بعد أسبوع تقريباً من قرار الرئيس الأمريكي الأحادي الجانب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، من المتوقع أن تسبب هذه الخطوة الكثير من الاضطراب، وفق ما ذكرت تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

 

وعلى الرغم من عدم وجود ضغط حقيقي من الحكومة الإسرائيلية وعدم وجود إجماعٍ في واشنطن على اتخاذ هذه الخطوة، ضرب ترامب بعقود من السياسة الأميركية طويلة الأمد عرض الحائط. فقد اعترف بالقدس كعاصمة لإسرائيل دون الإشارة إلى مطالبات الفلسطينيين بالجزء الشرقي من المدينة، مما دفع المحللين والدبلوماسيين السابقين الى نعي ، حسب الصحيفة الأميركية.

 

وقد صرح ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأميركي، للصحفيين بأن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب لن يحدث على الأرجح فى العام القادم 2017، مما يثير المزيد من التساؤلات حول توقيت بيان ترامب.

 

وبينما يصر ترامب على أن هذه الخطوة حاسمة بالنسبة “لدفع عملية السلام والعمل من أجل التوصل إلى اتفاق دائم”، يبدو أنها كان لها تأثير معاكس لذلك تماماً.

 

فمن المتوقع أن يرفض الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، مقابلةَ نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، الذي سيتوجه إلى الأراضي المقدسة قبل عيد الميلاد. وسوف يلقى بنس نفس المعاملة في من قبل رئيس الكنيسة القبطية المصرية نتيجة لقرار ترامب (وذلك بعد إعلان شيخ الأزهر أحمد الطيب أنه لن يلتقيه).

 

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان انهما يعملان معاً لإقناع البيت الأبيض بإعادة النظر في قراره.

 

وفي الوقت نفسه استمرت الاحتجاجات في المناطق الفلسطينية وعدد من العواصم في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي في نهاية الاسبوع. وقد لقي ما لا يقل عن أربعة أشخاص مصرعهم في أعقاب الضربات العسكرية الإسرائيلية في . يوم الأحد، اشتبك المتظاهرون في بيروت مع الشرطة خارج السفارة الأمريكية؛ ونقل ثمانية أشخاص على الأقل إلى المستشفى بعد ذلك.

 

وتقول واشنطن بوست : يوم الأحد، تحدث فريد زكريا على أثر مغامرة ترامب في ، في برنامجه على قناة سي إن إن فقال: “هناك طرق لحل مشكلة ، مثل انتقاء بعض الأحياء في الجزء الشرقي من المدينة والسماح للفلسطينيين باتخاذها عاصمة لهم. إعلان ترامب لم يستبعد هذا الاحتمال على وجه التحديد، الأمر الذي يجعل هذه الخطوة أكثر إثارة للحيرة”.

 

وأضاف زكريا “في الواقع، إن هذه الخطوة تحقق القليل على الأرض، في حين تسيء إلى الملايين من الفلسطينيين، ومئات الملايين من العرب، والرأي العام في كل مكان تقريباً. عندما تبدي الصين وحلفاء أميركا الأوروبيون والبابا وملوك المملكة العربية والأردن معارضةً قويةً، فمن المؤكد أن الأمر يستحق التشكيك في حكمة هذه السياسة”.

 

وتضيف الصحيفة إن ترامب وحلفاؤه قد أظهروا لامبالاة قصوى تجاه القادة العرب والأوروبيين الذين يبدو عليهم القلق حالياً.

 

وأضافت قائلة: إن محنة الفلسطينيين تولد قدراً كبيراً من النوايا الحسنة والتعاطف من “المجتمع الدولي”، ولكن لم يصدر عنه شيء سوى التصريحات قوية الصياغة والتحركات الرمزية.

 

وتشير إلى أن رد فعل أردوغان أمس الأحد كان هو الأقوى، حيث وصف بأنها “دولة إرهابية”، لكن حتى أردوغان من غير المرجح أن يقطع العلاقات مع الحكومة اليمينية بقيادة بنيامين نتانياهو، حسب الصحيفة.

 

وكما قالت نيكي هالي، سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة، في جلسة لمجلس الأمن بعد إعلان ترامب: “إن الأمر ليس كارثياً”.

 

قد يكون ذلك هو الاستنتاج النهائي للعديد من المسؤولين العرب في حال اندلعت الاحتجاجات في الأيام المقبلة. وهذا يشمل المملكة العربية السعودية التي، وإن صدرت منها كل تلك الصيحات الغاضبة حول القدس الأسبوع الماضي، تحكمها العائلة المالكة المعنية بالتهديد الإيراني- عدو إسرائيل- أكثر بكثير من الظروف التي يعاني منها ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

 

ويتعين على الحكومات في والأردن أيضاً الموازنة بين الشعور العام بالغضب وبين اعتمادها على دعم الولايات المتحدة لها.

 

وقال متظاهر فلسطيني في بيروت، مشيراً إلى المسجد الأقصى في القدس، أحد أقدس المقدسات الإسلامية، “القادة العرب باعوا الأقصى مقابل الدولار. عار عليهم”.

 

وتقول الصحيفة: بطبيعة الحال، لا يبدو أن أحداً يؤمن بالتزام ترامب بعملية السلام. فقد قال محمد شتية، وهو مفاوض فلسطيني سابق، لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”: “إنه هراء. لا أحد يصدق ذلك”. إن اعتراف ترامب بالقدس أكد على ما يعتقده الكثيرون في المنطقة منذ فترة طويلة؛ أن الولايات المتحدة لم تكن أبداً وسيطاً محايداً في الصراع، بل أنها أشرفت، على مدى عقود، على التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يقوض مطالب الفلسطينيين بالسيادة.

 

وقال الكاتب روجر كوهين “كانت هذه “العملية” (عملية السلام) تمثيلاً مثالياً للنمو المطرد في عدد المستوطنين الإسرائيليين (أكثر من 600 ألف مستوطن) الذي تفضله حكومة اليمين بنيامين نتانياهو. لقد منحت التوسع الإسرائيلي المطرد مباركة دولية”.

 

ولكن الصحيفة ترى أنه إذا كان اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل إهانة أو ضربة للقيادة الفلسطينية، فقد توضح للفلسطينيين ملامح المعركة السياسية المقبلة.

 

وقال دانيال ليفي، المفاوض الإسرائيلي السابق ورئيس مشروع “الولايات المتحدة/”، إن الوضع الآن يمثل “هزيمة لنهج فلسطيني فاشل على أية حال، نهج في حاجة ماسة إلى التغيير”. وأضاف “إن الوضوح الذي تقدمه إدارة ترامب للفلسطينيين فيما يتعلق باستحالة نجاح عملية السلام بقيادة الولايات المتحدة، قد ينتهي به الحال بكونه مدعاة للقلق لإسرائيل.”

 

ولمَ ذلك؟ لأنه قد يعيد تركيز الحوار على المعضلة الأخلاقية لإدامة الاحتلال لأجل غير مسمى. بعد خطاب ترامب، أعلن صائب عريقات، المفاوض الفلسطيني المخضرم الذي أمضى سنوات في العمل من أجل حل الدولتين، أن عملية السلام قد فشلت، وأشاد “بالنضال من أجل دولة واحدة وحقوق متساوية لكل شخص يعيش في التاريخية، من النهر إلى البحر.”

 

وقالت الصحفية داليا هاتوقا في حديثها عن موجة من الاحتجاجات المدنية التي اندلعت في الضفة الغربية خلال الصيف، “إذا كان هناك جانب إيجابي لإعلان ترامب، فهو توحيد الفلسطينيين. مع رؤية لحل الدولة الواحدة دون عائق من عملية سلام كاذبة. يبدو أن حقيقة جديدة أصبحت ممكنة”.

 

المصدر: ترجمة وتحرير هافنتغون بوست عربي