أخيراً وبعد أخذ ورد وطول إنتظار، وبعد تلقيها إشارات إيجابية من السعودية، قررت الكويت حسم أمرها فوجهت الدعوات لجضور القمة الخليجية 38 للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، المقرر انعقادها في مدينة الكويت خلال الفترة من الخامس إلى السادس من ديسمبر / كانون الأول المقبل.

كان من المفترض أن تتسلم الكويت ردود الدول الأعضاء على الدعوة خلال الساعات القليلة التي أعقبت توجيه الدعوات، لكن هذا لم يحدث حتى لحظة كتابة هذا المقال، رغم أنه لم يتبقى على موعد إنعقاد القمة سوى أيام قليلة، حيث من المفترض أن يسبقها اجتماع لوزراء الخارجية يقوم بتجهيز الملفات ورفعها للقادة.

ستنعقد القمة الخليجية في نفس اليوم الذي يكمل فيه الحصار المفروض على دولة قطر شهره السادس بالتمام والكمال، ودون أن يحقق ما هدف له من إخضاع قطر أو قلب نظام الحكم فيها، ليترك أثرا بليغاً على جسد العلاقة الخليجية التي فشلت في إجتياز أصعب إختيار تتعرض له منذ عقود، حيث تميزت هذه الأزمة باستباحة كافة الخطوط والمحرمات والتعرض للرموز والأعراض، وما صاحبها من حصار، وتجريم للتعاطف مع قطر، ومقاطعة ومنع سفر حتى للأماكن المقدسة، عدا عن التفريق بين أفراد الأسرة الواحدة، والإضرار بمصالح مواطني ورجال أعمال قطر ومحاصريها على حد سواء، وإنتقال الأزمة للمحافل الدولية والإقليمية.

من المرجح أن تنعقد القمة الخليجية في وقتها المحدد، خاصة وأنها قد أصبحت أشبه ما تكون بطوق النجاة الوحيد، الذي سيحفظ ماء وجه دول الحصار ويتوج وساطة دولة الكويت بالنجاح، لتصبح المخرج من أزمة لن تنتهي تداعياتها مع إنتهاء أعمال القمة الخليجية، بل سيمتد أثرها لسنين قادمة، كونها أسست لمرحلة من إنعدام الثقة والعداء الذي تجاوز الأنظمة إلى الشعوب، إضافة لإنتقال الأزمة من البيت الخليجي للمحافل الدولية والإقليمية، وما صاحب ذلك من سياسات إستقطاب ومحاور، ورفع قضايا قانونية، ما أدى لتشويه سمعة وصورة دول الخليج أمام الرأي العام العالمي، خاصة مع الإنحدار الأخلاقي الكبير لمسؤولي ورموز ومستشاري أنظمة دول الحصار.

السيناتور الديموقراطي “تيد لو” عبر بوضوح وصراحة عن حقيقة الأزمة، عندما شن هجوماً لاذعا على “جاريد كوشنر” صهر الرئيس ترامب، متهماً إياه بقلة الخبرة السياسية والسيطرة على قرار أمريكا الخارجي، والإيعاز للسعودية بحصار قطر، وهو ما يفسر المماطلة والمراوغة الأمريكية ولعبها على تناقضات دول الخليج فيما يخص الأزمة.

نصف عام مر على الأزمة، لم تستطع خلاله دول الحصار الخليجية ومعها مصر تحقيق أي من أهدافها، فلا قطر رضخت ولا هم تنازلوا عن مطالبهم التعجيزية، لتستمر الأزمة بالمراوحة مكانها بعد أن وصلت لطريق مسدود، لكنها وفي نفس الوقت منحت دولة قطر فرصة التخلص من الضغوط الاقتصادية والتجارية بحكم العلاقة التكاملية السائدة مع دول الحصار، لتدشن مرحلة جديدة من الإعتماد على الذات وإيجاد شراكات جديدة أكثر قوة وصلابة.

لقد كان واضحاً أن سبب الأزمة الحقيقي كان يتمثل في عزل قطر وتحييدها ومنعها من تقديم الدعم للحراك الشعبي العربي، خاصة وأن الثورات المضادة المدعومة سعودياً وإماراتياً قد آتت أكلها في أكثر من دولة عربية، ونجحت في تدجين المعارضة السورية، فباتت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هدفها في سورية، والمتمثل بالابقاء على منظومة الحكم الأسدي، بعد أن نجح مايسمى مؤتمر الرياض 2 بفرض وتعيين هيئة مفاوضات جديدة موالية لنظام الأسد في غالبها، لتنتقل الأزمة السورية لمربع جديد في مخطط تصفية ثورة الشعب السوري.

يمكننا القول أن هيئة المفاوضات الجديدة التي فرضتها السعودية والإمارات، قد أذنت بصعود التيار الدحلاني السوري، المتمثل بخالد المحاميد وكيل محمد دحلان، الذي كان له اليد الطولى في إختيار أكثر من 120 شخصاً من المشاركين في مؤتمر الرياض، ليتربع بدوره على عرش رئاسة الهيئة التي ضمته و الممثل جمال سليمان كنواب لنصر الحريري الذي أثبت تماهيه مع كافة الأجندات المطروحة، فتمت ترقيته لمرتبة رئيس ومنسق لهيئة المفاوضات التي سقطت شرعيتها حتى قبل أن تولد، فقد تم رفضها شعبياً وعسكرياً من خلال بيانات واضحة وصريحة.

الممثل جمال سليمان “لأب من طرطوس وأم من دمشق”، كان صرح بما معناه: “أنه إذا إقتضت المصلحة الوطنية بقاء الأسد فليبقى”.

إن ما يحدث اليوم بمباركة ما يسمى معارضة، يعتبر مؤشراً خطيراً على مساعي تحييد الأغلبية “السنية” في سورية ومنعها من إستلام مقاليد الحكم، وتدشين مرحلة جديدة تؤذن بالإنتقال من حكم الأقلية الواحدة “النصيرية” إلى حكم الأقليات، الأمر الذي يذكرنا برموز حقبة الستينيات الذين شرعنوا لحافظ الأسد وسهلوا له الوصول للحكم باسم حزب البعث وشعارات الوطنية والقومية، فحكمت “النصيرية” التي أذاقت السوريين الويلات، لتدفع سبعة أجيال (1963 – 2017) ثمن هذا التواطئ والتفريط بحرية وكرامة ومستقبل السوريين ووطنهم.

“ليت أن أصدقاء الأسد كأصدقاء الشعب السوري”، مقولة تبعث على الحزن والألم لكن يرددها السوريون، بعد أن إتضحت ملامح المخطط والدور الذي لعبته وتلعبه هذه الأنظمة، في التصدي لتطلعات الشعوب العربية ومنعها من تغيير أنظمة الحكم المستبدة، سلاحها في ذلك ثروات وهبها الله لهذه الأمة لكن حكامها تفننوا في تبذيرها وصرفها دون وجه حق، أو نهبها وإيداعها في خزائن الغرب التي لن تعيد لشعوبنا شيئاً منها، وما أكثر الأمثلة على ذلك.

بالعودة إلى القمة الخليجية، فإن عدم صدور رفض صريح من أي من الدول يعتبر إشارة على إحتمال انعقادها، ومحاولة لملمة تداعياتها التي باتت تنذر بتحويل الخليج العربي لمنطقة عدم إستقرار، وتشجع أطماع الآخرين فيها، عدا عن التدخل الخارجي والإبتزاز الحاصل، خاصة وأن الهدف من الأزمة المفتعلة قد تحقق، أو أصبح قاب قوسين أو أدنى من ذلك، فمحمد إبن سلمان أصبح ملكاً غير متوج، ولا يحتاج سوى لإجراءات شكلية لإستلام الحكم، لكنه ربما يسير على خطى معلمه بمحمد إبن زايد فيترك والده ملكاً صورياً كما يفعل إبن زايد مع أخيه الغير شقيق خليفة.

الأزمة الخليجية اليوم ليست بجديدة أو غريبة على المنطقة، التي شهدت صراعات ونزاعات ومحاولات إحتلال وقلب أنظمة حكم، وبالتالي فإن ما حدث خلال هذه الأزمة، يعتبر ترجمة صادقة لحقيقة العلاقات المتردية بين أنظمة المنطقة، التي ما عاد بعضها يقيم إعتباراً حتى للأعراف والإجراءات والمواثيق الدبلوماسية والسياسية، ولا للإتفاقات الثنائية، حتى التجارية والإقتصادية منها.