ضد تركيا.

 

كما أن الدوحة لا تزال حتى الأسابيع الأخيرة لا تستبعد قيام رباعي الحصار بعمل عسكري ضدها، وهو ما أكده وزير الخارجية القطري، «محمد بن عبدالرحمن آل ثاني»، الشهر الماضي، عندما قال إن «هذه الدول تتبع نمطا من السلوك لا يمكن التنبؤ به، وإنه لا يمكن استبعاد هذا الخيار العسكري بالنظر إلى عدم وجود أي خطوة إيجابية في اتجاه حل الأزمة».

 

التحركات القطرية لتعزيز منظومتها العسكرية، منذ اندلاع ، ارتكزت على 4 محاور رئيسية هي تركيا وأمريكا وبريطانيا، وفرنسا، بالإضافة إلى محاور أخرى ولكنها كانت أقل أهمية مثل المحورين الروسي والأفريقي.

 

وبلغت قيمة الصفقات العسكرية التي عقدتها الدوحة في تلك الفترة نحو 30 مليار دولار، فيما أجرت أكثر من 10 تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة، ووقعت العديد من اتفاقيات التعاون الدفاعي المشترك مع بلدان غربية وأفريقية، بحسب ما رصده «الخليج الجديد».

 

المحور التركي

 

48 ساعة فقط فصلت بين اندلاع الأزمة الخليجية في 5 يونيو/حزيران، وإقرار البرلمان التركي قانونا يقضي بالسماح بنشر قوات تركية في القاعدة العسكرية التركية في قطر، وفق الاتفاقية الموقعة مع الدوحة في عام 2007.

 

وبعد أيام من خطوة البرلمان، وصل وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع، إلى العاصمة التركية أنقرة، لبحث التعاون العسكري مع مسؤولين عسكريين.

 

فيما اعتبرت تركيا، مطالبة دول الحصار بإغلاق قاعدتها العسكرية في قطر، تدخلا في شؤون العلاقات الثنائية بين البلدين.

 

وبعد ذلك بأيام وتحديدا في 19 يونيو/حزيران، نشرت تركيا قواتها بالفعل بالقاعدة، ثم أجرت قوات البلدين خلال الفترة مابين 5-6 أغسطس/آب الماضي، مناورات عسكرية برية، أعقبتها مناورات مشتركة للقوات البحرية في 6-7 من الشهر نفسه.

 

وفي الشهر ذاته، افتتح وزير الدفاع القطري ونظيره التركي (كان فكري إشيق آنذاك)، في الدوحة مركز أنظمة محاكاة الطائرة المروحية (AW139)، والذي يعتبر أكبر مركز تركي للصناعات الدفاعية في قطر.

 

ويوفر المركز تدريبات للطيارين القطريين تماما كما لو أنهم في طائرة مروحية حقيقية، ويناسب كل الحالات الجوية التي تعيشها دولة قطر.

 

كما توالت الزيارات المتبادلة بين المسؤولين العسكريين من البلدين لتعزيز التعاون العسكري، علاوة على زيارة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، للدوحة، وزيارة أمير قطر الشيخ «تميم بن حمد» لأنقرة، كأول دولة يزورها عقب الحصار.

 

المحور الأمريكي

 

تزامنا مع التحرك في المحور التركي، بدأت الدوحة منذ الوهلة الأولى لاندلاع الأزمة في طرق محور تعزيز التعاون العسكري مع واشنطن، لا سيما مع توارد الكثير من التقارير الغربية عن أن ما جرى لم تكن إدارة «»، غائبة عنه، وما يملك رباعي الحصار أن يفعل ذلك دون الحصول على الضوء الأخضر من الأب الروحي «»، والذي تتناغم شخصيته وتوجهاته ومصالحة مع من يقودون دفة الأمور بالدول الأربع.

 

ومع هذا وذاك بات التعاون العسكري بين الدوحة وواشنطن أمر تحتمه اللحظة التي تمر بها البلاد، وبالفعل لم تكد شمس الأسبوع الثاني من اندلاع الأزمة تغيب، حتى تم تنفيذ تمرينين عسكريين بين واشنطن والدوحة، جنوبي قطر.

 

ونفذ التمرينان، القوات القطرية الخاصة المشتركة ممثلة بالقوة الخاصة المحمولة، والعمليات الخاصة، والبحرية الخاصة بالاشتراك مع القوات الجوية الأميرية القطرية ممثلة بجناح النقل وسرب الطائرات العمودية، والقوات الخاصة الأمريكية وذلك لتحقيق مبدأ العمل المشترك.

 

وبعد ذلك توالت المناورات الأمريكية القطرية المشتركة لتعزيز التعاون العسكري بين الجانبين.

 

كما وقعت قطر في 14 يونيو/حزيران، أي بعد أقل من 10 أيام من اندلاع الأزمة، اتفاقية شراء طائرات مقاتلة من أمريكا من طراز «إف 15» بتكلفة مبدئية تبلغ 12 مليار دولار.

 

كل هذه التحركات عضدتها تمركز حوالي 11 ألف عسكري أمريكي، غالبيتهم من سلاح الجو، في قاعدة «العديد» العسكرية الجوية على بعد 30 كيلومترًا جنوب غربي العاصمة القطرية الدوحة.

 

وتستخدم أمريكا القاعدة، التي تضم أكبر تواجد عسكري لها بمنطقة الشرق الأوسط، في حربها على تنظيم «الدولة الإسلامية» في والعراق.

 

كما افتتحت وزارة الدفاع القطرية، في 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، المقر الجديد لمكتب الملحقية العسكرية لدولة قطر بالعاصمة الأمريكية واشنطن، فيما تعد مقاربة للعلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة تعزز التأكيد على التعاون والتكامل بين القوات المسلحة القطرية ونظيرتها الأمريكية.

 

والشهر الماضي، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على مبيعات لقطر بقيمة 1.1 مليار دولار، تشمل توفير خدمات دعم لبرنامج مقاتلاتها من طراز «أف 15 كيو أيه».

 

وتتضمن الصفقة خدمات تصميم وإعمار، ومحطات وقوف جديدة، ومناطق لتخزين الأسلحة، ومنصات تعبئة المواد شديدة الانفجار، وخدمات الأمن السيبراني، وخدمات الحماية والدعم، وغيرها من الخدمات المتعلقة بهذا النوع من المقاتلات.

 

المحور البريطاني

 

لم يكن التحرك القطري على هذا المحور أقل أهمية من المحورين السابقين، فخلال الأشهر الأخيرة، أجرت قطر وبريطانيا 5 تمارين عسكرية في مختلف المجالات البحرية والجوية والبرية؛ كان آخرها، التمرين العسكري الجوي (إيبك سكاي)، الذي أقيم مع سلاح الجو الملكي البريطاني، في قاعدة العديد الجوية بالدوحة.

 

فيما وقع وزير الدفاع القطري «خالد بن محمد العطية» مع نظيره البريطاني «غافين ويليامسون» في الدوحة قبل أيام، اتفاقية تبيع بموجبها بريطانيا لدولة قطر 24 طائرة من طراز «تايفون» بقيمة 8 مليارات دولار.

 

وقال وزير الدفاع البريطاني إن الصفقة مع قطر هي أكبر صفقة تصدير لطائرات «تايفون» خلال السنوات العشر الأخيرة.

 

وأوضح «ويليامسون» أن هذه الطائرات العالية الكفاءة ستعزز مهمة الجيش القطري لمواجهة التحديات المشتركة في الشرق الأوسط، وستدعم الاستقرار بالمنطقة، وتوفر الأمن في الداخل.

 

وتشمل الصفقة أيضا اتفاقا مبدئيا لشراء قطر صواريخ «بريمستون» و«ميتيور» و«رافيون» المزودة للطائرات، إضافة إلى حزمة من التدريب والتعاون بين القوات الجوية في البلدين، حيث سيدرب الطيارون البريطانيون نظراءهم القطريين.

 

كما وقع الوزيران القطري والبريطاني، في اللقاء نفسه، على اتفاقیة إنشاء السرب العملیاتي المشترك.

 

وتشمل الاتفاقية العملیات المشتركة والتدریب، ومنظومة الحرب الإلكترونیة، وذلك من خلال العمل المشترك والمتواصل بین الجانبین، بحسب بيان لوزارة الدفاع القطرية.

 

ويضم السرب جمیع العملیات الجویة القتالیة لضمان الجاھزیة القتالیة لكل من الطیارين والفنيين القطريين والبریطانيين.

 

وأشار البيان إلى أن لهذا السرب دور هام وبارز في التغطیة العملیاتیة، وتأمین الأجواء خلال تنظیم كأس العالم 2022.

 

المحور الفرنسي

 

منذ اندلاع الأزمة الخليجية وتتخذ فرنسا موقفا يبدو إلى حد كبير رافضا للحصار وإجراءاته، وهو ما ساهم في زيادة التقارب القطري الفرنسي، ترجم إلى تعاون عسكري، إذ شهدت المياه الإقليمية القطرية تدريبات عسكرية مشتركة بين القوات البحرية الأميرية القطرية والقوات البحرية الفرنسية.

 

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، وقعت قطر عقودا بقيمة تتجاوز 10 مليارات يورو لشراء 12 مقاتلة «رافال» القتالية الفرنسية وشراء 50 طائرة «إيرباص» (أي 321) أثناء زيارة «إيمانويل ماكرون» إلى الدوحة.

 

وتضمنت الاتفاقيات التوقيع على خطاب نوايا للتعاون في مجال الدفاع بين وزارتي الدفاع القطرية والفرنسية، والبرنامج التنفيذي السابع في مجال التعليم والتعليم العالي لاتفاقية التعاون الثقافي والفني، ومذكرة تفاهم بين مكتبة قطر الوطنية والمكتبة الوطنية الفرنسية، واتفاقية تعاون بين الخطوط الجوية القطرية ومجموعة إيرباص للطيران.

 

كما شهدا التوقيع على خطاب اتفاقية للتعاون بين وزارتي الدفاع القطرية ومجموعة داسو للطيران، وخطاب نوايا للتعاون بين وزارة الدفاع بدولة قطر وشركة «Nexter» للدفاعات الأرضية.

 

المحور الروسي

 

وإن بدت الخطوات العملية التي اتخذتها الدوحة في هذا المحور غير ملموسة، إلا أن مجرد التحرك فيه كان له رد فعل ووقع مختلف على الساحة، حيث زار وزير الدفاع القطري موسكو في أغسطس/ آب الماضي، وحضر استعراضا خاصا لقدرات منظومات «إس-400» و«بانتسير-إس» للدفاع الجوي.

 

وقال «خالد بن محمد العطية»، في تصريحات لوكالة «إنترفاكس» بعد لقاء جمعه، آنذاك، مع وزير الدفاع الروسي «سيرغي شويغو» على هامش منتدى «الجيش 2017» بضواحي موسكو: «نختبر حاليا بعض أنظمة الأسلحة (الروسية) التي، كما أعتقد، ستكون مفيدة جدا في قطر».

 

وتابع «العطية»: «نأمل في التعاون بمجال الدفاع، ولاسيما فيما يتعلق بالتكنولوجيا المتقدمة التي طورتها روسيا».

 

المحور الأفريقي

 

لم تغفل قطر البعد الأفريقي في تحركاتها العسكرية، حيث زار وزير الدفاع القطري دولة جنوب أفريقيا في أكتوبر/تشرين أول الماضي، وعقد مباحثات مع رئيسها «جاكوب زوما»، في مدينة بريتوريا، تناولت سبل تعزيز التعاون في المجالات العسكرية والدفاعية.

 

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أعلنت قطر توقيع 3 اتفاقيات لتعزيز التعاون مع إثيوبيا، في عدة مجالات، أبرزها خاصة بالتعاون الدفاعي، وذلك عقب مباحثات أجراها أمير قطر الشيخ «تميم بن حمد»، ورئيس وزراء إثيوبيا «هايلي ماريام ديسالين»، خلال زيارة الأخير للدوحة.

 

وكانت والسعودية والإمارات والبحرين ومصر قطعت علاقاتها مع قطر في 5 يونيو/حزيران 2017 على خلفية اتهام الدوحة بتمويل الإرهاب وهو ما تنفيه الإمارة الصغيرة الغنية بالغاز.

 

المصدر: الخليج الجديد